موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > المنبر الإسلامي العام

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:50 PM   #1
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

Thumbs up مناظرة أهل البدع ((((( أرجو المرور للاهميه )))))) !!!

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
اخوتى الاحبه اعضاء ومشرفى وزوار هذا المنتدى الطيب الصامد فى وجه التعرجات والاهواء
انصح الجميع ان يقرا هذا الموضوع الرائع الذى عثرت عليه
واحببت ان تعم الفائده للجميع من جهه ....ومن جهه اخرى احببت ان يكون مرجعا لكم تاخذون منه وتردون على كل اصحاب الاهواء والافتراءات والبدع الذين للاسف كثرو هذه الايام
وبدؤو يخوضون بمواضيع غريبه وعجيبه تشغل بال المسلمين ويحاولون بشتى الطرق توجيه عقل الفتاه والشاب المسلم باتجاهات معينه سواء عن قصد فالله لهم بالمرصاد .....او غير قصد ....للاسف نتيجه انحراف فى رؤيتهم وتاصيلهم الشرعى .......يطرحون تلك المواضيع والافكار والفرضيات الجدليه !!!
بنفس الوقت الذى يقوم اليهود بالحفر وتفخيخ المسجد الاقصى لهدمه !!!!!!! وتاتى قوات الصليب الى ارض العراق وافغانستان لتقتل وتحتل وتنهب !!!!!!!!!!! واخرها ..... التهديد الجديد وهو بالامس فقط بمحو مكه المكرمه عن الخريطه
من ذلك الكلب فى الكونجرس الامريكى .......... فحسبنا الله ونعم الوكيل
ولا حول ولا قوه الا بالله العلى العضيم
اللهم اجعلنا من الغرباء المرابطين على الحق يا رب العالمين ورد من كاد هذا الدين فى نحره ........
كما لا انسى ان ادعو لصاحب هذه الكلمات والذى قام بهذا الجهد ان يبارك الله فى عمره وعلمه وجهده ..... امين



مناظرة أهل البدع (رؤية شرعية معاصرة


{قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا {75** وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا**

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما وبعد:
فالبدعة أحب إلى إبليس من المعصية لغلظ نجاستها؛ ولأن صاحبها لا يتوب منها إلا ما شاء الله تعالى.
وأخطر البدع ما كان علمياً اعتقادياً، يفسد على الإنسان نظام حياته كلها وذلك كبدع الفرق الاعتقادية التي تحزبت على أصل بدعي أخرجها عن دائرة السنة والجماعة . وهذه الفرق التي كانت في قديم الزمان لا زال لأكثرها وجود وحضور في الساحة الفكرية في هذا الزمان ، بالإضافة إلى الكثير من الآراء المحدثة في هذا الزمان سواء تحزب أصحابها لبعضهم البعض أم بقوا أوزاعاً متفرقين بالأبدان متعاونين متعاضدين في الأفكار. وهذه الأفكار البدعية المنحرفة تجد في هذه الأيام من يروِّج لها في وسائل الإعلام التي تسلطت على المسلمين ببث ما يضرهم –غالبا- وترك ما فيه منفعتهم وصلاحهم . وقد تكلم كثير من العلماء وطلبة العلم عن الرد على أمثال هؤلاء وقصدوا بذلك التأليف والكتابة لرد شبههم ومقارعتهم الحجة بالحجة ، إلا أن هذه الوسيلة للرد على المبتدعة على عظيم منفعتها محدودة التأثير ؛ لأن الشريحة التي تقرأ من الناس - فضلا عن من يقرأ مثل هذه الكتابات- محدودة جدا . ومن وسائل مواجهة هؤلاء مناظرتهم على رؤوس الأشهاد ، ومزاحمتهم في المنابر التي تمكِّن لهم . فمن هنا يبرز السؤال عن مشروعية هذا الأمر وعن منهج السلف تجاهه، وهذه محاولة متواضعة في بيان ذلك .
وقبل تفريع الكلام حول تفاصيل تتعلق بالمناظرة وبحكمها الشرعي أرى أنه لابد من بيان معنى المناظرة، ومن أحسن تعريفاتها التعريف الذي صححه إمام الحرمين الجويني للجدل بعد أن ساق عدة تعريفات وهو : إظهار المتنازعَيْن مقتضى نَظْرَتِهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة . وأشار - رحمه الله – في كلامه إلى أنه لا فرق عنده بين الجدل والجدال والمناظرة ، وهذا يعني صلاحية هذا التعريف للمناظرة كذلك .وبذلك يظهر من معنى المناظرة أنها : مختصة بتراجع الكلام مع خصم لا يرى رأيك على سبيل إثبات صواب قولك وبطلان قوله فيكون المراد منها الظهور والغلبة، ولا يبحث فيها فيما إذا كان قوله صواب أم فيه شيء من الصواب ليتبعه المناظر، وإنما كل طرف من أطراف المناظرة يبتغي العلو على مناظريه بالحجة، ويريد أن يقطع حجج خصومه . وأما الحوار فإن الكلام فيه يكون على سبيل طلب الحق، وتلاقح أفكار الفريقين، واستفادة كل طرف من الآخر، وليس بالضرورة أن يكون فيه طرف ظاهر غالب، وطرف مظهور عليه مغلوب. قال أبو عبد الله ابن بطة (387) : (( سمعت بعض شيوخنا رحمه الله يقول :المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة ، والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة )) . قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: ((وهي في الاصطلاح – أي المناظرة - : المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق )) ، وقال الزَّبيدي في تاج العروس: ((والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته)) .

وأنا إن شاء الله أبيّن بعض النقاط التي أرجو أن تتضح بها صورة الموضوع في حكم مناظرة أهل البدع أو مجادلتهم والجلوس معهم للتباحث والنظر ، وذلك كما يلي :

1- أن الله تبارك وتعالى لم يُنعم على عبده نعمة أتمّ ولا أعظم عليه من نعمته عليه بالهداية لصراطه المستقيم، وتوفيقه للإسلام وللسنة والجماعة ، فكم من محروم من هذه النعمة ، وقد أعطاك الله تبارك وتعالى إياها بالمجان بدون استحقاق منك عليه جل وتعالى فاعرف لهذه النعمة قدرها.
وقد استشعر الصحابة والسلف الصالح عظيم منّة الله عليهم بتوفيقه لهم وهدايته إياهم إلى السنة بعد أن هداهم للإسلام:
فعن معاوية بن قرة أن سالم بن عبد الله حدثه عن ابن عمر قال: ما فرحتُ بشيء من الإسلام أشد فرحاً بأنّ قلبي لم يدخله شيءٌ من هذه الأهواء .
وقال أبو العالية : ما أدري أي الغُنمين عليَّ أعظم : إذْ أخرجني الله من الشرك إلى الإسلام أو عصمني في الإسلام أن يكون لي فيه هوى .
وسأل المرُّوذِيُّ الإمامَ أحمد بن حنبل: من مات على الإسلام والسنة مات على خير؟! فقال له أحمد : اسكت، من مات على الإسلام والسنة مات على الخير كله . فاللهم لك الحمد على هذه النعمة العظيمة ؛ أن هدَيتنا للإسلام ، ثم زدتنا من فضلك بأن جعلتنا من أهل السنة لا من أهل البدعة.

