موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > المنبر الإسلامي العام

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 12-10-2007, 01:03 AM   #1
معلومات العضو
بوراشد
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي ((*** ( العجب وخطره على الداعية )*** ))

أخواني الفضلاء النبلاء ...
هذا موضوع قيم نقلته لكم من موقع المختار الإسلامي ...أذكر به نفسي وإياكم...وأسال الله الإخلاص في القول والعمل .



العجب وخطره على الداعية



عبدالحكيم بن محمـد بلال


في غمرة انشغال الداعية في أعماله الدعوية، يحصل لديه ـ أحياناً ـ قصور في تزكية نفسه، ومحاسبتها، وربما تسلل إلى قلبه آفات قادحة في عمله وإخلاصه، مفسدة لقلبه، قد يشعر بها وينشغل عن علاجها، وقد لا يشعر بها أصلاً.

ومن الأمراض السريعة الفتّاكة بالنية: العُجْبُ، وما ينتج عنه من الغرور والكبر.

مفهوم العُجب: العُجب هو: الإحـســـاس بالتمـيّز، والافتخار بالنفس، والفرح بأحوالها، وبما يصدر عنها من أقوال وأفعال، محمودة أو مذمومة(1) وعرفه ابن المبارك بعبارة موجزة فقال: (أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك)(2).

وإذا تنقص المعجب أعمال الآخرين، أو أعجب بما ليس فيه، واهماً امتلاكه، فهو الغرور؛ فإذا طال أشخاص الآخرين فهو الكبر.
ويدخل العجب في كل شيء يزهو به الإنسان، وأخطره العجب بالعمل. وهو المقصود هنا.

مداخل العُجب على الدعاة: ومما يُدخل العُجـب على الداعية نظره لما منحه الله إياه من بلاغة أو فصاحة وبيان أو سعة في العلم وقوة فـي الــرأي، فـــإذا انضاف إلى ذلك حديث الناس عن أعماله، وتعظيمهم له، وإقبالهم عليه... لم يسلم حينئذٍ إلا القليل(3).

التحذير من العجب: أمر الله - عز وجل - نبيه بالإنذار والدعوة، وتعظيم ربه - عز وجل - وفعل الخير، واجتناب الشر، وهجر الأوثان، ثم قال له بـعـد ذلـك: ((وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ)) [المدثر: 6]، قال الحسن البصري: (لا تمنن بعملك على ربـك تسـتـكثره)، فإنه مهما كُثرَ العمل ففضل الله أعظم، وحقه أكبر.

وقـد نهى الله عن تزكية النفس، بمعنى اعتقاد خيريتها، والتمدّح بها فقال: ((فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ)) [النجم: 32]، كـمــــا نهى عن المن بالصدقة فقال: ((لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى)) [البقرة: 264]، والـمــن يحصل نتيجة استعظام الصدقة، واستعظام العمل هو العُجب. والإعجاب بالنفس شر، وأي شر، قال ابن المبارك: (لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العجب)(4).

ولـعــل المرء يدافع الرياء ويحس به، بيد أنه لا يشعر بما في داخله من العجب المحبط، ومن أجـــــل ذلك كـــان مهلكاً بوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: (ثلاث مهلكات) ثم ذكرهن: (شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)(5).

وإذا كانت الذنوب مهلكة، فإنها قد تكون رحمة بصاحبها حين تخلصه من العجب الذي هو الهلاك حقاً. قال: (لو لم تكونوا تذنبون، خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب)(6).

وقال ابن مسعود ـ رضـي الله عـنـه ـ: (الهلاك في شيئين: العجب والقنوط).. (وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب، والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى)(7).

ومما ورد في جزاء المعجبين قــولــه: (بـيـنـمـا رجل يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) وفي رواية: (قد أعجبته جمته وبرداه)(8)، فكيف بمن أُعجِبَ بعلمه أو عمله؟!

