موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

سيتم فتح ساحات الأسئلة والحالات الخاصة أمام مشاركات الأعضاء في أيام السبت والاثنين والاربعاء من الساعة 7 - 10 مساء بتوقيت مكة المكرمة >><< تم فتح قسم الحجامة والطب البديل والعلاج بالأعشاب بشكل دائم .

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام الرقية الشرعية والتعريف بالموسوعة الشرعية في علم الرقى ( متاحة للمشاركة ) > فتاوى ودراسات وأبحاث العلماء وطلبة العلم والدعاة في الرقية والاستشفاء والأمراض الروحية

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 21-02-2008, 03:33 PM   #1
معلومات العضو
منذر ادريس
اشراقة ادارة متجددة

Arrow ( && أضواء شرعية على العلاج بالرقى والقرآن - للأخ الفاضل : فتحي الجندي && ) !!!

أضواء شرعية على العلاج بالرقى والقرآن
(1من2)
فتحي الجندي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومن والاه ، وبعد : ...
فإن موضوع التداوي بالرقى والقرآن وما يتبع ذلك من حديث عن مس الجن
والعين والسحر جدّ خطير ؛ لتعلق ذلك بالعقيدة والأخلاق ، وببعض المشكلات
والظواهر الاجتماعية المعقدة التي طفت على السطح في الفترة الأخيرة نتيجةً لتراكم
بعض الممارسات منذ عدة سنوات .
ومنشأ الخطورة في هذه القضية هو ما حصل في هذه الأزمنة من توسّع
وإفراط في مسألة الرقى ؛ حيث أُدخل فيها ما ليس منها : من البدع المحدثة ،
والممارسات المخترعة التي لا أصل لها في كتاب الله ، ولا سنة رسوله-صلى الله
عليه وسلم- ، ولا هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولكنها إلى الشعوذة أقرب
وبها ألصق ، مما أسهم في انتشار الأوهام والوساوس والخوف والهلع ، وتغلل ذلك
في قلوب الكثيرين من المتعاطين لهذه الأمور . فقد كثر الكلام بلا علم ، وكثر
التطبب من غير معرفة وفهم لأصول الطب والعلاج ، وأصبحنا نرى من يعالج
بالرقية والرقيةُ شرعيةٌ والمعالج المزعوم من أبعد الناس عن العلم الشرعي وأهله ،
وقد شاع الأمر وانتشر ، وسيطر الوهم على كثير من النفوس ، وضعف التوكل
على الله تعالى وتعلّق الناس بالمخلوق الضعيف ، بدلاً من تَعلّقهم بالخالق القوي
اللطيف !
يضاف إلى ما سبق توسّع بعضهم وانتهازهم الفرصة لجلب الأموال من هذا
الطريق ، وقد تحول الأمر من كونه جُعْلاً تُسدّ به الحاجة ؛ إلى مصدر واسع
ومفتوح للترف والسرف والجشع والابتزاز ، ثم تأتي ثالثة الأثافي في هذا الأمر
والفتنة تجرّ أخواتها ألا وهي فتنة النساء ! وما أدراك ما فتنة النساء ؟ ! تلك الفتنة
التي حذرنا منها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، ولم يَخَفْ علينا فتنة أشدّ منها ،
فقد ظهر في هذه الأيام من بعض القراء ولا نقول كل القراء من يتساهل ويترخص
في معالجة النساء ، من نظر إلى المرأة إلى الكشف عن أجزاء من جسدها ، بل
وربما مسّها .. إلخ ، وقد سمعنا عن الكثير من المنكرات في هذا الباب .
من أجل ذلك كله جاءت هذه الدراسة قياماً بواجب النصيحة والتحذير من مغبّة
هذا الأمر وما يجرّه من فتن ومفاسد وانحرافات تتعلق بالعقيدة والأخلاق والاجتماع .
ولا شك في أن أمر العلاج هذا أضحى يحتاج إلى علاج ؛ وهذا ما نرجو أن تساهم
هذه الدراسة في جزء من المهمة ، بإذن الله تعالى .
أولاً : التحذير من الوقوع في الوساس والأوهام وضعف التوكل:
بادئ ذي بدء نقول : إن الوساوس والأوهام أعراض لمرض خطير من ورائه
أمراض : من اختلال التوحيد ، وضعف التوكل ، وافتقاد العلم النافع ، فتختل لذلك
الموازين ، وبذلك يصبح القلب مرتعاً خصباً للوساوس والأوهام والترهات ، وإلا
فالقلب الممتلئ أياً كان نوع امتلائه لا يسمح لشيء جديد بالدخول ؛ إلا أن يُخرج
شيئاً مما فيه ، يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك : (قبول المحل لما يوضع فيه
مشروط بتفريغه من ضدِّه ؛ وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في
الاعتقادات والإرادات) [1] .
إذا تقرر هذا فالموحِّد يعرف خالقه ، ويعرف لماذا خُلِقَ ، ويعرف المصير
والمستقر ، ويعرف أن الله وحده هو الذي يملك النفع والضر ، ويعلم أن الله حي لا
يموت والإنس والجن يموتون . وأنه لا أحد من إنسيّ أو جني يملك ضراً ولا نفعاً
ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، إلا أن يشاء الله ؛ لذا فالموحّد يعيش مطمئن النفس ؛
وهو يعلم أنه ليس لأحد عليه من سبيل ولا سلطان ، إلا أن يشاء الله ؛ لقوله سبحانه : [ إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ... ] [الحجر : 42] .
ولقوله : [ وَإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ ] [الأنعام : 17] .
ولقول رسوله الكريم : (يا غلام ... احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تُجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على
أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت
الصحف) [2] .
يقول ابن القيم رحمه الله : (وأكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله ، تكونُ
من جهة قلة دينهم ، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر ، والتعاويذ ،
والتحصّنات النبوية والإيمانية ، فَتَلْقَى الروحُ الرجلَ أعزلَ لا سِلاح معه ، وربما
كان عُرياناً فيُؤثر فيه هذا)[3].
ويقول في ذلك أيضاً : (وعِند السحرة : أن سِحرهم إنما يَتم تأثيره في القلوب
الضعيفة المنفعلة ، والنفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسّفليات ، لهذا فإن غالب ما
يؤثر في النساء ، والصبيان ، والجُهال ، وأهل البوادي ، ومن ضعُف حظه من
الدين والتوكل والتوحيد ، ومن لا نصيبَ له من الأوراد الإلهية ، والدعوات
والتعوّذات النبوية .
وبالجملة : فسلطانُ تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة التي يكون ميلُها إلى
السّفليات ، قالوا : والمسحورُ هو الذي يُعين على نفسه ، فإنا نجد قلبه متعلقاً بشيء ، كثيرَ الالتفات إليه ، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات ، والأرواح
الخبيثة إنما تتسلطُ على أرواح تلقاها مستعِدّة لتسلّطها عليها ، بميلها إلى ما يناسب
تلك الأرواح الخبيثة ، وبفراغها من القوة الإلهية ، وعدم أخذها للعدة التي تُحاربها
بها ، فتجدها فارغة لا عدة معها ، وفيها ميل إلى ما يُناسبها ، فتتسلط عليها ،
ويتمكّن تأثيرُها فيها بالسحر وغيره ، والله أعلم) [4] .
ثانياً : مشروعية التداوى :
مما لا شك فيه أن الإسلام جاء بالعلاج الشافي لأمراض القلوب والأبدان ، إما
نصاً وإما إجمالاً على سبيل الدلالة ، وقد تداوى النبي-صلى الله عليه وسلم- ،
وأمر بالتداوي ؛ ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن
النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه قال : (لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برأ
بإذن الله عز وجل ) [5] .
يقول ابن القيم رحمه الله معقباً : (علق النبي-صلى الله عليه وسلم- الشِّفاء
على مصادفة الدواء للداء ، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد ، وكلّ داء له
ضد من الدواء يعالج بضده ، فعلق النبي-صلى الله عليه وسلم- البُرء بموافقة الداء
للدواء ، وهذا قدرٌ زائد على مجرد وجوده ، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في
الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ، نَقَلَه إلى داء آخر ، ومتى قصّر عنها لم
يَفِ بمقاومته ، ولكان العلاج قاصراً . ومتى لم يقع المُداوي على الدواء ، أو لم يقع
الدواء على الداء لم يحصُل الشفاء ، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء ، لم