2- الانحرافات البدعية إنما تكون – في الغالب – من باب الشبهات، والشبهات أمراض معدية يجب التوقي من الإصابة بها فـ ((القلوب ضعيفة والشُبَه خطافة)) .
ولذلك فالواجب على المسلم السني ألا يجعل من قلبه مسكناً للشبه، ولا استراحة لها كما قال ابن تيمية لتلميذه ابن القيم ناصحاً: (( لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشْربتَ قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً للشبهات أو كما قال ))
وهكذا فليس من دأب المسلمين الموقنين بما أنزل الله على رسوله، الذين هم على بصيرة من أمرهم أن يتتبعوا الشبهات وأن يجعلوها همّهم، وإنما ((المنهج الصحيح هو عرض حقائق الإسلام ابتداءً لتوضيحها للناس لا رداً على شبهة، ولا إجابة على تساؤل في نفوسهم... وإنما من أجل البيان الواجب .. ثم لا بأس – في أثناء عرض هذه الحقائق – من الوقوف عند بعض النقاط التي يساء فهمها أو يساء تأويلها من قبل الأعداء أو الأصدقاء سواء)) .
ويكون حال السائر إلى الله والدار الآخرة مع الشبه حال المسافر تعرض له الآفات من العقارب والحيات وغيرها، فما عرض له منها في طريقه قتله، وما لا فلا يتّبعه ولا يبحث عنه إذ لو فعل ذلك لانقطع عن سفره وضل الطريق .
وعليه فيجب أن يكون هذا منهجاً يُرَبَّى عليه الشباب والمتعلمون ، فيُعَلَّمون القرآن والحكمة وحقائق الإيمان واليقين ، ثم إن عرض لبعضهم شبهة تولَّى العالم أو المربي علاجها ، لا أن تُجْعَل الشبهات والبدع والأخطاء العقدية المسائل التي يُلَقَّنَها من أول سلوكه طريق الهداية = فيتشرّب قلبه من ذلك حب الشقاق واضطراب الرأي والجرأة على خوض هذه المسالك كما هو مشاهَدٌ الآن ، والله المستعان .
ثم ليُعْلم أن هذا غير مختص بأحد دون أحد، بل هو متناول لمن كمُل علمه واستنارت بصيرته ولمن كان دون ذلك . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من سمع بالدجال فليَنأَ عنه، فوالله إنّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به الشبهات)) وهذا عام. قال الإمام ابن بطة معلِّقا على هذا الحديث : ((هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق .فالله الله معاشر المسلمين ، لا يحملنَّ أحداً منكم حسنُ ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء فيقول أُداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه ، فإنهم أشد فتنة من الدجال ، وكلامهم ألصق من الجَرَب ، وأحرق للقلوب من اللهب. ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبُّونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم)) .اهـ.
و دخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين فقالا : يا أبا بكر نحدثك بحديث؟! قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال : لا . قال: تقومان عني وإلا قمتُ. فقام الرجلان فخرجا. فقال بعض القوم: ما كان عليك أن يقرآ عليك آية؟ . قال: إني كرهت أن يقرآ آيةً فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي .

3- يبيَّن لنا ما سبق سبب موقف السلف المتشدد تجاه مجالسة ومخالطة أصحاب البدع بله مناظرتهم وهذا هو مقتضى فهمهم الصحيح للشريعة وخبرتهم بحال النبي صلى الله عليه وسلم وبهديه وهدي الصحابة رضي الله عن الجميع .
ففي صحيح البخاري من حديث القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ** هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ - إلى قوله - أُوْلُواْ الألْبَابِ ** قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى اللهُ فاحذروهم ) .
وقد كانوا – رحمهم الله – يكرهون المراء مطلقاً ، حتى ولو لم يكن معه شيء من فساد المعتقد.
(1)فعن وهب بن منبّه قال: كنت أنا وعكرمة نقودُ ابنَ عباس بعد ما ذهب بصره حتى دخلنا المسجد الحرام؛ فإذا قومٌ يَمترون في حلقةٍ لهم مما يلي باب بني شيبة، فقال لنا: أُمَّا بي حلقة المِراء. فانطلقنا به إليهم فوقف عليهم فقال: انتسبوا لي أعرفْكم. فانتسبوا له – أو من انتسب منهم – قال: فقال: ما علمتم أن لله عباداً أَصَمَّتهم خشيته من غير عِيٍّ ولا بَكَم!! وإنهم لهم العلماءُ الفصحاءُ النبلاءُ الطلقاء، غير أنهم إذا تذاكروا عظمة الله - عز وجل - طاشت

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:51 PM   #2
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

لذلك عقولهم، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية . فأين أنتم منهم؟! . قال: ثم تولَّى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلاً .
(2)وحدث حماد بن زيد عن محمد بن واسع عن مسلم بن يسار أنه كان يقول: إياكم والِمراء فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته .
أما إذا خالط المراءَ والجدالَ بدعةٌ فكان فرارهم من ذلك أشد الفرار ومواقفهم المروية لنا في ذلك كثيرة جداً جداً. فمن ذلك :
(3) أن الحسن ومحمد كانا يقولان : لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تسمعوا منهم ولا تجادلوهم .
(4) وقال عبد الرزاق : قال لي إبراهيم بن أبي يحي : إني أرى المعتزلة عندكم كثيراً. قال: قلت: نعم، ويزعمون أنك منهم! . قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك. قلت: لا. قال: لِمَ؟ . قلت: لأن القلبَ ضعيف، وإن الدين ليس لمن غلب .
(5) وذكر أبو الجوزاء أهل الأهواء فقال: لأن تمتلئ داري قردةً وخنازيرَ أحب إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء .
(6) وقال محمد بن علي : لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله .
(7) وقال مصعب بن سعد : لا تجالس مفتوناً، فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما يُمرض قلبك لتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن يفارقك .
(8) وقال أيوب : قال أبو قِلابة: ((لا تجالس أصحاب الأهواء، فإني لا آمن عليك أن يغمسوك في ضلالتهم، ويلبسَّوا عليك ما كنت تعرف))، وكان والله من القراء ذوي الألباب .
فإذا كان أبو قلابة يقول هذا الكلام لأيوب السختياني وهو من هو؟!! فكيف بك أخي الكريم وأنت لم تبلغ رتبة أيوب في العلم والدين ولعلك لم تقاربها ؟!! فهذا دالٌ على أن الأمر جلل.
(9) وحدث عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: كان ابن طاووس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم. قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بُني أدخل إصبعيك في أذنيك واسدد لا تسمع من كلامه شيئاً . قال معمر : يعني أن القلب ضعيف .
(10) وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يعيب الجدال ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرُدَّ ما جاء به جبريلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم !! .
(11) وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين. فقال الحسن : أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنتَ أضللتَ دينَك فالتمِسه .
(12) وقال سلام وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب : يا أبا بكر أسألك عن كلمة ! قال: فولَّى أيوب، وهو يقول: ولا نصف كلمة !! مرتين وهو يشير بإصبعه .
(13) وقال يحيى بن يسار سمعتُ شَريكا يقول :لأن يكون في كل قبيلة حمار أحب إليَّ من أن يكون فيها رجلٌ من أصحاب أبي فلان(رجلٌ كان مبتدعا) .
(14)وقال أبو حاتم : سمعت أحمد بن سنان يقول:لأن يجاورني صاحب طنبور أحب إليَّ من أن يجاورني صاحب بدعة؛ لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر الطنبور ، والمبتدع يُفسد الناس والجيران والأحداث .

وكان في كلامهم رحمهم الله ما يدل على أن الخصومات والمناظرات في الدين سبب لإيغال المبتدع في الضلالة :
(16) فقد سأل عمرو بن قيس الحَكَم بن عُتَيبة فقال له: ما اضطر المرجئةَ إلى رأيهم؟. قال: الخصومات .
(17) وقال الأوزاعي : إذا أراد الله بقوم شرّاً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل .

وقد بوّب الآجُرِّيُّ في الشريعة عدة أبواب تدل على هذا الأصل من مجانبة المبتدعة والحذر من الاختلاط بهم والجلوس معهم فمن ذلك : ((باب الحث على التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه رضي الله عنهم، وترك البدع، وترك النظر والجدال فيما يخالف الكتاب والسنة وقول الصحابة رضي الله عنهم)) . وكذلك : ((باب ذم الجدال والخصومات في الدين)) . وكذلك : ((باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالا يكرهه الله تعالى بلزوم البيوت والعبادة لله تعالى)) .
وبوّب اللالكائي : ((سياق ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة)) .
وفي ذم الكلام وأهله لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي : ((باب ذم الجدال والتغليظ فيه، وذكر شؤمه)).