مظاهر العجب:

الله - عز وجل - أعلم بالإنسان من نفسه، والإنسان أعلم الناس بنفسه فهو أقدرهم على اكتشاف مظاهر العجب في نفسه، كما أن بعضها لا يخفى على الناس، ومنها:

1- المنّ على الله، ومطالبته بما آتى الأولياء، وانتظار الكرامة وإجابة الدعوة(9).

2- الإكثار من الثناء على النفس ومدحها، لحاجة ولغير حاجة، تصريحاً أو تلميحاً، وقد يكون على هيئة ذم للنفس أو للآخرين، يراد به مدح النفس.

3- الحرص على تصيّد العيوب وإشاعتها، وذم الآخرين ـ أشخاصاً أو هيئات ـ والفرح بذمهم وعيبهم.

4- النفور من النصيحة، وكراهيتها، وبعض الناصحين.

5- الاعتداد بالرأي، وازدراء رأي الغير.

6- صعوبة المطاوعة، والحرص على التخلص من التبعات والمسئوليات، وتحقيق القناعات الشخصية.

7- الترفع عن الحضور والمشاركة في بعض الأنشطة العلمية والدعوية، وخصوصاً العامة.

مخاطر العجب وآثاره: للعجب أثره على الدعوة والدعاة(10)، ولا شك أن آثاره على الدعاة تنعكس على الدعوة أيضاً بالسلب،

فمن آثاره على الدعاة:

1- أنه طريق إلى الغرور والكبر، وآثار الكبر المهلكة لا تخفى.

2- الحرمان من التوفيق والهداية؛ لأن الهداية إنما ينالها من أصلح قلبه وجاهد نفسه، قال الله - تعالى - : ((وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)) [العنكبوت: 69]، ومن صور هذا الحرمان: نسيان الذنوب واستصغارها، والعمى عن التقصير في الطاعات، والاستبداد بالرأي، والتعصب للباطل، وجحود الحق، وهذه الآثار في الجملة منها ما يقع سبباً للعجب، ثم يزداد ويستمر، ليبقى أثراً ثابتاً له.

3- بطلان العمل، قال - عز وجل -: ((لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى)).

4- العجز والكسل عن العمل؛ لأن المعجب يظن أنه بلغ المنتهى.

5- الانهيار في أوقات المحن والشدائد؛ لأن المعجب يهمل نفسه من التزكية، فتخونه حينما يكون أحوج إليها، ويفقد عون الله ومعيته؛ لأنه ما عرف الله حال الرخاء.

وتأمل ما أصاب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ مع إيمانهم وصلاحهم، حين أعجب نفر منهم بكثرة العدد: ((وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ)) [التوبة: 25] واليهود ـ عليهم لعائن الله ـ: ((ظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)) [الحشر: 2].

6- نفور الناس وكراهيتهم؛ لأن الله يبغض المعجب.

7- العقوبة العاجلة أو الآجلة، كما خسف الله بالمتبختر المعجب الأرض.

ومن آثاره على الدعوة: توقفها أو ضعفها وبطؤها بسبب قلة الأنصار؛ نظراً لنفور الناس، وكراهيتهم للمعجبين، وسهولة اختراق صفوف الدعاة وضربها؛ نظراً لانهيار الدعاة المعجبين حال الشدائد.

أسباب العُجب:

ذكر العلماء للعجب سببين رئيسين:

أولهما: جهل المعجب بحق ربه وقدره، وقلة علمه بأسمائه وصفاته، وضعف تعبده له - تعالى - بها.

ثانيهما: الغفلة عن حقيقة النفس، والجهل بطبيعتها وعيوبها، وإهمال محاسبتها.

ويدخل تحتهما: تجاهل النعم، ونسيان الذنوب، واستكثار الطاعات.
ومن الأسباب المهمة أيضاً:

أ - الجهل بما عند الآخرين من علم أو عمل قد يفوق ما عنده كثيراً.

ب - النظر إلى من هو دونه في أمور الدين، دون النظر إلى من فاقه وزاد عليه.

ج - النشأة في كنف مربٍ به عُجْب، كثير الثناء على نفسه.