ينفع ، ومتى كان البدن غير قابل له ، أو القوة عاجزة عن حمله ، أو ثَمّ مانع يمنع
من تأثيره لم يحصل البُرء لعدم المصادفةِ ، ومتى تمت المصادفة حصلَ البرء بإذن
الله ولا بد) [6] .
هل التداوى ينافي التوكل ؟ نستطيع أن نقول من خلال الأحاديث الصحيحة
التي مرت وغيرها : إن التداوي لا ينافي التوكل ؛ لأن التوكل لا يعني ترك
الأسباب ، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع ، والعطش ، والحر ، والبرد بأضدادها .
هذا وقد يرى البعض أن التداوي ليس كالأكل والشرب ؛ ولهذا وقع الخلاف
في حكم التداوي . والذي يعنينا في هذا المقام أن الجميع متفقون على أن التداوي لا
ينافي التوكل .
ثالثاً : وجوب الاجتهاد في معرفة الداء قبل الدواء :
قد يقول قائل : كيف تقول بالوجوب مع أن التداوي مباح فقط وليس بواجب ؟
والجواب : أن ترك التداوي مباح ، ولكن من أراد أن يعالج فيجب عليه أن
يحاول تحديد الداء أولاً ، كي لا يضر من حيث يريد أن ينفع ، كمن يتجاهل
التقنيات الحديثة في تشخيص كثير من الأمراض ، ثم ينسب كل مرض إلى الجن أو
العين أو السحر ، وربما قُتل المريض لإخراج الجني المزعوم ؛ لذا قلنا بوجوب
معرفة ذلك ، ثم تحديد الدواء المناسب له ؛ لأنه إذا وقع الخلط في تحديد نوع الداء
فأنّى السبيل إلى وصف الدواء المناسب ؟
رابعاً : هدى النبي-صلى الله عليه وسلم- في التحصين والعلاج :
لا شك أن هدي محمد-صلى الله عليه وسلم- خير الهدي ، وهذا عام في كل
أمر ، وقد كان-صلى الله عليه وسلم- كما قال الله تعالى : [ حَرِيصٌ عَلَيْكُم
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] [التوبة : 128] .
فما من خير إلا ودلّنا عليه ، وما علم من شرٍ إلا وحذرنا منه . وفي هديه-
صلى الله عليه وسلم- الوقاية والتحصن ابتداء من كافة الأدواء لدفعها قبل وقوعها .
وإذا ما وقع الداء فعلاً دل على العلاج الناجع بإذن الله : إما نصاً ، أو على سبيل
الدلالة ؛ ولذا سنتكلم عن كلا الأمرين :
أولاً : التحصينات .
ثانياً : العلاج فيما يخص موضوعنا : (مسّ الجن العين السحر) .
التحصينات :
تكون التحصينات الهامة بتوحيد الله عز وجل ومعرفته بأسمائه وصفاته
وإخلاص العبادة له ، وتجريد المتابعة لأمره والتوكل عليه ومحبته والإكثار من ذكره . وهذه تحصينات على العموم والإجمال . ثم تأتي نصوص في بعض التحصينات
على سبيل التفصيل من مثل : قراءة سورة البقرة في البيت ، قراءة آية الكرسي ،
قراءة المعوذات ، الذكر عند الجماع لتحصين الذرية .
ولكن نلفت الانتباه إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين الذكر : الذي يخرج من القلب ، والكلمات المجردة : التي تقال باللسان . فالمطلوب هو حقيقة الذكر لا مجرد
الكلمات .
تحصينات ووقاية من العين خاصة : عن ابن عباس رضي الله عنهما عن
النبي-صلى الله عليه وسلم- قال : (العين حق . ولو كان شيء سابق القدر لسبقته
العين) [7] .
وللوقاية من العين ابتداءً يجب على من رأى شيئاً فأعجبه وخاف عليه العين
أن يقول : ما شاء الله ، وأن يبرِّك (أي يدعو لصاحبه بالبركة) .
العلاج :
أولاً : علاج الصرع الذي من الجن : يقول ابن القيم رحمه الله : (علاجُ هذا
النوع يكون بأمرين : أمرٍ من جهة المصروع ، وأمرٍ من جهة المعالج ، فالذي من
جهة المصروع يكون بقوة نفسه ، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها ،
والتعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلبُ واللسان ، فإن هذا نوعُ محاربة ،
والمحَارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين :
الأول : أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً ، وأن يكون الساعد قوياً ،
فمتى تخلّف أحدُهما لم يُغن السلاح كثيرَ طائل . فكيف إذا عُدِمَ الأمران جميعاً ؟ عند
ذلك يكون القلب خراباً من التوحيد ، والتوكل ، والتقوى ، والتوجه ، ولا سلاح له .
والثاني : من جهة المعالِج ، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً حتى إن من
المعالجين من يكتفي بقوله : (اخرُج منه) . أو بقول : (بسم الله) ، أو بقوله : (لا
حول ولا قوة إلا بالله) ، والنبي-صلى الله عليه وسلم- كان يقول : (اخرج عدوّ الله
أنا رسول الله) [8] .... إلخ [9] .
ثانياً : علاج العين : إذا وقعت الإصابة بالعين فإن طريقة العلاج تختلف بين
حالين : الأولى : إذا عُرِف العائن . والثانية : إذا لم يُعرفْ .
إذا عرف العائن : العمدة في هذا حديث إصابة سهل بن حنيف بالعين :
فعن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أنه سمع أباه يقول : اغتسل أبي
سهل بن حنيف بالخرار ، فنزع جبة كانت عليه وعامرُ بن ربيعة ينظر قال : وكان
سهل رجلاً أبيض حسن الجلد قال : فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا
جلد عذراء . قال : فوعك سهل مكانه ، واشتد وعكه ، فأُتي رسول الله-صلى الله
عليه وسلم- فأُخبر : أن سهلاً وعك ، فقال رسول الله : علامَ يقتل أحدكم أخاه ؟ ألا
برّكت . إن العين حق . توضأ له . فتوضأ له عامر ، فراح سهل مع رسول الله-
صلى الله عليه وسلم- ليس به بأس [10].
إذا لم يُعرف العائن : إذا لم يعرف العائن فإن العلاج يكون بالرقى المشروعة ، والأذكار المأثورة وإخلاص التوجه إلى الله ، والدعاءُ من المضطر كفيل بالإجابة
[ أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ... ] [النمل : 62] .
يقول ابن القيم رحمه الله : ( .. فمن التعوذات والرقى : الإكثار من قراءة
المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي ، ومنها التعوذات النبوية نحو : أعوذ بكلمات
الله التامات من شر ما خلق . ونحو : أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة
ومن كل عين لامة . ونحو : أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا
فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ... وحسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وهو رب
العرش العظيم . ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها ، وشدة
الحاجة إليها ؛ وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان
قائلها وقوة نفسه واستعداده ، وقوة توكله وثبات قلبه ؛ فإنها سلاح . والسلاحُ
بضاربه) [11].
ثالثاً : علاج السحر : كما قلنا مراراً : إن الوقاية خير من العلاج فيجب
الوقاية ابتداء من السحر قبل وقوعه كما ذكرنا ذلك غير مرة وذلك بتجريد التوحيد
لله والثقة بقضائه وقدره ، والتحصن بكثرة ذكره وقراءة المعوذات وغيرها .
ويضاف إلى ذلك العمل بما في الحديث الذي ورد في السحر خاصة ؛ فعن سعد
رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره
سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل) .
وفي رواية : (من تصبّح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا
سحر) [12] .
قلت : هذا الحديث الشريف لا يوجد ما يخرجه عن عمومه بيقين .
ولكنه لن ينتفع به إلا من يصدِّق بالنبي-صلى الله عليه وسلم- ، ويثق أن
ما يقوله حق لا مرية فيه علم الناس حقيقته أو لم يعلموا أما أهل المراء والجدال فهم محجوبون ومحرومون ولا ينبغي الاشتغال بهم ولا بوساوسهم .
أما علاج السحر بعد أن يقع فيكون بالتسليم والرضا بالقضاء والصبر على
ذلك ومحاسبة النفس على تقصيرها . وتحرّي الوسيلة المشروعة للعلاج . والتوبة
من المعاصي والابتعاد عن التفكير في الذهاب إلى السحرة والدجالين ، وتحرّي
الذهاب إلى من لا يُتهم في دينه من أهل العلم والصلاح ، أو طلبة العلم المعروفين
بالطلب والاستقامة .
يقول ابن القيم رحمه الله عن مرض السحر : (ذكر هديه-صلى الله عليه