هذا وقد استطردتُ قليلاً في ذكر مواقفهم رحمهم الله من الحوار والجدال والمجالسة والسماع لأهل البدع ،ومن ذلك مناظرتهم ، تأصيلاً للمسألة وبياناً للأصل الذي يجب حفظه ومراعاته في مثل هذه المسائل . وحملني على ذلك أيضا توسع الناس في ذلك في هذه الأزمنة، فلا تكاد تجد منهم متحفِّظاً يكون سلفياً في موقفه من مجالسة أهل البدع وإلقاء السمع لهم ، وقد تركت من ذلك أضعاف أضعاف ما نقلتُ فالآثار في ذلك بالمئات. فليتأمل العاقل في نفسه ، ولينظر في البواعث التي سيأتي تقريرها ثم ليشح بدينه من أن يناله نائل ، فإنما هي الجنة والنار ، فالأمر جد وليس بالهزل.
على أن ذلك من السلف رحمهم الله ليس بالقاعدة المطَّرِدة التي لا يصح أن تُخالف . وبيان ذلك يتضح بتلمُّس بواعثهم على مثل هذا الموقف، ومن ثم قياسها ومعرفة وزنها من واقعٍ لآخر، مع النظر في مواقفهم الأخرى التي ثبتت عنهم في مناظرتهم وكلامهم مع أهل البدع.
أما بواعثهم على اتخاذ هذا الموقف فأهمها ما يلي :
1 – حرص الإنسان على سلامته في دينه، وخوفه على نفسه من الشبهات والوقوع في البدع أو القرب من أهلها. وذلك أنهم عرفوا مقدار نعمة الله عليهم بما تفضل عليهم من توفيقهم للإسلام والسنة فشحوا بدينهم من أن يناله أي نائل ، ولم يأمنوا مكر الله، ورجوا السلامة و السلامة لا يعدلها شيء. قال الإمام مالك بن أنس : الداء العضال التنقُّل في الدين، وقال : قال رجلٌ: ما كنتَ لاعبا به فلا تلعبَنَّ بدينك .
فينبغي على من أراد المناظرة أن يرجع إلى نفسه ويقول لها (إني لو نجوتُ وعطب أهلُ الأرض من أهل الأهواء ما ضرني ذلك . ولو عطبتُ ونجَوا ما نفعني . فإقامتي الحجة عليهم وتركي أن أقيم الحجة على نفسي - في تضييعي أمره حتى أؤدي ما أمرني به ربي ، وأنتهي عمَّا نهاني عنه ، وأربح أيام عمري ليوم فقري وفاقتي - أولى بي فقد شغلوني عن نفسي وعن العمل لنجاتي ...)) .

ويمكن ملاحظة ذلك في الآثار:4، 7، 8، 9، 12 .

ومن أضرار هذه المناظرات على المشتغل بها في دينه كونها شاغلة له عما هو أولى به منها -كما مرّ قريبا الإشارة إليه- من خلوّ القلب لذكر الله، وتذوق حلاوة مناجاته، والاشتغال بقراءة القرآن، وتعلّم وتعليم العلم النافع فإن أهل الاشتغال بهذه الأعمال الجليلة في شغل عن هذه المماحكات، ولم يولّد المماراةَ والجدلَ في الدين إلا قومٌ فرغوا عن العمل النافع فانشغلوا بما هو دونه بمراتب، بل بما يكون ضرره على الواحد منهم- وعلى سائر المسلمين- أكثر من نفعه.
ولذلك فإنه كانت في ((القرون الفاضلة الكلمة في الصفات ] وغيرها من المسائل الكبار[ متحدة، والطريقة لهم جميعا متفقة. وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلّفهم القيام بفرائضه من : الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج والجهاد، وإنفاق الأموال في أنواع البر، وطلب العلم النافع، وإرشاد الناس للخير على اختلاف أنواعه، والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة، وبما تبلغ إليه القدرة، ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه، ولا تعبدَّهم بالوقوف على حقيقته. فكان الدين إذ ذاك صافياً عن كَدَر البدع ... فعلى هذا النمط كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وتابعوهم، وبهدي رسوله اهتدوا، وبأفعاله وأقواله اقتدوا))
وقال جعفر بن محمد : إياكم والخصومة في الدين ؛ فإنها تُشغل القلب ، وتورث النفاق .
قال الربيع : أنشدنا الشافعي في ذم الكلام :
لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعاً حتى استخَفَّ بدين الله أكثرهم في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل
وفي الذي حملوا من حقه شغل
ويمكن ملاحظة ذلك في الآثار: 1 ،7 ،16 .

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:53 PM   #3
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

2 – أن العقل السليم يدل على ذلك فإن الشريعة مبناها على التسليم والانقياد، ولا أحد أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته رضي الله عنهم، ولا أحد أعلم بالصحابة من التابعين رضي الله عن الجميع وهم كلهم كانوا أصح الناس عقولاً، وأقومهم هدياً وطريقة، وأحدثهم عهداً بالشريعة فمنهم يُسْتَمد، وعلى التسليم لرب العالمين المعوَّل. وأما التعويل على غير هذا فما هو إلا خبط في العماية يورث التشكك والتنقل والحيرة والاضطراب وفساد الأمر.
وعليه فالحزم كل الحزم في اتباع هدي السلف الأول والأمر العتيق مع الحذر من البدعة والتبدع .

قال عبد الله بن مصعب :
ترى المرء يعجبُه أن يقول
فأمسِك عليكَ فضولَ الكلامِ
ولا تصحبنَّ أخا بدعةٍ
فإنّ مقالتَهم كالظَِّلال
وقد أحكم اللهُ آياتِه
وأوضحَ للمسلمين السبيلَ
وأسلمُ للمرءِ أن لا يقولا
فإنّ لكلِّ كلامٍ فضولا
ولا تسمعنَّ لهُ الدهرَ قيلا
توشكُ أفياؤُها أن تزولا
وكان الرسولُ عليها دليلا
فلا تقفُوَنَّ سواها سبيلا


ويدل على هذا أيضاً الآثار:6، 7، 10، 11، 17 .
وهذه النقطة عائدة إلى النقطة السابقة وكلاهما عائد إلى قصد حفظ النفس من البدعة.

3- قصد حفظ المجتمع من البدعة فالمبتدعة في ذلك الزمان قليل مقموعون لا شوكة ولا ظهور لهم. وأئمة العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم هم الشموس والأقمار المضيئة للناس في الظلماء.
قال الإمام اللالكائي رحمه الله : (( فهم – أي المبتدعة – ** كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ** .. ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأُشربت قلوبهم حبها حتى خاصموا فيها بزعمهم تديناً أو تحرجاً من الآثام = لم تَرَ دعوتَهم انتشرت في عَشْرةٍ من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة بل كانت داحضة وضيعة مهجورة؛ وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نايرة ، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، يُنطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتُدَوَّن مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخطب وتختم، ويفصل بها بين الحق والباطل ويحكم، وتُعقد عليها المجالس وتبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتُعَلَّم .. )) اهـ .
وعليه فمجالسة أئمة السنة للمبتدع قد تغرُّ به مَن سَلِم من هذه البدعة ولم يعلم بها، أو قد تعطي لهؤلاء شيئا من الاعتبار والمكانة التي لا يستحقونها، وقد تؤدي إلى انتشار البدعة وعلم الناس البرءآء منها بها قال الغزالي : ((فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسداً)) أي وإن كان جدله فاسداً.
قال أبو القاسم الأصبهاني (535) في كتابه (الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة) وهو يذكر فصولا مستخرجة من السنة: ((وترك مجالسة أهل البدعة ومعاشرتهم سنة ؛ لئلا تعلق بقلوب ضعفاء المسلمين بعضُ بدعتهم ، وحتى يعلم الناس أنهم أهل بدعة ، ولئلا يكون في مجالستهم ذريعة إلى بدعتهم)) .
فكان الحزم في توقي استفادة هؤلاء من التعلق بأذيال أهل السنة والاتباع .
وقد هجر الإمامُ أحمد الحارثَ المُحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة ، وقال له: ويحك ، ألستَ تحكي بدعتهم أولاً ثم ترد عليهم ؟! ، ألستَ تحمل الناسَ بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث .

وانظر في ذلك الآثار:13، 14 .