د - صحبة بعض أهل العجب، لا سيما إذا كانوا من المبرزين النابهين.

هـ ـ الاعتداد بالنسب، أو المكانة الاجتماعية، أو كثرة المال.

وـ الإطراء والمدح في الوجه، والإفراط في الاحترام.

ز ـ المبالغة في الانقياد والطاعة، ولو في المعصية.

ح ـ التصدر للناس قبل النضج العلمي والتربوي، تساهلاً، أو تطلعاً
لسماع الجماهير، أو مراعاة لظروف الدعوة، لخلو الساحة من المؤهلين تأهيلاً كافياً.

ط ـ تحقيق بعض الدعوات أو الأشخاص نجاحات في الدعوة؛ كالتفاف الجماهير، وسماعهم، وتأثرهم.

علاج العجب: أول ما ينبغي أن يتوجه إليه العلاج: معالجة أسباب العجب، ومجاهدة النفس على اجتنابها ويمكن تفصيل خطوات العلاج فيما يلي:

أولاً: الحرص على العلم الشرعي، الذي يهذب النفوس، ويصلح القلوب، ويزيد الإيمان؛ فإن الإيمان الكامل والعجب لا يجتمعان.
وتحصيل العلم النافع دليل على أن الله أراد بعبده خيراً. ومن الجوانب التي ينبغي العلم بها، والعمل بمقتضاها:

1- أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحقه في التعظيم الـمورِث للخوف، الذي يطرد العجب قال - تعالى - : ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)) [الزمر: 67].

2- تذكّر فضل الله ـ - عز وجل - ـ على عبده، ونعمه المتوالية، والنظر في حال من سُلبها؛ فإن الله خلقه من العدم، وجعله إنساناً سوياً، وأمده بالنعم والأرزاق، وجعله من أبوين مسلمين، ووفقه للطاعات، وهيأ له أسباب العلم والدعوة، وهو الذي يثيبه عليها، ويدخله الجنة برحمته. وهو - تعالى - لو شاء لجعله عدماً أو جماداً، أو بهيمة، ولو شاء لخلقه أصم أبكم أعمى، ولو أراد لجعله من أبوين يهوديين أو نصرانيين، وهو - سبحانه - في كل نعمه تلك غني عن عبده وعن عبادته وعن طاعته.

3- افتقار هذه النعم إلى الشكر، وأن العبد مهما شكر فشكره لا يكافئ النعم، مع ما قد يشوبه من خلل.

4- حقيقة الدنيا والآخـرة، وأن الدنيا مزرعـة هـدف العبد فيها مرضـاة الله - تعالى - وهو - عز وجل - لا يرضيه العجب، وكذا تذكّر الموت وما يكون بعده من الأهوال التي لا ينفع فيها إلا صالح العمل، والعجب يجعله هباء منثوراً.
قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : (إذا خفت على عملك العجب، فاذكر رِضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، ومن أي عقاب ترهب. فمن فكّر في ذلك صغر عنده عمله)(11).

5- حقيقة النفس. قال الأحنف بن قيس: (عجبت لمن خرج من مجرى البول مرتين، كيف يتكبر).

6- إدراك عواقب العجب، وأنه طريق إلى الكبر المهلك.

7- وجوب الإخلاص، قال الذهبي: (فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء: تحامق واختال، وازدرى بالناس، وأهلكه العجب)(11).

ثانياً: الحرص على ما يعين على تحصيل ذلك من الإقبال على كتاب الله، واستلهام الفهم منه، ومن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسيرة السلف الصالحين، ومجالسة العلماء والدعاة الصادقين، والأخذ من علومهم.

ثالثاً: دور الدعاة والمربين، والذي يتمثل فيما يلي:

1- محاسبة النفس أولاً، وتنقيتها من داء العجب والفخر.

2- متابعة البارزين ومن يخشى عليهم العجب، من خلال:

أ ـ البرامج الإيمانية.

ب- اللقاءات الفردية التي يذكرون فيها بمعاني الإيمان والتواضع.

ج- وأحياناً مصارحة الواحد منهم بما يصدر منه، بأسلوب مناسب.