وسلم- في علاج هذا المرض . وقد روي عنه فيه نوعان :
أحدهما وهو أبلغهما : استخراجه وإبطاله كما صح عنه-صلى الله عليه وسلم-
أنه سأل ربه سبحانه في ذلك ، فدُلّ عليه فاستخرجه من بئر . فكان في مشط
ومشاطة وجُفِّ طلعةِ ذَكَر . فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشط من عقال ،
فهذا من أبلغ ما يُعالَج به المطبوب أي المسحور وهذا بمنزلة إزالة المادة الخبيثة
وقلعها من الجسد بالاستفراغ .
والنوع الثاني : الاستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر) ا . هـ [13].
خامساً : تحديد الوسائل المبتدعة في العلاج [14] :
هذه نُشرات أم بدع ومحدثات ؟ !
النشرة العربية والحل : يقول الحافظ في الفتح : (النّشرة بالضم وهي ضرب
من العلاج يعالج به من يُظن أن به سحراً أو مساً من الجن ؛ قيل لها ذلك لأنه
يكشف بها عنه ما خالطه من الداء ، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في (باب
الرقية) في حديث جابر عند مسلم مرفوعاً : (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) .
ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن ،
وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال : لا بأس بالنشرة العربية التي إذا
وطئت لا تضره ، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن
شماله من كلٍ ثم يدقّه ويقرأ فيه ثم يغتسل به .
وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه : أن يأخذ سبع ورقات من سدر
أخضر فيدقه بين حجرين ، ثم يضربه بالماء ، ويقرأ فيه آية الكرسي
والقواقل [15] ثم يحسو منه ثلاث حسوات ، ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله .
وممن صرح بجواز النشر المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري
وغيرهما ، ثم وقفت على صفة النشرة في (كتاب الطب النبوي) لجعفر المستغفري
قال : وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من (تفسير قتيبة بن أحمد
البخاري) قال : قال قتادة لسعيد بن المسيب : رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له
أن ينشر ؟ قال لا بأس ، إنما يريد به الإصلاح ؛ فأما ما ينفع فلم ينه عنه . قال
نصوح : فسألني حماد بن شاكر : ما الحل وما النشرة ؟ فلم أعرفهما ، فقال : هو
الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وطاق ما سواها فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة
قضبان ، وفأساً ذا قطاريْن ويضعه في وسط تلك الحزمة ، ثم يؤجج ناراً في تلك
الحزمة ، حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره ، فإنه يبرأ
بإذن الله تعالى ، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفازة
وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذباً ثم يغلي ذلك الورد في
الماء غلياً يسيراً ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى .
قال حاشد : تعلمت هاتين الفائدتين بالشام . قلت : وحاشد هذا من رواة الصحيح عن
البخاري وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه
وصله الطبري في تفسيره ، ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن
أحمد بغير إسناد ، وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته وهو أعلى ما اتصل بنا من
ذلك) [16].
قلت : لنا هنا وقفات مع الحافظ رحمه الله : قوله : ويؤيد مشروعية النشرة ما
تقدم في حديث (العين حق) في قصة اغتسال العائن . قلنا : لا خلاف في مشروعية
النشرة ؛ ولكن أي نشرة ؟ لقد اتسع الخرق على الراقع وتسربت البدع والخزعبلات
إلى كتب أهل العلم ، فضلاً عن عقول العامة والغوغاء سلمنا في نُشرة العين
باغتسال العائن لورود النص الصحيح عن المعصوم في ذلك ، وما كان لنا أن
نعترض ولو لم نفهم السر في ذلك وإن كان بحمد الله تعالى قد ظهر لبعض أهل
العلم ما يُرجى أن يكون تعليلاً مناسباً لوجه المناسبة بين الداء والدواء [17].
أما أن يُفتح الباب لكل سائبة ومتردية ونطيحة وأكيلة سبع لتدخل وتمر تحت
ستار : (مشروعية النشرة) فهذا تفريط خطير لا يمكن أن يُقبل بحال ، وإن قال به
فلان وفلان من أهل العلم ؛ لأن أقوالهم قد صارت قنطرة تعبر عليها الخزعبلات
باسم النشرة الشرعية ، وإلا فقل لي بربك : أية شرعية في جمع قضبان وفأس ذي
قطارين ونار وبول ! ولماذا حزمة قضبان ؟ ألا يغني عنها الزفت والقطران ؟ !
ومن أين اشترطوا أن يكون الفأس ذا قطارين ؟ أما كان يكفي أن يكون الفأس ذا
قطار ؟
فوالله لقد سمعت أخيراً أحدهم في أحد الأشرطة يقول : يمكن أن يكون الفأس
ذا قطار واحد ؟ !
فالحمد لله ؛ لقد جلبت المشقة التيسير ، وصرنا من قطارين إلى قطار ، وغداً
ربما تكفي حدوة حمار ، أو حلقة أو مسمار ! ثم سمعت لأحدهم تجديداً في القول ،
فأعطى مشكوراً بديلاً عن (البول) وهذا التجديد مسطور في بعض الكتب ، قال
المؤلف بعد أن ساق نُشرة (البول والفأس والقضبان) التي نعتها بالحلّ قال : قلت :
ولو لم يبل عليه بل وضعه في ماء وقرأ عليه قوله تعالى : [ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ
بَاًسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ] [الحديد : 25] ثلاثاً أو سبعاً ثم اغتسل به وشرب منه
برئ بإذن الله تعالى فإنه مُجرّب) [18].
قلت : وهكذا في وسط زحام النّشرات الشرعية المزعومة تدخل الترهات
بجواز مرور يحمل تأشيرة : (مجرب) وتنبعث سحب الدخان الأسود لتدخل علينا
وصفة الذئب الأغبر ، والديك الأبيض ، والورد الأحمر ! ؟ !
قلت : ويعود بنا الحديث إلى كلام الحافظ رحمه الله .
قوله : وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي ... إلخ .
قلت : ظاهر الكلام يوحي بأنه قد ساقه بإسناده والواقع غير ذلك ففي المصنف
11/13[19763] قال عبد الرزاق : وقال الشعبي . فأين الإسناد ؟ وللعلم فقد توفي
الشعبي سنة أربع وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع ومائة . أما عبد الرزاق فقد ولد
سنة ست وعشرين ومائة وتوفي سنة إحدى عشرة ومائتين فما يرسله عن الشعبي
من السوائب التي لا يُعبأ بها ، والعجيب أن الحافظ يتعقب على المستغفري فيقول :
وأغفل أيضاً أثر الشعبي في صفته ، وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك . قلت : رحم
الله الحافظ وإلا فأين العلو ؟ وأين الاتصال ؟ ! أما ما حدّث به حماد بن شاكر
مغتبطاً وكأنما قد حاز كنزاً ولم يخبرنا كيف وقع عليه ، فقد تقدم الكلام عليه
وتزييفه [19] . أما قول حاشد : تعلمت هاتين الفائدتين بالشام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! فأي علم وأي فوائد في مثل هذا الكلام ؟ !
__________
(1) الفوائد لابن القيم ، ص 60 باختصار .
(2) رواه الإمام أحمد (2669) ، وبنحوه (2763) ، (2804) ، والترمذي (2518) .
(3) الطب النبوي ، ص 69 .
(4) الطب النبوي ، ص 127 .
(5) مسلم في السلام (2204) .
(6) الطب النبوي ، ص 14 ، 15 .
(7) مسلم في السلام ، (2188) .
(8) أحمد (4/170 ، 171 ، 172) من حديث يعلى بن مرة ، والدارمي (1 /15) عن جابر ورجاله ثقات .
(9) الطب النبوي ، ص 68 -71 .
(10) موطأ مالك (2/938 ، 939) وابن ماجة (2509) ، وأحمد (3/ 486) .
(11) الطب النبوي ، ص 168 -170 .
(12) البخاري (5768) ، 5769) ، ومسلم (2047) .
(13) الطب النبوي ، ص 126 -127 .
(14) هناك روايات كثيرة فندناها في كتابنا (النذير العريان) ، ص 71 -122 .
(15) القواقل : سورة الكافرون والمعوذات وقيل غير ذلك .
(16) فتح الباري ، (1/244 -245) .
(17) انظر الطب النبوي ، ص 171 -172 .
(18) السحر حقيقته وحكمه والعلاج منه ، ص 65 ، 66 .
(19) انظر النذير العريان للكاتب .