4 – قصد زجر المبتدع عن بدعته، وذلك بهجره وقمعه. والهجر عقوبة شرعية قد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت في ذلك الزمان من أبلغ العقوبات إذ السنة ظاهرة، والبدعة وأهلها مخذولة محتقرة فبالتالي تجد أن أكثر الناس يكون هاجراً للمبتدع فلعله أن يتأثر بذلك فينقمع عن بدعته، ويفيء إلى السنة، أو لا أقل من أن يَطْفَأ نشاطُه، ويقل شره وكلتا الحالتين خير له من التمادي في البدعة قال أيوب السختياني : لست برادٍ عليهم بشيءٍ أشد من السكوت .
وقال ابن هانيء : سألت أبا عبد الله عن رجل مبتدع داعية يدعو إلى بدعته، أيجالس؟. قال: لا يجالَس ولا يُكلَّم لعله أن يرجع .
قال اللالكائي : ((فلم تزل الكلمة مجتمعة، والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف، وكلام غير مألوف في أول الإمارة المروانية تنازع في القدر وتتكلم فيه .. ثم انطمرت هذه المقالة، وانجحر من أظهرها في جحره، وصار مَن اعتقدها جليسَ منزله، وخبَّأ نفسه في السرداب كالميَّت في قبره؛ خوفاً من القتل والصلب والنكال والسَّلب، ومِن طلبِ الأئمة لهم لإقامة حدود الله عز وجل فيهم – وقد أقاموا في كثير منهم، ونذكر في مواضعه أساميهم – . وحثَّ العلماءُ على طلبهم، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم، والاستماع إليهم، والاختلاط بهم لسلامة أديانهم. وشهّروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة، ومذاهبهم الخبيثة خوفاً من مكرهم أن يُضلوا مسلماً عن دينه بشبهة وامتحان، أو بَرِيق قولٍ من لسان. وكانت حياتهم كوفاة، وأحياؤهم عند الناس كالأموات. المسلمون منهم في راحة، وأديانهم في سلامة، وقلوبهم ساكنة، وجوارحهم هادية . وهذا حين كان الإسلام في نضارة، وأمور المسلمين في زيادة)) . ثم ذكر بداية أمر مناظرة أهل البدع ثم قال : (( فما جُني على المسلمين جنايةٌ أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قَهر ولا ذُلٌّ أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمداً ودرداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلاً؛ حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطَرَقَ أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة..)) اهـ.
5 – الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع إلى الإيغال في البدعة أكثر، مع التعصب لها التعصب الذي لولا المناظرة لم يكن بهذه المنزلة. وقد تقدم عن عمرو بن قيس قال: قلت للحكم: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات .
وبالتالي فمن ضرر الخصومات(( تأكيدُ اعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيتُه في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل؛ ولذلك نرى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان، إلا إذا كان نشوؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب، فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره. بل الهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إدراك الحق، حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرِّفَك بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفةً من أن يفرح به خصمُه !! وهذا هو الداء العضال الذي استطرد في البلاد والعباد وهو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصب)) اهـ .

وغير ذلك من البواعث الجزئية التي لا تخفى على المتأمل، وهي جديرة بالجمع والتتبع .

بعد ذلك أقول: إن هذه البواعث الشريفة يختلف تحققها من زمان إلى زمان، ومن شخص لآخر، ومن بلد لغيره وهكذا. وبالتالي فإن هذا الموقف الذي اتخذه السلف رحمهم الله وإن كان هو الموقف العام لهم – كما سبق الإفاضة في ذلك - إلا أنه لم يكن هو موقفهم الوحيد، ولم يكونوا رحمهم الله آلاتٍ صمّاء يرون رأياً ثم يطبقونه بعنف وابتسار وعدم تفقه لدواعيه، وإنما كانوا فقهاء نفسٍ وأهلَ حكمةٍ يضَعون الدواءَ المناسب في مواضعه، ويقدرون لكل أمر ما يستحق ولذلك فعند عدم وجود المقتضي للحكم، فإن الحكم يزول بزوال هذا المقتضي.
ومسألة اتباع السلف يتعلَّق جزءٌ منها بسَعة العقول والأفهام ، والقدرة على تصوُّر الموضوع من جميع جوانبه، وهذه المواهب كان للسلف منها القدر الأكبر – رحمهم الله- وقد يتبعهم بعضُ من يحبهم في مواقفهم الظاهرة دون تفَقُّهٍ منه لمنهجهم وطريقة تفكيرهم ، فيكون على خيرٍ إلا أن هذا الخير ناقص ، ولربما تمسَّك -بظاهريته - بشيءٍ من أقوالهم وأفعالهم في مواقف وظروف يجزم المتبع لهم على بصيرة أنهم لو عايشوها لقالوا فيها بغير ما قالوه في ظروف أخرى . ولكنَّ الله يقسم بين الناس الفهوم والعقول كما يقسم بينهم معايشهم وأرزاقهم ،ولذلك فإن أبا العباس ابن تيمية ذكر في كلام له بدعة قالت بها طائفة من الطوائف ثم قال عن طائفة أخرى قابلت أولئك : (( وطائفة رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه ، وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك ، ولكن هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها ولا قاموا بما جاء به الرسول من الدلائل السمعية والعقلية . بل الذي يخبر من السمعيات مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به الرسول )) وعلى كل حال فالمنبغي على العبد أن يتقي الله ما استطاع ، فإن فعل ذلك وتجرَّد من الهوى فهو على خير كبير ، ثم ليتق الله في أن يُنكر ما ليس بمنكر ، أو أن ينهى عن المعروف نسأل الله الهداية والتوفيق.
ولذلك فإن لهم رحمهم الله عشرات المواقف في محاجة أهل البدع ومناظرتهم والرد عليهم أذكر طرفاً منها ثم أعود لمناقشة مدى تحقق البواعث الخمسة في الوقت المعاصر من عدمه بعد ذلك إن شاء الله.

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:54 PM   #4
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