3- تمكينه من معاشرة ومخالطة الصالحين، ورؤية بعض المتواضعين من إخوانه، الذين هم أكثر بروزاً في المجتمع، وإبعاده وتجنيبه صحبة المعجبين.

4- التوقف عن إبرازه في المناشط العامة وتأخيره عــــن المواقع الأمامية، كنوع من العلاج، مع مراعاة ألا ينتج عن ذلك سلبية الإحباط، فإن حدثـت فـإنه يجب علاجها أيضاً؛ لأن التأخير اجتهاد في العلاج، وقد يكون التشخيص أيضاً مجتهداً فيه.

رابعاً: اتباع الآداب الشرعية في المدح والثناء، والتوقير والاحترام، والطاعة والانقياد.

ـ فالمدح: إذا كان بالحق، وباعتدال، مع من لا تُخشى علـيـه الفتنة فقط؛ كان جائزاً، أو مستحباً، بحسب المصلحة؛ وإلا فحرام.

ـ والتوقير والاحترام، ينبغي ألا يصل إلى التعظيم؛ ولذا كـره مـــن أصحابه أن يقوموا له، وأن يعظموه كما يعظم الأعاجم ملوكهم.
ـ وأما الطاعة والانقياد فقد حددها الشارع في المعروف.

خامساً: النظر إلى العاملين النشيطين، والتأمل في سيرهم وحياتهم.

سادساً: التأكيد على المسؤولية الفردية في محاسبة النفس ومتابعتها، حسب خطوات العلاج السابقة كلها، وتفقّد القلب في نيته عند كل عمل، قال عبيد الله ابن أبي جعفر: (إذا كان المرء يحــدِّث فـي مجـلـس، فأعجبه الحديث فليمسك، وإذا كان ساكتاً فأعجبه السكوت فليتحدث)(12)، ولـكن يجب التنبه إلى أن هذا يكون في حدود التأديب والعلاج، لا يتعداه إلى ترك العمل خشية العجب أو الرياء.
كما أن المحاسبة قد تتطلب أحياناً تعريض النفس بين الحين والحين لبعض المواقف التي تكبح جماح كبريائها، وتعرفها بمكانتها الـلائـقـــــة، كخدمة من هو أصغر منه، أو حمل متاعه بنفسه، على نحو ما أُثِرَ عن كثير من السـلـــف. ولا غنى للعبد في كل هذه الوسائل عن الاستعانة بالله - تبارك و تعالى -، واللجوء إليه، لجوء العبد الضعيف المفتقر إلى عون مولاه ومدده وهداه وتوفيقه.

حال السلف في الافتقار إلى الله واجـتــناب العجب: لقد كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - دوام الافتقار إلى الله، والذل بين يـديـــه، واستمداد العـون منه؛ لعلمه بأن (قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقـلــــب واحـد، يصرفه كيف يشاء). وقد تمثل افتقاره - صلى الله عليه وسلم - في دعائه: (اللهم مـصـرف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك)(13) يقول ذلك وهو سيّد ولد آدم، الذي غُفر له ما تـقــــدم من ذنبه وما تأخر، بل يصلي حتى تتورم قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً)(14) ولا يجتمع الافتقار والعجب في قلبٍ أبداً.

وقـد كان - صلى الله عليه وسلم - يغرس في نفوس أصحابه هذه المعاني، ويرشدهم إلى دوام التـواضــــع لله والاعتراف بين يدي الله بالتقصير، مهما بلغوا من منزلة في الإيمان، فهو حينما يطلب منه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ دعاءً يدعو به في صلاته، يعلمه أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنـك أنــــت الغفـور الرحيم)(15). ويرشدهم أيضاً إلى إظهـار الحاجـة إلى الله، وطلب العـون منه دومــــاً، فيقـول لمعـاذ ـ رضي الله عنه ـ: (يا معاذ! والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، يا معاذ! لا تدعنّ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)(16).