مجلة البيان , العدد :122 , شوال 1418ه
يتبع

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 21-02-2008, 03:38 PM   #2
معلومات العضو
منذر ادريس
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

(2من2)
بقلم : فتحي الجندي
أوضح الكاتب في الحلقة الماضية أن التوسع في مسألة الرقى صاحبه بعض
بدع محدثة وممارسات مخترعة ، ثم حذر المسلمين من ضعف التوكل والوقوع في
الأوهام والوساوس ، وعرّج على مشروعية التداوي وهدي النبي -صلى الله عليه
وسلم- في التحصين والعلاج فيما يخص موضوعنا ، وأخيراً : أخذ في بيان
الوسائل المبتدعة في هذا العلاج .. ويواصل في هذه الحلقة توضيح جوانب أخرى .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... - البيان -
رد الاحتجاج بالمجربات استقلالاً :
هذا الكلام مستخرج من كلام شيخ الإسلام : ابن تيمية رحمه الله ، في أن
استجابة الدعاء وقضاء الحاجات من الله عز وجل لا يعني ذلك أن الوسيلة مشروعة ؛ فقد يستجيب الله عز وجل مع تعدي العبد في الدعاء ، بل مع الشرك الصريح ،
وفي هذا ردّ على من يحتج بأن عمله مشروع ؛ لأنه ربما دعا فاستجاب الله لدعائه ،
أو أنه قد جرّب أمراً فنفعه ؛ مما يعني مشروعيته بزعمه . والنقول في ذلك كثيرة
نكتفي ببعضها :
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (وقد يحكى من الحكايات التي فيها
تأثير ، مثل : أن رجلاً دعا عندها أي المشاهد فاستجيب له ، أو نذر لها إن قضى
الله حاجته فقضيت حاجته ، ونحو ذلك . وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام .
فإن القوم كانوا أحياناً يُخاطَبون من الأوثان ، وربما تُقضى حوائجهم إذا
قصدوها ؛ ولذلك يجري لهم مثل ما يجري لأهل الأبداد [1] من أهل الهند وغيرهم ، وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج ، والحجر الأسود الذي
شرع الله استلامه وتقبيله ، كأنه يمينه ، والمساجد التي هي بيوته .
وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس ، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في
أهل الأرض) [2] .
وقال رحمه الله أيضاً : (فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في
ذلك الدعاء ، وكانت سبب هلاكه في الدنيا والآخرة .
تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته ، كما فعل بلعام وثعلبة ، وكخلق كثير
دعوا بأشياء فحصلت لهم ، وكان فيها هلاكهم .
وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله . كما قال سبحانه : [ ادْعُوا
رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ] [الأعراف : 55] فهو سبحانه لا يحب
المعتدين في صفة الدعاء ، ولا في المسؤول . وإن كانت حاجتهم قد تقضى ؛ كأقوام
ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله واعتداء لحدوده ، وأُعطوا طلبتهم
فتنة ولما يشاء الله سبحانه . بل أشد من ذلك : ألست ترى السحر والطلّسمات
والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضي الله بها كثيراً من
أغراض النفوس الشريرة ؟ ومع هذا فقد قال سبحانه : [ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا
لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونََ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ
آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ] [البقرة : 102 ، 103]
فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة . وأن صاحبه خاسر في الآخرة . وإنما
يتشبثون بمنفعته في الدنيا . وقد قال تعالى : [ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ]
[البقرة : 102] .
وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرماً يحصل لهم معه
ذلك الغرض ، ويورثهم ضرراً أعظم منه . وقد يكون الدعاء مكروهاً ويستجاب له
أيضاً .
ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي ، وقد لا يعلمه على وجه لا يعذر فيه
لتقصيره في طلب العلم ، أو تركه للحق . وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه ، بأن
يكون فيه مجتهداً أو مقلداً ، كالمقلد أو المجتهد اللذين يعذران في سائر الأعمال .
وغير المعذور : قد يتجاوز الله عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته من صِدْقِ
قصده ، أو لمحض رحمة الله به ، أو نحو ذلك من الأسباب .
فالحاصل : أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية بمنزلة سائر
أنواع العبادات .
وقد عُلِمَ أن العبادة المشتملة على وصف مكروه : قد تغفر تلك الكراهة
لصاحبها لاجتهاده أوتقليده ، أو حسناته ، أو غير ذلك . ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن
ذلك مكروه ينهى عنه ، وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه .
ومن هنا يغلط كثير من الناس ؛ فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين
عبدوا عبادة ، أو دعوا دعاء ، وجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء . فيجعلون ذلك
دليلاً على استحسان تلك العبادة والدعاء ، ويجعلون ذلك العمل سنة كأنه قد فعله نبي . وهذا غلط لما ذكرناه ، خصوصاً إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب
فاعله حين الفعل ، ثم تفعله الأتباع صورة لا صدقاً فيضرون به ؛ لأن هذا العمل
ليس مشروعاً ؛ فلا يكون له ثواب المتبعين ، ولا قام بهم صدق ذلك الفاعل الذي
لعله بصدق الطلب وصحة القصد يُكفّر عن الفاعل ...
ومن هذا : أني أعرف رجالاً يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم
فيفرج عنهم ؛ وربما يعاينون أموراً ، وذلك الحي المستغاث به لم يشعر بذلك ، ولا
علم له به البتة . وفيهم من يدعو على أقوام أو يتوجه في إيذاء أولئك . وربما رآه
ضارباً له بسيف ، وإن كان الحي لا شعور له بذلك . وإنما ذلك من فعل الله سبحانه
بسبب يكون بين المقصود ، وبين الرجل الدافع من اتّباعٍ له ، وطاعةٍ فيما يأمره من
طاعة الله ونحو ذلك . فهذا قريب .
وقد يجري لعُبّاد الأصنام أحياناً من هذا الجنس المحرم ما يظنون أنه محبة من
الله بما تفعله الشياطين لأعوانهم . فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من يتيقن أنه
لم يسمع الدعاء ، فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك ، أو أن له فيه فعلاً ؟
وإذا قيل إن الله يفعله بذلك السبب .
فإذا كان السبب محرماً لم يجز ، كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم ، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله ، وأن يدعو الله مستشفعاً بغيره