وقد بوب الإمام ابن عبد البر(463) في كتابه العظيم (جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) باباً بعنوان : ((باب إتيان المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة)) استهله بآيات منها : ** وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ** ، وقال : ** لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ** والبينة ما بان من الحق. وقال ** إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا ** ... ثم أورد عدة آيات من مخاصمة ومجادلة ومناظرة الأنبياء لأقوامهم: إبراهيم، ونوح، وموسى ثم قال: ((فهذا كله تعليم من الله عز وجل للسؤال والجواب والمجادلة. وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، وباهلهم بعد الحجة – ثم ساق آيتين في ذلك - . وجادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليهود في جبريل وميكائيل عليهما السلام ... وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم احتج مع موسى عليهما السلام فحج آدم موسى .
وقال عز وجل : ** هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ** فأثنى على المؤمنين أهل الحق وذم أهل الكفر والباطل ...
وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صار الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر : في أهل الردة، وفي فصول يطول ذكرها...
وناظر علي رضي الله عنه الخوارج حتى انصرفوا. وناظرهم ابن عباس رضي الله عنه أيضاً بما لا مدفع فيه من الحجة من نحو كلام علي، ولولا شهرة ذلك وطول الكتاب لاجتلبت ذلك على وجهه ... - ثم خرج بأسانيده أخبار مناظرة كل من علي وابن عباس رضي الله عنهم وعمر بن عبد العزيز رحمه الله للخوارج - ثم قال:
قال أبو عمر: هذا عمر بن العزيز – رحمه الله – وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدين وهو القائل : (( من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل)) فلما اضطر، وعرف الفَلَج في قوله، ورجا أن يهدي الله به لزمه البيان فبيَّن وجادل، وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله)) .ا هـ
وخبر ابن عباس مع الخوارج حاصله أن الحرورية لما اجتمت للخروج على عليّ رضي الله عنه قال له ابن عباس ذات يوم: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفُتْني حتى آتي القوم. قال: فدخلتُ عليهم وهم قائلون؛ فإذا هم مُسْهِمةٌ وجوهُهم من السهر، قد أثّر السجودُ في جباههم، كأن أيديهم ثفِن الإبل ، عليهم قُمُصٌ مُرحضة فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ ... قلت : جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد و من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم – وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. جئتُ لأبلغَكم عنهم، وأبلغَهم عنكم ... الخ .
وفيه أن ابن عباس حضر مجتمعهم، وناظرهم وأجاب عن شبهاتهم . فرجع منهم ألفان، وبقي بقيتهم فخرجوا فقُتلوا .
فهذا ابن عباس رضي الله عنه لما كان في مناظرته للخوارج خيراً كثيراً ذهب بنفسه إليهم حتى رجع منهم معه الجمُّ الغفير.
وناظر عمر بن عبد العزيز يرحمه الله غيلان الدمشقي .
وناظر الأوزاعي أحد القدرية .
وناظر الشافعي حفص الفرد ، وناظر بشرَ المريسي بناءً على طلب أم بشر منه ذلك وقال –رحمه الله-: ((ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خُصِموا، وإن أنكروا كفروا )) .
ومن مناظرات السلف كذلك المناظرة المطبوعة باسم (المناظرة) والتي جرت بين جعفر بن محمد الصادق مع الرافضي إذ ألزمه فيها الحجة ، وبيّن فيها فضل الشيخين رضي الله عنهما .
ومن مناظراتهم مناظرة عبد العزيز الكناني –رحمه الله- لبشر المريسي العنيد في مسألة خلق القرآن والتي وُثِّقت في (كتاب الحيدة) .
وهكذا مناظرة الإمام أحمد بن حنبل لابن أبي دؤاد والمعتزلة في المسألة نفسها، وغيرها من مناظراته –رحمه الله- .
وقد نفع الله به بعض من كان فيه بدعة فعاد للحق والسنة . قال ابن حبان في كتاب الثقات- في ترجمة موسى بن حزام الترمذي- : كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم أغاثه الله بأحمد بن حنبل فانتحل السنة وذب عنها وقمع من خالفها مع لزوم الدين إلى أن مات .
ولما حضر السلطان ألب أرسلان إلى هراة اجتمع عليه أئمة الشافعية والحنفية للشكاية على الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي (481) ومطالبته بالمناظرة وخلافهم معه كان خلافا في العقيدة كما هو معلوم . فاستدعاه الوزير نِظَام الملك أبو علي الحسن بن علي-رحمه الله- وقال: إن هؤلاء القوم اجتمعوا لمناظرتك فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم إما أن ترجع وإما أن تسكت عنهم. فقام وقال: أنا أناظر على ما في كمي. فقال: وما في كُمَّك فقال: كتاب الله عز وجل – وأشار إلى كمه اليمنى – وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأشار إلى كمه اليسرى – وكان فيه الصحيحان . فنظر إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق .
وناظر ابن تيمية(728) خصومه في الخلوة والجلوة مثلما كان يردّ عليهم في كتبه، ومناظراته رحمه الله كثيرة لا تكاد تنقضي . فقد ناظر الرفاعية، وناظر القاضيَ ابنَ مخلوف المالكي، ومناظرته في الواسطية معروفة مشهورة وغير ذلك كثير.
وكان ابن القيم (751)(( يفتي ويناظر ويجادل بالحق ليدحض الباطل مع أنواع من أمم الأرض على اختلاف آرائهم وتنوع مذاهبهم)) .
وفي شفاء العليل لابن القيم: ((الباب التاسع عشر: ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس واحد)). وفيه: ((الباب العشرون : في ذكر مناظرة بين قدري وسني)) .
وفي العصور المتأخرة ناظر العلامة عبد الله بن الحسين السويدي (1174) علماء الرافضة في النجف نفسها بطلب من الوزير أحمد باشا (1773م) فاجتمع له سبعون مفتياً من علمائهم، وحكَّمه فيهم الشاه نادر (1147) ثم جرت المباحثة بين السويدي مع الملا باشا علي أكبر وهو من علماء الشيعة في مسألة أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة فناظره السويدي في ذلك بوجوه من الردود بليغة ومفحمة حتى قطعه. وحتى قال بعض الحاضرين من الشيعة مخاطباً الملا باشا: اترك المباحثة مع هذا، فإنه شيطان مجسم، وكلما زدتَ في الدلائل وأجابك عنها انحطت منزلتُك.
ثم تكلم معه في عدة موضوعات أخرى حتى انقطع الشيعي والحمد لله. وأُخبر الشاه بهذه المباحثة طبق ما وقع، فأمر أن يجتمع علماء إيران وعلماء الأفغان وعلماء ما وراء النهر، ويرفعوا المكفِّرات، ويكون السويديُّ ناظراً عليهم، ووكيلاً عن الشاه، وشاهداً على الفرق الثلاث بما يتفقون عليه.
قال السويدي : فخرجنا نشق الخيام والأفغانُ والأوزبك والعجم يشيرون إليَّ بالأصابع وكان يوماً مشهوداً .
وقد ناظر الشيخ ابن سعدي بعض المتكلمين بنفسه . وحكى عدة مناظرات بين مسلم وملحد .
ودعا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – علماء إيران للمناظرة وذلك (( حينما قدِم مندوب إيران – في رابطة العالم الإسلامي – وقدَّم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري، ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه، وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً، وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يتولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم، ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي : الإسلام دين الجميع، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسول الجميع، والقرآن كتاب الله، والكعبة قبلة الجميع، والصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنى وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كافٍ للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها، فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة، ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويُعلن الحق ويلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله، وسحب العضو طلبه)) .
وغير هذا كثير في مواقف أهل السنة في نصرة مذهبهم الحق على ما ناوأ سنة النبي صلى الله عيه وسلم، وتنكب سبيل المؤمنين .
وبعد الإطلاع على هذا كله يجزم المؤمن الموفق، وطالب العلم على بصيرة أن هذه الثلة المباركة من علماء المسلمين، من مميَّزيهم ومحقِّقِيهم، ومن أكثرهم علماً بمنهج السلف واتباعاً له لم يكونوا ليتفقوا على مخالفة صريحة لمنهج السلف في التعامل مع مثل هذه المسألة، وإنما هو الفهم الدقيق، وإنزال النصوص منازلها. رحمة الله على الجميع.
وعليه فبعد هذا الاستعراض السريع لمواقف علماء المسلمين حيال هذه القضية أعود لذكر البواعث الخمسة المذكورة سلفاً، مع مناقشة مدى تحققها في واقعنا المعاصر وهو ما يسميه علماء الأصول بتحقيق المناط:

الباعث الأول : هو حرص الإنسان على سلامة دينه له . وأول ما يلاحظ في هذا الباعث هو عدم اعتبار الجم الغفير من العلماء له عند تعيّن الأمر عليهم لتحقيق مصلحة شرعية، بل كان الإقدام منهم واضحاً بلا تلجلج ولا تردد وإنما إقدام مع ثبات حجة، ورسوخ في اليقين، وثقة بنصر الله. والذي يجب أن يخاف حال مناظرته لأهل البدع هو الذي يناظرهم عبثاً، وتزجية للوقت، وإظهاراً للقدرة على قوة الحجة والتفوق في العلوم كما كان يحصل كثيراً في مجالس الخلفاء . أو إذا كانت المناظرة هدفاً لذاتها بحيث يظن أنها سبيل صحيح لتحصيل العلم، ويحصل بسبب ذلك التوسع والمسامحة في مخالطة المبتدعة فهذا مذموم أيضا.وهذا كما ورد في ترجمة الإمام العلامة المتفنن أبو الوفاء ابن عقيل(513) أنه قال عن نفسه: ((وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً)). قال الذهبي معلقا: (( قلتُ : كانوا ينهونه عن مجالسة المبتدعة، ويأبى حتى وقع في حبائلهم وتجسَّر على تأويل النصوص نسأل الله السلامة )) . وقال ابن العماد الحنبلي : ((إن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التبان شيخي المعتزلة وكان يقرأ عليهما علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحرافٍ عن السنة وتأول لبعض الصفات)) .. ولكن يبدو أنه في آخر عمره راجع السنة وتاب من تلك المجالسات. قال ابن حجر: ((وهذا الرجل من كبار الأئمة، نعم كان معتزلياً، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك وصحت توبته ثم صنف في الرد عليهم)) .