نعم إنه يعلِّم ذلك صفوة الأمة، وخيرة أصحابه، ولكنه تعليم للأمة كلها على الصحيح. ثم تأتي ثمرة هذه التربية متجسدة في مواقف خيرة سلف الأمة:

- فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يقول: (وددت أني شجرة تعضد).

- وعمر يسأل حذيفة - رضي الله عنهما - : هل سمّاني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المنافقين؟
وحينما طُعِنَ وهو خليفة، وجعل يألم، قال له ابن عباس مواسياً: (يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحسنت صحبته، ثم فارقته، وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت صَحبتهم فأحسنت صُحبتهم، ولئن فارقتهم، لتفارقنهم وهم عنك راضون). فلم يأخذ عمر بكل هذا الثناء ولا أحس بالعجب والخيلاء، بل أسند ذلك إلى فضل الله ومنته، فقال: (أما ما ذكرت من صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورضاه: فإنما ذاك منّ مِنَ الله - تعالى - منّ به عليّ، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك منّ مِنَ الله ـ جلّ ذكره ـ منّ به عليّ، وأما ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله - عز وجل - قبل أن أراه)(17).
- وعائشة - رضي الله عنها - لَمّا نزلت براءتها في حادثة الإفك قالت: (والله ما كنت أظن أن يُنزَل في شأني وحيٌ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم فيّ بأمر، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها) (18).
- وهذا مطرِّف بن عبد الله - رحمه الله -يقول: (لأن أبيت نائماً، وأصبح نادماً، أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً) (19).
ولم يكن هذا حال هؤلاء فحسب، لكنها صفة راسخة من صفات المؤمنين الصادقين، الذين وصفهم الله - عز وجل - بقوله: ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) [المؤمنون: 60]. وقد سألت عائشةُ - رضي الله عنها - النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية، فقالت: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال: (لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات)(20).

الفرق بين العجب بالعمل والفرح بالخير والطاعة: كما أن العجب بالعمـل يـورث التـواكل والتكاسـل، فإن احتقار العمـل إذا لم ينضبط فإنه يورث أثراً مشابهاً وهو: الإحباط والملل والسآمة؛ لذا كان للعبد أن يفرح بالحسنة، ويغتبط بالطاعة، بل إن هذا دليل الإيمان، قال: (من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن)(21).

ولكـن الواجب عليه في هذا الفـرح: أن يكون مستشعراً فضل الله - عز وجل - ومنته ورحمته وتوفيقه، مثنياً عليه بذلك، لا يرى لنفسه في الانبعاث لذلك العمل أثراً يعوّل عليه؛ إذ إن الذي منـح القـدرة والهداية هو الله - عز وجل - قال - عز وجل - : ((قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)) [يونس: 58].

وأعظم ذلك الفضل نعمة الإسلام والتوفيق للطاعة، (وإنما أمر - تعالى - بالفرح بفضله ورحمته؛ لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله - تعالى - وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان، الداعي للازدياد منهما، وهذا فرح محمود) (22) بخلاف الفرح المذموم المقترن باستحضار جهد النفس في العمل، الداعي إلى العجب والغرور؛ وهذا كالفرق بين الفخر بالنعم والتحدث بها (23).

من العجب إلى الغرور: يتعلق المعجب بالنعم التي يعيشها، والأعمال الصالحة التي يؤديها، ثم يمتد إعجابه ليشمل صوراً من شدة الإعجاب (الغرور)، ومنها:

أ - تنقّص أعمال الآخرين، وازدراؤها، ورؤيتها دون أعماله(24).

ب - ادعاء أمور وهمية، وتضخيم بعض القضايا ـ يظنها كبيرة، وليست كذلك ـ، كمن يعتبر نفسه داعية كبيراً؛ لكونه يحسن التحدث والكلام. أو يرى نفسه عالماً فقيهاً ويتجرأ غروراً بما عنده من نتفِ علم، أو يعد نفسه مؤهلاً للقيادة، ـ لم تُعرَف مكانته ـ، ونحو ذلك. وكثير من هذه الصور وما شاكلها داخل في دائرة التزوير، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: (المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبَيْ زورٍ) (25).