إليه كما تقول النصارى : يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله ، وقد يكون دعاء لله ،
لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يُتوسل به إليه ؛ كما يفعل المشركون الذين يتوسلون
إلى الله بأوثانهم . وقد يكون دعا الله بكلمات لا تصلح أن ينادى بها الله ، أو يُدعى
بها ؛ لما في ذلك من الاعتداء .
فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحياناً غرضه لكنها محرمة
لما فيها من الفساد الذي يربو على منفعتها ، كما تقدم . ولهذا كانت هذه فتنة في حق
من لم يهده الله ، وينوِّر قلبه ...
وأما اعتقاد تأثير الأدعية المحرمة : فعامته إنما تجد اعتقاده عند أهل الجهل
الذين لا يميزون بين الدليل وغيره ، ولا يفهمون ما يشترط للدليل من الاطراد ؛
وإنما يقع في أهل الظلمات من الكفار والمنافقين أو ذوي الكبائر الذين أظلمت قلوبهم
بالمعاصي ، حتى لا يميزون بين الحق والباطل .
وبالجملة : فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب ، أو شرط السبب ،
في هذا الأمر الحادث ، قد يُعلم كثيراً ، وقد يُظن كثيراً ، وقد يُتوهم كثيراً وهماً ليس
له مستند صحيح ، إلا ضعف العقل .
ويكفيك أن كل ما يُظن أنه سبب لحصول المطالب مما حرمته الشريعة من
دعاء أو غيره ؛ لا بد فيه من أحد أمرين :
- إما أن لا يكون سبباً صحيحاً : كدعاء من لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغني
عنك شيئاً .
- وإما أن يكون ضرره أكثر من نفعه .
فأما ما كان سبباً صحيحاً منفعته أكثر من مضرته ، فلا ينهي عنه الشرع
بحال . وكل ما لم يشرع من العبادات مع قيام المقتضي لفعله من غير مانع فإنه من
باب المنهي عنه كما تقدم) ا هـ [3] .
سادساً : الرقية وضوابطها : تعريف الرقية :
قال ابن منظور في لسان العرب : (الرقية : العوذة ، [ وهي ] معروفة) .
وقال الحافظ ابن حجر : ( .. لكن يحتمل أن يقال : الرقي أخص من التعوذ ،
وإلا فالخلاف في الرقي مشهور . ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى
والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع) [4] .
قلت : معلوم أنهم كانوا يرقون في الجاهلية برقى كثيرة معروفة لهم ومجربة
عندهم . فعن جابر رضي الله عنه قال : (نهى رسول الله عن الرقى فجاء آل عمرو
بن حزم إلى رسول الله فقالوا : يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من
العقرب ، وإنك نهيت عن الرقى ؛ قال : فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بأساً :
من استطاع منكم أن ينفع أخاه فيلفعل) [5] .
وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : (كنا نرقي في الجاهلية
فقلنا : يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا عليّ رقاكم ، لا بأس
بالرقى ما لم يكن فيه شرك) [6] .
وهنا يبرز سؤال : هل الرقى توقيفية أم اجتهادية ؟
وهل يدخل الاجتهاد على التوقيفية ؟ وما ضوابط ذلك الاجتهاد ؟
والجواب : أن النبي لم يصادر ما كان موجوداً من الرقى ولم يسد الباب ابتداء
ليقدم لهم بعد ذلك ما يراه جائزاً من تلك الرقى ، ولكنه ترك الباب مفتوحاً ليمارس
المسلمون بأنفسهم عملية التمحيص ، وليقبلوا من الرقى ما لم يَحْوِ شركاً أو محرماً ،
أو ما يؤدي إلى محرم ، كما يُفهم من سائر نصوص الشريعة .
وهنا يجمُل بنا أن نستحضر حديث أبي سعيد في رقية اللديغ بالفاتحة ؛ وفيه
قول النبي : (وما أدراك أنها رقية ؟ ) [7] .
قلت : لاحظْ قوله : (وما أدراك أنها رقية ؟ ) فإن هذا يعني أن أبا سعيد
رضي الله عنه قد اجتهد أو نقول : إنه قد وُفّق من الله وفهم أن هذه رقية ، وتأكد
ذلك بحصول البرء للديغ ، وبإقرار النبي هذا ما كان مع أبي سعيد ، أما غيره ممن
لن يقره النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد يخطئ ويصيب ، فيجب الرد إلى الكتاب
والسنة لتمحيص ذلك .
هذا وليس بغريب على الله أن يختص بعض خلقه بفهمٍ فوق فهم الآخرين ،
ربما لم يكن ليخطر لهم على بال . قال تعالى : [ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً
وَعِلْماً ] [الأنبياء : 79] .
ولذلك قال النبي : (وما أدراك أنها رقية) [8] .
الرقية والدعاء : هذا وأمر الرقية يشبه الدعاء ، فالدعاء بالمأثور وإن كان
أوْلى إلا أن الدعاء بغير المأثور مباح بلا خلاف : ما لم يَحْوِ محرماً ، أو يؤدي إلى
محرّم كما جاء في بعض الأحاديث .
فعن أنس أن رجلاً جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس فقال : الحمد لله حمداً
كثيراً طيباً مباركاً فيه . فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاته قال :
(أيكم المتكلم بالكلمات ؟ ) فأرمّ القومُ فقال : (أيكم المُتكلم بها ؟ فإنه لم يقل بأساً)
فقال رجلٌ : جئت وقد حفزني النفس فقلتها . فقال : (لقد رأيت اثني عشر ملكاً
يبتدرونها أيهم يرفعها) [9] .
قلت : سكوت هذا الصحابي رضي الله عنه يدل على أنه خشي أن يكون قد
أخطأ بوجهٍ ما في دعائه هذا ، وخشي ألا يقرّه النبي .
وهناك نموذج آخر لمن يدعو بما لا يصلح :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
إلى الصلاة ، وقمنا معه ، فقال أعرابي وهو في الصلاة : اللّهم ارحمني ومحمداً ،
ولا ترحم معنا أحداً ! فلما سلم النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابي : لقد
تحجّرت واسعاً ! يريد رحمة الله [10] .
من أجل هذا نقول : إن الدعاء بغير المأثور وإن كان مباحاً إلا أنه يجب ألا
يشتمل على محرم ، وألا يكون ذريعة لمحرم : كهجر الدعاء بالمأثور مثلاً ، ولأنه
من باب استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وعليه فتحرِّي المأثور أوْلى وأسلم
في الدعاء والرقية على السواء .
الرقى وأنواعها : تنقسم الرقى إلى ثلاثة أنواع :
الأول : حلال : وهي ما كانت مأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو
من جنس المأثورة ، ونعني بقولنا : أو من جنس المأثورة : ما يكون من الدعاء
المباح والنفث في اليدين والمسح بهما ونحو ذلك مما ورد في النصوص الصحيحة
دون زيادة أو استحداث هيئة غامضة لا يدرى لها وجه على ما سيأتي .
الثاني : حرام : وهي التي تشتمل على شرك أو طلسم لا يُدرى ما هو ، أو
تحتوي على أي محرم بالنص .
الثالث : ما تتباين فيه فتاوى أهل العلم ؛ فمنهم من يميل إلى إباحته ، ومنهم
من يقول بالمنع ؛ على ما سيأتي تفصيله وهذا النوع يمكن أن يطلق عليه اسم :
(المختلَف فيه) .
الرقية الشرعية : قال ابن حجر رحمه الله : (وقد أجمع العلماء على جواز
الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام الله تعالى ، أو بأسمائه وصفاته ،