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:55 PM   #5
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

ويصح أن يقال في مثل هذه الأحوال : ((من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) .
ولكنها إذا كانت في مقام تمييز حق من باطل، وصدع بالسنة وبطريقة السلف في مواجهة الزحف البدعي الظالم فهذا يكون من الجهاد المشروع في سبيل الله باللسان والبيان، وهو قسيم الجهاد في سبيل الله بالسلاح والسنان، ولما كان المجاهد في سبيل الله موعود بالنصر بالظفر أو الشهادة، فإن المجاهد باللسان لابد وأن يكون كذلك إذا اتقى الله ما استطاع وكان له من العلم ما يؤهله لخوض غمار معاركة المبتدعة بالحجة ؛ إذ الحجة في جهاد اللسان تقابل القوة في جهاد الطِّعان فمن كان هذه حاله فإنه إذا ناظر المبتدع لم يكن إلا قد قام بواجب الدين عليه، والله تعالى أكرم من أن يضيع من هذا حاله في دينه ونفسه بل يحميه من البدعة ومن أن يقر ذلك في قلبه، أو أن يكون سبباً مفضياً به إلى الزيغ والبدعة، وإن احتمل أن يكون الظفر لخصمه المبتدع لسبب خارج عنه إلا أن هذا نادر ولا يتعدى ضرره إلى التأثير على المناظر السني الذي تقيّد بالشروط المذكورة قال تعالى : ** إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ** ، ** وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ** ، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين **
وكذا يُذَم البحث والنظر- فضلاً عن الجدال والمناظرة - إذا كان هذا الباحث متشككاً متحيراً متهوِّكاً فهذا يجب عليه أن يطلب الهدى من مظانه لا أن يخرج للبيداء يلتمس السُقيا. كما كان حال الملك جلال الدين محمد أكبر (963) الذي تبوأ عرش الهند وله من العمر قرابة ثلاث عشرة سنة وكان في العشرين سنة الأولى من حكمه مسلماً سنياً مؤدياً للصلاة في المسجد في أوقاتها، وكان يقوم مقام المؤذن أحياناً فيدعو الناس للصلاة. وكان يستجيب لمشورة العلماء، وكان يصدر أوامره بتعيين القضاء والمفتين في كل جزء من أجزاء مملكته ليحكموا بالناس تبعاً لأصول الشريعة الإسلامية، وكان يشوب فهمه للإسلام فهم صوفي قبوري على نفس صورة الالتزام بالإسلام السائدة في عصره وبلده. وكان يهتم بقوافل الحجيج، ويقوم بوداعها بنفسه. ثم وبعد العشرين سنة الأولى من حكمه، أخذ يفكر بطريقة أخرى تميل إلى محبة المناظرة والمجادلة وسماع مختلف الآراء وكان سبب ذلك هو زيارة الراهب النصراني جولين برابرا للملك أكبر وكان مناظراً مفوَّها، ومتكلماً بارعاً. فعرض عليه مزايا دين النصارى، ونقائص الدين الإسلامي – على حد زعمه – فأُعجب به الملك. ثم طلب بعثة من الرهبان البرتغاليين بإشارة من الراهب جولين فلبوا دعوته وأرسلوا بعثة تضم خيرة الرهبان عندهم كما أرسلوا إليه نسخة من الإنجيل . ثم تتابعت بعد ذلك صِلاته بهم. وفي تلك الأثناء قام ببناء دار خاصة سماها (عبادة خانة) ودعا إليها العلماء من السنة والشيعة للمناظرة حباً للاستطلاع واستجابة للعقلية الحرة المنفلتة . وأخذ علماء السنة والشيعة بالاجتماع مساء كل خميس في هذه الدار. ثم إنه وبعد عدة سنوات خطا خطوة أخرى فبدأ بدعوة علماء الملل الأخرى من براهمة الهنادكة، واليهود والنصارى والمجوس . ثم وبعد فترة من الزمان دعا إلى اجتماع عام حضره كبار العلماء من كل دين وملة، وقادة الجيش، وفيه تحدث عن الأضرار التي تعود على المجتمع من كثرة الأديان وتعددها، وأعلن عن ضرورة إيجاد دين واحد يضم محاسن الأديان المختلفة الموجودة في الهند ويعتنقه الجميع وبهذا – كما يزعم – يمكن تقديس الخالق، ويمكن للسلام والرفاهية أن يسودا بين الناس، وأن يشمل الأمنُ الدولة. وسمى دينه الجديد هذا بـ (الدين الإلهي), وأطلق عليه كذلك (المذهب الإلهي) أو (المذهب الأكبري) .

الباعث الثاني : أن العقل السليم يدل على التسليم للشريعة والانقياد، وهذا الباعث في حقيقته مندرج تحت البواعث الأخرى، ويكفي في مناقشته أن يقال أن الجدل والمناظرة المجوَّزة ما كان من باب الذب عن الشريعة لا من باب الاعتراض عليها (( والذي يُبطله أهل السنة من النظر نوعان: أحدهما : ما كان متوقفاً على المراء واللجاج الذي لا يفيد اليقين، ويثير الشر، وثانيهما : الانتصار للحق بالخوض في أمور يستلزم الخوض فيها الشكوك والحيرة والبدعة لما في تلك الأمور من الكلام بغير علم في محار العقول ومواقفها)) يوضحه:

الباعث الثالث : وهو قصد حفظ المجتمع من البدعة، وهذا مستقيم جداً في زمان ظهور أعلام السنة، وكثرة أتباعها كما مر بيانه، وأما في هذه الأزمان المتأخرة فإن المبتدعة قد صارت لهم الكلمة في بلدان كثيرة من بلدان العالم الإسلامي، وصوتهم جهير مسموع يضلون به الناس عن الحق، أفيجوز بعد ذلك لأتباع الصراط المستقيم أن يظنوا أنهم في انكفائهم على أنفسهم، وتركهم لبيان العلم النافع، وتركهم لواجب القيام بالشهادة على الناس =معذورون . قد مضت سنة الله أنه ينصر الحق بالرجال، فإن تركوه فإن في سنة الله أن يتدافع الحق والباطل، فيكون للباطل صولة وجولة بسبب تفريط أهل الحق في القيام بواجبهم والله المستعان.
ولذلك تجد أن علماء السنة الذين نقلنا من كتبهم النهي عن المجادلة والمناظرة هم أنفسهم قد ردوا على المبتدعة بدعهم وفي نفس تلك الكتب ككتاب الآجري، وابن بطة، واللالكائي وغيرهم.
وقد كان كثير من البدع إلى عهد قريب في بطون الكتب لا يعرفها إلا المتخصصون، وبعضها في جهات قصيّة من العالم لا يعرفها إلا أهلها، ولكن الناس اليوم يسمعون بذلك كله عبر القنوات الفضائية والبرامج الحوارية والوثائقية، وعاد كثير من الموضوعات التي كان أهل العلم والحكمة يحبسونها عمن لم تبلغها عقولهم من الناس كلأً مباحاً لكل أحد خلافاً لما قال علي رضي الله عنه : ((حدثوا الناس بما يعرفون)) وخلافاً لهدي السلف الصالح.
وعليه فإنْ عَرَض الناسُ دراهمَهم المزيفةَ والمغشوشة أفلا يتوجب على صاحب الذهب الإبريز أن لا يعرض بضاعته على استحياء وتردد، بل يعرضها بوضوح وشجاعة، ويدعو إليها بدعاية الإسلام ؟!! ولن تقف حينئذٍ في وجهها شبهات الشرق ولا الغرب.
وليعلم أن تصور الباطل كافٍ في بيان فساده عند أكثر طلاب الحق، فإن بُيَّن على وجهه كان في ذلك خيراً عظيماً، لأن أهل الباطل يموهون باطلهم، ويخلطونه ببعض الحق ليروج على الناس ، فتمييز هذا عن هذا من أعظم المصالح قال الله تعالى :** ليميز الله الخبيث من الطيب**.

قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نأمر بالسكوت فلما دُعينا إلى أمرٍ ، ما كان بدٌ لنا أن ندفع ذلك ونبيِّن من أمره ما ينفي عنه ما قالوه .ثم استدل لذلك بقوله تعالى :** وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ **
ويتعلق بالكلام على هذا الباعث مسائل :
1 – أن هذه المناظرات المتوقع فيها أن تكون علنية، ولا بأس بذلك بل فائدة ذلك إن شاء الله تكون أكبر من فائدة مناظرة في مجلس مغلق لا يعلم بها ولا بنتائجها إلا القليل من الناس فتقل فائدتها لذلك. وقد قال قتادة : (( إذا ابتدع الرجل بدعة : ينبغي لها أن تُذكر حتى تُحذر)) .والمقصود بذلك البدع التي قد يكون لها قبول عند الناس ولو في المستقبل ، والتي يراد تحصين المجتمع من أضرارها ، وأما البدع التي عافا الله الناس منها ، واحتمال وقوعها قليل أو نادر ، أو التي يُراد من المناظرة نفع المناظَر فالأصل فيها الإسرار.
وسئل بشر بن الحارث عن الرجل يكون مع أهل الأهواء، في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون: فترى لنا أن نجيبهم؟ فقال :إن كان معك من لا يعلم فردوا عليه ؛ لئلا يرى أولئك أن القول كما يقولون ، وإن كنتم أنتم وهم فلا تكلموهم ولا تجيبوهم .
وقد سُئِل الإمام ابن بطة عن السائل يسألُ العالِمَ عن مسألة من الأهواء الحادثة يلتمس منه الجواب أيجيبه أم لا ؟ فقسَّم –رحمه الله- السائلين إلى ثلاثة أنواع يهمنا منهم هنا النوع الثاني الذي قال عنه : ((ورجلٌ آخر في مجلسٍ أنت فيه حاضر، تأمن فيه على نفسك، ويكثُرُ ناصروك ومعينوك ، فيتكلَّم بكلامٍ فيه فتنة وبليّة على قلوب مستمعيه ليوقع الشك في القلوب - لأنه هو ممن في قلبه زيغٌ يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة والبدعة – وقد حضر معك من إخوانك وأهل مذهبك من يسمعُ كلامه إلا أنهم لا حجة عندهم على مقابلته ولا علم لهم بقبيح ما يأتي به . فإنْ سكتَّ عنه لم تأمن فتنته بأن يُفسد بها قلوب المستمعين وإدخال الشك على المستبصرين. فهذا أيضا مما تَرُدُّ عليه بدعته وخبيث مقالته ، وتنشر ما علَّمك الله من العلم والحكمة . ولا يكن قصدك في الكلام خصومته ولا مناظرته ، وليكن قصدك بكلامك خلاص إخوانك من شبكته ؛ فإنَّ خُبثاء الملاحدة إنما يبسطون شباك الشيطان ليصيدوا بها المؤمنين . وليكن إقبالك بكلامك ، ونشر علمك وحكمتك وبِشر وجهك وفصيح منطقك على إخوانك ومن قد حضر معك لا عليه ، حتى تقطع أولئك عنه ، وتحول بينهم وبين استماع كلامه . بل إن قدرت أن تقطع عليه كلامه بنوعٍ من العلم تحوِّل به وجوه الناس عنه فافعل)) اهـ .
2 – أن قصد حفظ المجتمع من البدعة لازال قائماً، ولكن حفظه في الظرف الذي وصفت يكون بالكلام لا بالسكوت، وهذا لأن المستمع للمبتدع كثير فيجب أن يحاول السني الوصول لهذا الكثير. ويجب على من سلَّمَه الله من البدع، وعرف الحق وأهله، وانقاد لتعليم أهل العلم ألا يُشغل قلبه بالنظر لهذا المناظرات ولا لسماع شبه المبطلين – كما تقدم تقريره – إذ إن ما أبيح للضرورة يجب أن يقدر بقدرها. فيؤمر حينئذ بالمشاركة في المناظرات من قبل من تأهل لذلك من علماء المسلمين،أو طلبة العلم المبرزين بينما يُنهى عن مشاهدتها و تتبع أخبارها من لم يكن متصدياً ولا مخالطاً لأهل البدعة. والله أعلم.
3 – لما كانت المناظرات مجالاً للمغالبة والمنازعة في إقامة الحجة ورفع الصوت فإن كثيراً من شبه المبتدع قد لا يستطيع الطرف السني المناظر أن يشتغل به عما هو بصدده من مسألة يريد تقريرها، أو إلزام يريد أن يحُجَّ به الطرف المقابل. وهذه الشبه قد تعلق ببعض القلوب فمن المناسب أن تُتبع هذه المناظرات في حالة إذاعتها في تلفاز ونحوه ببرامج هادئة يكون المتحدث فيها من أهل السنة يغسل في برنامجه أوضار المناظرة، ويجيب فيها على الإشكالات التي قد ذكرت ولم يسع الوقت لنقاشها .
4 – مراعاةً للمسألة من جميع جوانبها فلابد أن يقال بأن طرق الدعوة كثيرة، وبيان الحق والاشتغال بمن سلم من الأمراض المعدية أولى من غيره ممن تلبس بالجَرَب، وعليه فالأصل في المناظرات – العلنية منها على وجه الخصوص – ألا تُطلب من جهة أهل السنة، ولا يُتجرأ عليها إلا أن يتضح وجه المصلحة فيها بحيث يكون عظيماً ظاهراً، وخوف الضرر والمفسدة فيها قليلاً بحيث يغلب هذا على الظن ، أو في حالة أن يقيمها أهل البدع فيأتيهم أهل السنة لاستغلال الموقف، ولقمع الشبهة والبدعة والله أعلم.

الباعث الرابع : قصد زجر المبتدع عن بدعته، وهذا القصد يختلف تحققه باختلاف الأحوال، وباختلاف المتناظرين، ولذلك فلا أرى أنه من المناسب أن يناظر كبير من علماء أهل السنة والجماعة عالماً من علماء المبتدعة في مكان يكون المبتدع فيه مقموعاً مخذولاً، فيكون في قبول مناظرته ترويج له، واعتراف به. ولكن إن كان العكس بحيث ينقلب الهاجر للمبتدع مهجوراً منبوذاً في مجتمعه فحينئذ يتخلَّف هذا المقصد ويبقى النظر بالنسبة لمن هذه حاله إلى بقية المقاصد والبواعث .
وأما اليوم – والكلام على ما يجري على القنوات الفضائية ، وهي ليست في الغالب قنوات تراعي المصالح الشرعية، وبالتالي فسيقدم المبتدع بدعته على الملأ- فلا يصح أبداً أن يقال هنا بزجره وهجره من جميع أهل السنة والجماعة فيترك ليقول ما يريد لا يرد عليه أحد ، وإن صح أن يقال بأن يرد عليه أصغر القوم لئلا يُكرَّم مثله بإشغال علماء المسلمين به وبأمثاله .
و ليس هذا القصد –قصد زجر المبتدع- بأولى من قصد الإحسان إليه بهدايته هداية الدلالة والإرشاد عند أمن الفتنة ، فهذا من أعظم المعروف ولذلك قال ابن عون: (( سمعت محمد بن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلا إنْ كلَّمته طمعت في رجوعه )) .

الباعث الخامس: الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع في الإيغال في بدعته. ولابد من أن يُعْلم بأن الله تبارك وتعالى قدَّر الهدى والضلال وأن ذلك قد فُرِغَ منه ، وأن خير الناس وألينهم جانباً، وأعرفهم بالله، وأشفقهم على الناس قد استجاب له أناس وكفر به كثير. فلا يهولنك!! وعليك ببيان الحق ولو كثر الهالكين. قال الإمام محمد بن الوزير : (( والحكيم الخبير قد أنبأنا من عتوَّهم وإصرارهم على الباطل بما لم نكن نعرفه إلا بتعريفه سبحانه وتعالى فقال : ** وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ {14**لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ** وقال سبحانه وتعالى : ** وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ** فكيف تنفع المناظرة من لم تنفعه مثل هذه الآيات الباهرات، وإنما الحكمة أن يوكلوا إلى الذي قال في بيان القدرة على هدايتهم بما هو أعظم من تلك الآيات من ألطافه التي ليسوا لها أهلاً: ** وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ** ، ** وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ** وقال تعالى في بيان علمه ببواطنهم وحكمته في ترك هداية غواتهم : ** وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ** وقال تعالى في إقامة الحجة عليهم بخلق العقول وبعثة الرسول : ** وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ** وقال تعالى : ** وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ** . وقال تعالى : ** لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ** فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تُعرَّف السني قيام حجة الله تعالى على الخلق في بيان سبيل الحق، فيدعوهم إلى الله تعالى مقتدياً برسله الكرام – عليهم أفضل الصلاة والسلام – مكتفياً من البيان بما في القرآن مقتصراً في الفرق بين الحق والباطل بالفرقان، يستصبح بنوره في

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 02:56 PM   #6
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

ظلم الحيرات، ويَمتثل مطاع أمره في ** فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ** ولا يتعدى حدود نصحه في الإعراض عن الجاهلين والمجانبة للخائضين في آيات رب العالمين)) اهـ
ومن المهم أن يراعى ألا يكون المناظر هو سبب تبغيض الحق إلى الطرف المقابل بالبغي عليه بالقول أو الفعل، أو بسوء خلقه، أو بضعف حجته. فليست دعوى المدعي أنه من أهل الحق بعذر له في عدم إظهار البراهين .
قال الإمام ابن القيم : (( ما كل من وجد شيئاً وعلمه وتيقنه أَحْسَنَ أن يستدلَّ عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه فهذا لون ووجوده لون)) . وقد قال بشر المريسي للإمام الشافعي رحمه الله : (( إذا رأيتني أناظر إنساناً وقد علا صوتي عليه فاعلم أني ظالم، وإنما أرفع صوتي عليه لذلك)) .
وعلى كل حال فالأكمل للمناظر أن يكون قاصداً لإيصال الحق إلى الطرف الآخر الذي يناظره متلطفاً في ذلك فإن أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، ومن وسائل المناظرة والمجادلة ما يتلطف به إلى إيصال الحق إلى الخصم شيئاً فشيئاً حتى يتشربه، وقد يفتح الله على قلبه فيتبعه ، فيكون لهذا المناظر أجر هداية المبتدع ، ولو لم يعلم الناس أو المبتدع نفسه بذلك ، ولكن قد علم ذلك وأثبته في صحائفه اللطيف الخبير تعالى .

