من المعروف أن الأمراض العقلية هي حالات وانفعالات واستجابات سلوكية خارجة عن الحد المألوف في حياة الإنسان الإجتماعية ، أما بالزيادة وأما بالنقص ، فبمجرد تقلب وانحراف الانفعالات ، أو اضطراب التفكير أو السلوك حتى يتجاوز الحد المعين له ، يصبح مرضا عقليا في حاجة إلى المداواة والمعالجة . وكذلك خمود جذوة الانفعال ، أو همود شعلة التفكير ، أو ضعف الارادة ضعفا بينا يظهر في سوء التصرف أو اعتقال الإرادة . كل هذه الأمور يمكن أن تعتبرها إصابات مرضية عقلية تبدو واضحة في هبوط انفعالي بالأعصاب .
ويمكن الاستدلال على الإصابات العقلية بأمرين : أحدهما باطني ، ويعرف من وصف المريض نفسه بسلوكه وأفكاره وانفعالاته ، والآخر خارجي وهو سلوك المريض أوتصرفاته الصادرة عن إرادته .
ومن الخطأ أن تعتمد اعتمادا كليا على الدليل الثاني ونغض الطرف عن الأول ، كون التجارب تدل على أن الانفعالات الشاذة قد تؤدي على سبيل المصادفة إلى سلوك مرضي مقبول ، وأن الأحكام الصحيحة قد تكون نتيجة لشكوك وأوهام وتفكير عقيم ، وأن الميول الشاذة قد تكبت أو تقاوم فلا تظهر آثارها في الخارج ، وأن التضارب بين الانفعالات والرغبات النفسية المكبوتة الخفية وبين الظروف الخارجية كثيرا ما يكون سببا في الاضطراب أو المرض العقلي .
ومن المفروض ألا نحصر المرض العقلي في اضطراب الناحية الإدراكية . صحيح أن التفكير الشاذ المخالف للسلوك الاجتماعي المعتاد ، واستسلام للخيالات والأوهام من أهم معالم المرض العقلي التي يجب أن نتنبه إليها . ولكن لا يغرب عن بالنا ـ مع ذلك ـ الشذوذ في الحياة الوجدانية الذي يشمل : كثرة المخاوف ، والاستسلام المستمر للغضب ، والانغماس في الفرح والسرور ، ولا جمود التأثر بالمثيرات العادية ، أو التهاون في تلبيتها ، ولا القيام بالأعمال المخلة بالآداب التي ينفر منها الذوق وينكرها العرف ، ولا تذبذب الإرادة وتقلباتها ، ولا التمادي في المشاكسة والعناد ، ولا انقسام الشخصية وتشتت شملها ، فإن هذه كلها دلائل واضحة على إصابات عقلية يجب الانتباه إليها ، والعمل بسرعة على مداواتها .
والإصابات العقلية ليست مقصورة على الخلل في النواحي الإدراكية ، ولكنها تشمل الشذوذ النزوعي الوجداني ، وفقدان التوازن بين الانفعالات النفسية والأفكار وبين السلوك والأعمال .
ومن الواجب الرجوع عندما نود معرفة الشذوذ إلى تصرفات الفرد وظروفه الخاصة ، وعلى سبيل المثال : معرفة السن ، والمستوى العقلي ، ونوعه ، والمنزلة الإجتماعية ، والبيئة الإجتماعية . فالذي يكون عاديا بالنسبة للطفل قد يكون شاذا بالنسبة للرجال ، مثال ذلك : ما يلاحظ في الطفل من فرح وسرور زائد ، فهو أمر طبيعي بالنسبة له . ولكنه إذا صدر عن شاب أو رجل فإنه يعد دليلا على مرض عقلي أو شذوذ نفسي ، في حاجة ماسة إلى علاج نفسي يرتكز على أسس تحليلية عميقة . وللحديث بقية .......
( من كتاب في سبيل موسوعة نفسية / الدكتور مصطفى غالب )