وباللسان العربي ، أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر
بذاتها بل بذات الله تعالى ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال : (كنا
نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا عليّ
رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك) وله من حديث جابر : (نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم ، فقالوا : يا رسول الله
إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب ، قال : فعرضوا عليه ، فقال : ما أرى
بأساً ، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه) . وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل
رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها ، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من
الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع ، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك
فيمتنع احتياطاً . والشرط الآخر لا بد منه) [11] .
قلت : ينبغي أن يضاف إلى منع ما لا يعقل معناه وأنه قد يؤدي إلى الشرك ،
أنه قد يؤدي إلى تقرير البدع وتسويغ أعمال السحرة والمشعوذين . ...
هل الرقى يدخلها الاجتهاد والتغيير ؟ الرقية كما قلنا : نوعان : توقيفية ،
واجتهادية مباحة بضوابط ، ولكن هل يجوز إدخال الاجتهاد على الرقى التوقيفية
المأثورة ؟
الجواب : لا ؛ لأن ذلك يُعدّ بمثابة الاستدراك على النبي -صلى الله عليه
وسلم- والمخالفة له . فإذا قال -صلى الله عليه وسلم- مثلاً : قل ثلاثاً فليس لقائل
أن يقول : قل عشراً . فلا يجوز تغيير عدد منصوص أو هيئة أو صفة أو زمان
بدون مسوّغ شرعي .
أما الرقى غير المأثورة فهي مباحة ما لم تحوِ محذوراً شرعياً ولا سيما إذا
جربت وصح نفعها بقدر الله ، أما أن يُحتج لرقية ما بأنها جربت وصح نفعها بمجرد
التجريب فقط ؛ فهذا وحده لا يكفي كما سبق تقريره .
فالرقية التي تكون على هيئة غامضة وأوامر معتسفة بحيث تشبه أفعال
السحرة والمشعوذين وطقوسهم ، مثل هذه الرقية لا تجوز وإن زعموا أنها قد جُربت
ونفعت .
والمسلم يجب أن يكون على بصيرة من أمره في كل ما يأتي أو يذر فيزن كل
ما يعرض له بميزان الشرع . وأن يتريّث قبل العمل بمثل هذه الأمور التي لا يوجد
فيها نقلٌ صحيح صريح .
فهذه الأشياء التي لا يُعقل معناها ، إذا لم نتأكد أنها من الأسباب الشرعية أو
العادية التجريبية ؛ فلا يجوز التسليم بها أو تعاطيها ؛ لأن هذا يفتح باباً عظيماً من
الفتن ؛ إذ إنه ذريعة إلى تصديق السحرة والدجالين وتلبيس أمرهم على العامة .
يقول ابن قدامة رحمه الله : (وقد توقف أحمد لما سئل عن رجل يزعم أنه
يحل السحر فقال : قد رخص فيه بعض الناس . قيل : إنه يجعل في الطنجير ماء ،
ويغيب فيه ، ويفعل كذا ، فنفض يده كالمنكر ، وقال : ما أدري ما هذا ؟ وسئل ابن
سيرين عن امرأة تعذبها السحرة ، فقال رجل : أخط خطاً عليها ، وأغرز السكين
عند مجمع الخط وأقرأ عليها القرآن ، فقال محمد : ما أعلم بقراءة القرآن بأساً على
حال ولا أدري ما الخط والسكين) [12] .
فانظر رحمك الله إلى ورع أحمد ومن قبله ابن سيرين رحمهما الله .
ويقول الباجي : (وكره مالك أن يرقي الراقي وبيده الحديدة أو الملح ، والعقد
في الخيط أعظم كراهية عنده ، وروي عنه أنه كره الحديدة والملح ، والعقد في
الخيط أشد كراهية ، ووجه ذلك عندي أنه لم يعرف وجه منفعته فإنه يكره استعماله
لما يضاف إليه ، والله أعلم) [13] .
وقال الباجي في موضع آخر أيضاً : (وروى ابن وهب عنه عن المرأة التي
ترقي بالحديدة والملح ، وعن الذي يكتب الحرز ويعقد فيما يعلقه به عقداً ، والذي
يكتب حرز سليمان أنه كره ذلك كله ، وكان العقد عنده في ذلك أشد كراهية ، لما في
ذلك من مشابهة السحر ، ولعله تأوّل قول الله تعالى : [ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ] ...
(والله أعلم) [14] .
قلت : في الموضع الأول علّل كراهيته أنه لم يعرف وجه منفعته ، وهنا عللها
لما في ذلك من مشابهة السحر ، ولكن هناك وجه آخر من كلام مالك ذكره
القسطلاني قال : (وفيه جواز الرقية لكن بشروط : أن تكون بكلام الله تعالى أو
بأسمائه وصفاته ، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أن
الرقية غير مؤثرة بنفسها بل بتقدير الله عز وجل . وقال الربيع : سألت الشافعي
عن الرقية فقال : لا بأس أن يرقى بكتاب الله عز وجل ، وبما يعرف من ذكر الله
إلى أن قال : وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط
والذي يكتب خاتم سليمان ، وقال : لم يكن ذلك من أمر الناس القديم [15] .
سابعاً : فتنة المال للمعالجين وحكم التفرغ لذلك :
لقد تضافرت النصوص في التحذير من فتنتي المال والنساء ، ولم ينتفع بذلك
إلا القليل ؛ ذلك أن حب المال مركوز في الفطرة ، وكذلك حب النساء .
وفي سنن الترمذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : (ما ذئبان
جائعان أُرسلا في غنم ، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف
لدينه) [16] .
وقال يحيى بن معاذ : الدرهم عقرب ، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه ، فإنه إن
لدغك قتلك سمه . قيل : ما رقيته ؟ قال : أخذه من حله ووضعه في حقه . وقال :
مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما ، قيل : ما هما ؟ قال :
يؤخذ منه كله ، ويُسأل عنه كله) [17] .
حكم أخذ الأجرة على الرقية :
لا يختلف اثنان ممن يتعاطون الفقه في جواز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية
لحديث أبي سعيد الخدري رضي لله عنه في رقية سيد الحي اللديغ وغيره .
ولكن إذا نظرنا إلى حال ذلكم الحي ، الذي لُدغ سيده فسنجد في الحديث نفسه ، أنهم كانوا قوماً لئاماً ، وقد كانوا على الشرك ، وقد منعوا الصحابة حق الضيف
الذي لهم .
قلت : فكان من المناسب استيفاء الحق منهم كاملاً جزاءً وفاقاً لخبثهم ولؤمهم
في منع حق الضيف .
ومع هذا فلا نقول ولم يقل أحد إنه لا يجوز أخذ الأجرة إلا ممن كان في مثل
حالهم ، ولكن الذي يقال : أن المسلم أوْلى بالإكرام والمسامحة على أي حال ، فيجب
مراعاة ذلك قال تعالى : [ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ]
[السجدة : 18]
وعليه فقد قال بعض أهل العلم بأنه مع جواز أخذ الأجر على الرقية إلا أن
الأوْلى تركها حسبة لله تعالى .
هذا وينبغي التفريق أيضاً : بين من يطلب المال بنفسه ، وبين من يُعرَض
عليه المال من غير طلب ؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه حيث قال :
سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : قد كان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- يعطيني العطاء . فأقول : أعطه أفقر إليه مني ؛ حتى أعطاني مرة مالاً ،
فقلت : أعطه أفقر إليه مني . فقال رسول الله : (خذه ؛ وما جاءك من هذا المال
وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا ؛ فلا تتبعه نفسك) [18] .
قلت : يجب أن نلاحظ أيضاً أن هناك فرقاً بين الحالين ، ففي حال الرقية قد
يكون عرض المال من أهل المريض خاصة إذا كانوا أهل ضعف ومسكنة من باب
الحرج ، فالأوْلى هنا التعفف عن هذا المال ، ولا سيّما إذا لم يكن المعالج في حاجة
ماسة إلى هذا المال .
متى تستحق الأجرة للراقي ؟ يقول ابن عبد البر عن النشرة : (وإذ كانت
مباحة فجائز أخذ البدل عليها وهذا إنما يكون إذا صحّ الانتفاع بها فكل ما لا ينتفع
به بيقين فأكل المال عليه باطل محرم) [19] .
قلت : هذا الذي قاله ابن عبد البر قد نطقت به الأدلة ففي حديث أبي سعيد وقد
تقدم : (فبرأ الرجل) وفي رواية : (فكأنما نشط من عقال) .
وفي رواية : (فانطلق يمشي وما به قَلَبَة) .
فهذا ما كان ، وهذا ما أفتى به أهل العلم حيث نطقت به الأدلة . فأين هذا مما
يفعله العديد من المعالجين في هذا الزمان ؟ !
فالبعض لهم عيادات أو قل مستشفيات لاستقبال المرضى ، وفتح الملف بكذا.. والمقابلة بكذا والقراءة بكذا ... إلخ . وبسبب تكاثر عدد المرضى صرنا نسمع
عن جلسات العلاج العامة منها والخاصة ، ولكل جلسة سعرها الخاص بها .
يضاف إلى ما سبق ما يبتزّه البعض من المرضى بأسلوب غير كريم ، عن
طريق بيع بعض الأدوية أو الأغراض الأخرى مثل : عسل النحل ، وزيت حبة
البركة (الحبة السوداء) وزيت الزيتون ، وأحياناً زجاجات المياه المعدنية وبأسعار
مرتفعة ، لماذا ؟ لأن المعالج قد نفث فيها من ريقه المبارك !
ومن الأشياء التي سمعنا أنها توصف وتباع أيضاً من البعض : مكتبة مقروءة
وأخرى مسموعة ! وغالباً ما تحويان كتباً تجارية وأشرطة دعائية للمعالج نفسه ،
يظهر فيها المعالج غالباً كولي من أولياء الله الصالحين ؛ أصحاب الهمة العالية ،
والذكاء الخارق والفقه في الدين ، والورع ، وغالباً ما يحقق الانتصارات الخارقة
على ملوك الجن وقادتهم الكبار ! دع عنك صغار الجن وغوغاءهم ! كل هذا يجري
في حملة تجارية دعائية منظمة .
حكم التفرغ لهذا العمل : (بالنظر إلى سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وسيرة أصحابه وسيرة علماء الإسلام الموثوق بعلمهم وفضلهم ، لم نر أحداً منهم
انقطع عن أعماله ، وقصر نفسه على معالجة المرضى بالرقى ، واتخذها حرفة ،
واشتهر بها بين الناس ، بحيث إذا ذكر اسمه اقترن بهذه الحرفة ؛ [20] ولا شك أن
الناس في كل زمان تكثر فيهم الأمراض ، ولم نر أحداً من خلفاء المسلمين نصّب
قارئاً يقرأ على المرضى ، كما يُنصّب المُفتون والقضاة ، وإنما المريض يقرأ على
نفسه من كتاب الله ، وإن قابله عالم ذو فضل وديانة وطلب منه الرقية وقرأ عليه
فلا حرج ، ومن المعلوم أن المشروع بأصله قد يُمنع إذا صاحبته كيفية مستحدثة .
ولو كان الانقطاع لمعالجة المرضى بالرقى ، واتخاذها حرفة والاشتهار بها
بين الناس خيراً لسُبقنا إليه ، ولا يظن أحد أن المرضى في هذا الزمان أكثر منهم
في الأزمان الأخرى) [21] .
ويحسن أن نختم كلامنا بهذا الكلام النفيس لصدِّيق حسن خان حيث يقول في
كتابه : الدين الخالص (2/343- 344) : ( ... وكل عمل ودعاء ينشر المرض
والداء وينفع من الأسقام والأدواء يصدق أنه نشرة ، يجوز الانتفاع به ، إن كان من
ألفاظ القرآن والسنة ، أو من المأثور من السلف الصلحاء ، الخالي عن أسماء
الشرك وصفاته ، باللسان العربي وإلا كان حراماً أو شركاً .
وفي الباب كتب ومؤلفات لأهل الدعوات ، تشتمل على رَطْب ويابس ، وعلى
ما جاز ولم يجز .
فَلْيَتَحرّ المؤمنُ الموحد عند الاعتمال بما فيها ، ما هو ثابت صحيح ، مُبرّأٌ من
كل شك وشبهة ، ولْيَدَعْ ما هو على غير طريقة الإسلام ، وإنما هو فعل أهل العزائم
والأوفاق ، الذين يكتبون التعاويذ في الهندسة ، والحروف ، والخطوط ونحوها فإن
ذلك لا يصلح لشيء . وكذلك النفث في الخيوط المعقودة .
والله سبحانه كافٍ لعبده ، إن توكل عليه ، ولم يتعلق بغيره ، واكتفى بالأدعية
المسنونة ، والأدوية المباحة . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . وحيث إن
الشرك أخفى من دبيب النّمل ؛ يجب غاية التحري فيه والتجنب من أنواعه
وأطرافه وما يشبه ذلك . وبالله التوفيق ، وهو المستعان) .
__________
(1) الأبداد لعلها جمع بُدّ ، والبُدّ : الصنم .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم ، ص 320 .
(3) اقتضاء الصراط المستقيم ، 359 563 باختصار وانظر : النذير العريان ، للكاتب
(123- 138) .
(4) فتح الباري ، (10/207) .
(5) مسلم في السلام (14/186 نووي) .
(6) مسلم في السلام ، (14/187 نووي) .
(7) مسلم في السلام ، (14/187 نووي) .
(8) قلت : في هذا تقرير من النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يجوز تخصيصه ، ولم يخالف في ذلك فيما نعلم إلا الشيخ حامد الفقي رحمه الله ، حيث علّق في مدارج السالكين 1/55 بقوله : (لم نجد في الروايات الصحيحة أن أحداً من الصحابة لا في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولا بعده فعل مثل ذلك مرة ثانية ولعله والله أعلم كان هذا الحادث بصنع الله لأولئك الصحابة الذين كانوا في حاجة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ، ومنعهم أهل الحي حقهم من الضيافة ، مع جوعهم وشدة حاجتهم ، فسلط الله الحشرة على رئيسهم فلدغته ، ليستخرج لهم بتلك اللدغة والرقية حقهم) اهـ .
(9) مسلم في المساجد ، 1/419 (600) .
(10) أحمد (2/239 ، 283) ، وأبو داود في الطهارة (380) وغيرهما .
(11) فتح الباري (10/206) .
(12) الكافي لابن قدامة (4/166 - 167) .
(13) المنتقى شرح الموطأ ، 7/258 .
(14) المصدر السابق ، 7/261 .
(15) إرشاد الساري 8/388 ، شرح الزرقاني على الموطأ ، 4/417 .
(16) أحمد (4/60) ، والترمذي في الزهد (2367) وغيرهما .
(17) مختصر منهاج القاصدين ، ص 184 185 .
(18) البخاري في الزكاة (1473) ، ومسلم في الزكاة (1045) .
(19) التمهيد ، 6/241 .
(20) في صحيح مسلم/ك السلام (66) في وصف الصحابي الذي رقى سيد الحي اللديغ : (ما كنا نظنه يحسن رقية) وفي رواية : (ما كنا نأبنه برقية) أي أنه لم يكن معروفاً بذلك .
(21) عن كتاب (الرقى في ضوء عقيدة أهل السنة) .