ج - العجب بأمور باطلة يظنها حقاً، كغرور العلماء والعباد والمتصوفة والأغنياء بأجزاء من الدين، يحسبونها الدين كله، ويبنون عليها الرجاء، فمن العلماء من أحكم العلم وترك العمل، ومنهم من أحكم العلم والعمل وترك الاهتمام بالقلوب، ومنهم من اشتغل بوعظ الناس وتعليمهم وأهمل حاله، ومنهم من اشتغل بعلوم الآلة وأعرض من معاني الشريعة، ومنهم من كان حظه من العلم الحفظ بلا فهم ولا عمل... ومن العبّاد من غلا وتنطع، ومنهم من وسوس، ومنهم من أفرط في مراعاة أعمال الظاهر وأهمل أعمال القلوب، ومنهم من حرص على النوافل على حساب الفرائض... ومن المتصوفة من اغتر بالزي وترك المجاهدة ومراقبة القلوب، ومنهم من ادعى علم المعرفة والقلوب، وازدرى علماء الشريعة، ومنهم من ادّعى حسن الخلق وتصدر لخدمة الزهّاد طلباً للرئاسة... ومن الأغنياء من حرص على ما يخلد ذكره من أعمال الخير الظاهرة، كبناء المساجد ونحوها، ورفضوا ما سواها من أعمال البر الأخرى، ومنهم من ينفق على الفقير الذي ينفعه، ويشكر له معروفه، دون غيره، فهو يرجو الجزاء الدنيوي على نفقته، ومنهم من يضيق صدره بالزكاة ويخرجها من سيئ ماله...

وفي كل هذه الأحوال تجد أن نفوس أصحابها تسكن إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع، عن شبهة أو خدعة من الشيطان، وترجو بذلك الخير، وتظن غرورها رجاءً محموداً، غير أن الرجاء المحمود هو ما كان على وجهين:

1- رجاء العاصي التائب؛ الذي يمنعه من القنوط.

2- رجاء الفاتر عن النوافل؛ الذي يبعث فيه النشاط، ويمنعه من الفتور.

فكل رجاء حث على توبة أو تشمير فهو محمود، وكل رجاء أوجب فتوراً وركوناً إلى البطالة فهو غرور(26).

والغرور في أسبابه وعلاجه كالعجب، وله من المظاهر والآثار ما للعجب غالباً.

ويل للمعجب من الكبر: الكبر كما عرفه النبي: (بطر الحق، وغمط الناس) أي رد الحق، أو رفض قبوله، واحتقار الناس وازدراؤهم، وتنقّصهم. وحريّ بمن انتفش في نفسه، وأُعجب بعلمه أو عمله أن لا يحتقر علوم الآخرين وأعمالهم وجهودهم، ويقوده ذلك إلى احتقار ذواتهم وأشخاصهم، ورؤية نفسه فوقهم، فيقع في الكبر. وهذا يعني أنه سيرد ما لديهم من الحق؛ لأنه تنقّصهم واحتقر ما لديهم؛ سواء عرف أنه الحق، أم لم يعرف؛ إذ لا اهتمام له أصلاً بالنظر فيما لديهم لتمييز ما فيه من حق وباطل.

فالكبر مرض قلبي من أكثر الأمراض فتكاً بصاحبه، ومن علاماته الظاهرة(27): إظهار الترفع على الناس، وحب التصدر في المجالس، والتبختر والاختيال في المشي، والتقعر في الحديث، والاشمئزاز عن أن يرد عليه كلامه، وإن كان باطلاً، والاستخفاف بضعفة المسلمين، والافتخار بالآباء والنسب، والحرص على المدح والتعظيم ومحبة أن يسعى إليه الناس، ولا يسعى إليهم، وأن يقوموا له، ومحبة التقدم على الغير في المشية والجلسة، وإسبال الثياب خيلاء.