وبعد هذا التَطواف مع هذه البواعث الخمسة، ومناقشتها أحب أن أختم هذا البحث بذكر بعض كلام أهل العلم في تقرير ما سبق تقريره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضه، وإن كانوا في ذلك درجات. وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك، بل هذا يقوم بالبعض، وهذا يقوم بالبعض كما في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من أمور الدين.
والكلام الذي ذمُّوه نوعان :
أحدهما : أن يكون في نفسه باطلاً وكذباً، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب؛ فإن أصدق الكلام كلام الله.
والثاني : أن يكون فيه مفسدة. مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم؛ وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهراً قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هُجر وعُزَّر كما فعل أمير المؤمنين عمر بصَبيغ بن عِسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قُتِل كما قَتَل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا تُرك داعياً وهو لا يقبل الحق إما لهواه، وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين.
والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه، وناظروه وبيَّنوا له الحق كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه ثم نكث التوبة بعد ذلك فقتلوه. وكذلك علي – رضي الله عنه – بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم، ثم رجع نصفهم ثم قاتل الباقين.
والمقصود أن الحق إذا ظهر وعُرف ، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس قوبل بالعقوبة .
وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يُفسده ذلك المضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار؛ فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.
وقد يُنهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله...
والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها ، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال.
وأما جنس المناظرة بالحق، فقد تكون واجبة تارة، ومستحبة أخرى.
وفي الجملة: جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل))
ثم قال بعد صفحات: (( وأما جنس النظر والمناظرة فهذا لم ينه عنه السلف مطلقاً، بل هذا إنْ كان حقاً يكون مأموراً به تارة، ومنهياً عنه أخرى كغيره من أنواع الكلام الصدق. فقد يُنهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء فلا تفيد علما ولا ديناً ... فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نُهي عنها لذلك. وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من هذا الباب))
وروى الحافظ البيهقي عن الشافعي أنه قال : (( ما كلمت رجلاً في بدعة قط إلا كان يتشيع)) قال البيهقي : (( وهذا يدل على كثرة مناظرته أهل البدع حتى عرف عادتهم في إظهار مذهب الشيعة، وإضمار ما وراءه من البدعة التي هي أقبح منه ...
و قد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه. يعني : أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى.
قلت-البيهقي-: فكذا مناظرة أهل البدع – إذا أظهروها، وذكروا شبههم منها - وجوابهم عنها وبيان بطلانهم فيها وإن كانت من المحدثات فهي محمودة ليس فيها رد ما مضى. وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن القدر فأجاب عنه، وسئل عنه بعض الصحابة فأجابوا عنه بما روينا عنهم، غير أنهم إذ ذاك كانوا يكتفون بقول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعده بالخبر عنه؛ وأهل البدع في زماننا لا يكتفون بالخبر ولا يقبلونه، فلا بد من رد شبههم إذا أظهروها بما هو حجة عندهم وبالله التوفيق)) اهـ
وقد نص على ما أفضنا فيه من أن موقف السلف من أهل البدع موقِفٌ مبني على قصد جلب المصالح الشرعية ، ودرء المفاسد وليس الهجر هو المنهج الثابت لهم في جميع الأحوال = جمعٌ من العلماء المعاصرين مثل الشيخ عبد العزيز ابن باز يرحمه الله ، والشيخ محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله ،والشيخ بكر أبو زيد حفظه الله ، والشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله ...وغيرهم.
وأثبته جماعة من طلبة العلم والباحثين في دراساتهم ودرسوه بتوسع.
و في ختام هذه الورقات يمكن استخلاص ما يلي :
1-أن الموقف الأصلي الغالب العام للسلف من المبتدعة هو هجرهم وترك مجالستهم ومناظرتهم لأن الأمور الباعثة لهم على الهجر من المصالح الدائمة الغالب وجودها مثل الخوف من انتشار البدعة أو التأثر بها ، أما إن تخلفت هذه المصالح أو كانت المصلحة في غير ذلك الهجر –كما تقدم تفصيله - فإن الحكم هنا دائر مع منفعته ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يفرقون (( بين الأماكن التي كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة ، والتنجيم بخراسان ، والتشيع بالكوفة وبين ما ليس كذلك ، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم .وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه )) .
2-أن مناظرة أهل البدع تختلف عن المجالسة من جهة أنها نوع من الجهاد ولتضمنها لمصالح أخرى ؛ ولذلك فقد نُقِل عن السلف عشرات المواقف التي ناظروا فيها المبتدعة ، ولا يعرف عنهم الشيء نفسه فيما يتعلق بالمجالسة والمخالطة .
3-البواعث التي دفعت السلف لهذا الموقف من المبتدعة قد اختلف تحقق عدد منها في زماننا هذا ، فينبغي على ذلك أن يتغيّر الموقف وفق المصالح الشرعية.
4-حرص الإنسان على سلامة دينه أحد أهم بواعث السلف على ترك مناظرة المبتدعة ، وهذا الباعث لن يزال قائما ، وعليه فلا يتوسع في طلب المناظرة من المبتدع إلا أن يكون هو الذي يطلبها ، أو تعظم المصلحة في إقامتها وتقل المفسدة . وإن توجهت المناظرة فلا يجوز أن يتقدم لها إلا الأكفاء من العلماء الذين لهم اطلاع ودراية بهذه البدعة وحِيَل أهلها ، أو طلبة العلم المؤهلين لذلك .
5-المناظرات -العلنية منها والسرية- منهج معروف وجادة مسلوكة عند العلماء ، والحكم فيها يقدِّره أهل العلم والحِجى ومداره على قاعدة جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها .
6-يبعث على المناظرة أمور :
أ- دعوة المبتدعة والرغبة في إيصال الحق إليهم .
ب- الرغبة في مزاحمة المبتدعة في الوصول إلى الناس البرءآء منها ، وإعطاء الناس الأمصال الواقية من تلك البدع .
ج- إظهار ضعف حجة المبتدع ، والطمع في التأثير على أبناء ملته ، وأتباعه على بدعته، إذ رجوعهم للحق أيسر من رجوعه إليه .
د-الذب عن حياض الدين ، وكشف ما يلبِّسه الجهلة وأهل الأهواء على العامة ، وهو من الجهاد في سبيل الله .
هـ-جمع الناس على كلمة سواء ، وذلك أن المسلمين مأمورون بالاعتصام بحبل الله ، و لا يمكن اجتماعهم على غيره أصلا ، ففي نفي زغل البدعة وأهلها تقدُّمٌ نحو تحقيق هذا المقصد الشرعي العظيم . والله أعلم .

وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 19-07-2005, 03:02 PM   #7
معلومات العضو
( الباحث )
(مراقب عام أقسام الرقية الشرعية)

افتراضي

انصح الاخوه والاخوات جميعا بطباعه هذا البحث وقرائته بهدوء وتمعن وتخزينه فى عقولنا وقلوبنا
كما انصح ان يسيف الموضوع على كل جهاز لديكم
حيث ان به كل ما اردت للرد على صاحب بدعه .......

اخيرا ادعو شيخنا الكريم ابو البراء الى تثبيت هذا الموضوع
وجعله من المواضيع المميزه

واكرر هنا ان الموضوع منقول فجزا الله خيرا من مقام بهذا البحث الثمين
وليس لى فيه اى فضل سوى اعتقادى باهميته
ووجوب الاطلاع عليه من الاخوه والاخوات جميعا

وجزا الله الجميع خيرا

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 21-07-2005, 12:31 AM   #8
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي

بارك الله فيكم أخي الحبيب ( الباحث ) ، وزادكم الله من علمه وفضله ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 12:27 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.