مجلة البيان , العدد : 123 , ذو القعدة , 1418 ه
أخوكم المحب / المشفق

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 22-02-2008, 02:14 AM   #3
معلومات العضو
أذكرالله يذكرك

افتراضي

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم



ياليت كل منا من يدريك هذه الحقيقة ويسعى جاهدا" لإيصالها لأكبر عدد من الناس..............

حتى يكونون على بينة من أمرهم ولايقعون في شباك هاؤلاء الناس..............


اللهم ارحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأعنهم على فعل الخير وترك لمنكرات وحب المساكين والإخلاص لك والزهد في هذه الدار والثبات على الحق حتى الممات وأن تحسن خاتمتهم وتنصرهم على الأعداء وتعزهم بالإيمان وتردهم إليك ردا" جميلا" اللهم آمين ..........[/align]









موضوع ذو خير عظيم شكر الله لكم سعيكم وجعله حجة لكم لا عليكم وجعله لكم نورا" على الصراط يوم تلقوووووون الله ...........


والله من وراء القصد...........&&&&&&&&&&

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 22-02-2008, 10:19 AM   #4
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي


،،،،،،

بارك الله فيكم أخي الحبيب ومشرفنا القدير ( المشفق ) ، وا[لأخ الفاضل ( فتحي الجندي ) له كتاب بعنوان :

[align=center]( النذير العريان لتحذير المرضى والمعالجين بالرقى بالقرآن )[/align]

وهو من أجمل ما قرأت في مسألة التأصيل الشرعي والبعد عن الأمور المحدثة والالتزام قالباً ومضموناً بالكتب والسنة وأقوال علماءالأمة ، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الدجزاء 0

زادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
 

 

 

 


 

توقيع  أبو البراء
 
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 03-07-2008, 12:01 AM   #6
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي


،،،،،،

وفيكم بارك الله أخي الحبيب ومشرفنا القدير ( شاكر ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
 

 

 

 


 

توقيع  أبو البراء
 
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 14-02-2009, 06:39 PM   #7
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل : المشفق
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع القيم


اخواني الكرام
لقد بحثت في النت على كتاب :



النذير العريان لتحذير المرضى والمعالجين بالرقى والقرآن

ولكن للأسف ما وجدته.

أردت الإطلاع على ماجاء هنا في آخر المشاركة الأولى

أما ما حدّث به حماد بن شاكر
مغتبطاً وكأنما قد حاز كنزاً ولم يخبرنا كيف وقع عليه ، فقد تقدم الكلام عليه
وتزييفه .

(19) انظر النذير العريان للكاتب .

حيث يرد على الحافظ في الفتح ومانقله :
قال نصوح : فسألني حماد بن شاكر : ما الحل وما النشرة ؟ فلم أعرفهما ، فقال : هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وطاق ما سواها فإن المبتلى بذلك يأخذ حزمة قضبان ، وفأساً ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ، ثم يؤجج ناراً في تلك الحزمة ، حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره ، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى .


هل يستطيع أحدكم مشكورا أن يساعدني في نقل نقده لما راواه حماد بن شاكر
والله لايضيع أجر المحسنين...
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 15-02-2009, 02:31 AM   #8
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي


،،،،،،

بارك الله فيكم أخيتي الفاضلة ومشرفتنا القديرة ( مسك الختام ) ، عذراً فالكتاب عندي ولكنه في مكتبتي في الأردن ، حاولت أن أحقق مبتغاك ولكن عذراً مرة أخرى 0

زادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
 

 

 

 


 

توقيع  أبو البراء
 
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 15-02-2009, 06:43 AM   #9
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وفيكم بارك الله ، وجزاكم خير الجزاء
وكنت متوقعة انه ليس بحوزتكم حاليا
لذا ننتظر ربما يكون عند أحد من الإخوة ...
وشكرا للجميع .

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 15-02-2009, 02:45 PM   #10
معلومات العضو
أبو البراء

لموقع ومنتدى الرقية الشرعية - مؤلف ( الموسوعة الشرعية في علم الرقى )
 
الصورة الرمزية أبو البراء
 

 

افتراضي


،،،،،،

بارك الله فيكم أخيتي الفاضلة ومشرفتنا القديرة ( مسك الختام ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0
 

 

 

 


 

توقيع  أبو البراء
 
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 02:05 AM

web site traffic counters


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.