وينبـغـي أن يكــون الدعاة أكثر حذراً من الكبر؛ نظراً لكثرة مداخله عليهم من جهة العلم والعبادة والدعوة والتصدر للإصلاح؛ فهم أحوج الناس إلى التذكير(28).

ولا عجب؛ إذ قـــص الله علينا قصة زعيم المتكبرين إبليس الذي أوصله كبره إلى الطرد من رحمة الله، كما حـكــى قـصـة قارون الذي كانت نهاية تكبره خسف الأرض به. وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الذي أكــل بشـمـالــه تكبراً، فشُلّت يده أو يبست فما رفعها إلى فمه بعدها (29).

وأبلغُ ما يعظ كتابُ الله - عز وجل - ، فقد بين الله أنه لم يـجـعــــــل للمتكبرين نصيباً في الآخرة فقال: ((تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُواً فِـي الأَرْضِ وَلا فَــسَـــاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [القصص: 83]. وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى في حـق الـمـتـكبر فقال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)(30). كما بين أنه لا يحــب المختالين المتكبرين، فقال: ((وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) [لقمان: 18]، وأن المتكبر يطمس الله قلبه فلا يبصر الحق فـقـــــال: ((كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)) (غافر: 35)، وإنما استحق هذا الجزاء؛ لأنه نازع الله ـ - عز وجل - ـ في صفة من صفات الكمال، كما في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقيته في النار)(31).

وتتوالى أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - تحذيراً من الكبر والخيلاء، ومنها: (من تعظّم في نفسه واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان)(32).

وللتحرز من الكبر ومدافعته: يجب استشعار نعم الله، وإمكـانية زوالها إذا لم تشكر، وأن ما لم يحصل عليه الإنسان مما عند الناس أضعاف ما عنده، فـلِمَ التكبر؟! كما يجب أولاً وأخيراً: السعي في تقوية الإيمان؛ فإن ضعفه سبب المهالك.

فالواجب: تلمس عيوب النفس وأمراض القلوب، وآفات الأعـمــــال، والسعي الحثيث في علاجها، على نحو الوسائل المتقدمة وغيرها. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

------------
الهوامش:
(1) انظر آفات على الطريق، د. السيد محمد نوح، ج1، ص 117، وانظر بعدها، فقد استفدت منه في مواضع من هذا الموضوع.
(2) سير أعلام النبلاء، ج8، ص 407.
(3) انظر: عقبات في طريق الدعاة، عبد الله علوان، 1/64، 65.
(4) سير أعلام النبلاء، ج1، ص 407.
(5) حسنه الألباني في صحيح الجامع، ح/3045.
(6) أخرجه ابن عدي 1/146، وغيره، وحسنه الألباني في الصحيحين، ح/658.
(7) مختصر منهاج القاصدين، ص 234.
(8) رواه مسلم، ح/2088، معنى (بتجلجل): يغوص، ومعنى (جمته): ما سقط على المنكبين من شعر الرأس.
(9) انظر الآداب الشرعية لابن مفلح، ج1، ص 158.
(10) انظر: تهذيب موعظة المؤمنين، ص 345، 346.
(11) سير أعلام النبلاء، ج 10، ص 42.
(12) سير، ج6، ص 10.
(13) رواه مسلم، ح/2654.
(14) رواه البخاري، ح/1130.
(15) رواه البخاري، ح/834.
(16) رواه أبو داود، وانظر صحيح سنن أبي داود، ح/1347.
(17) رواه البخاري، ح/3692.
(18) رواه البخاري، ح/2661، ومسلم، ح/2770، واللفظ له.
(19) السير، ج 4، ص 190.
(20) رواه الترمذي، ح/3175، وانظر السلسلة الصحيحة، ج 1، ص 255.
(21) رواه أحمد، ج 1، ص 18، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح/ 6294.
(22) تفسير السعدي، ص 234.
(23) انظر: الروح، لابن القيم، ص 551.
(24) انظر: آفات على الطريق، ج 1، ص 141، وما بعدها.
(25) رواه مسلم، ح/2129. وانظر عقبات في طريق الدعاة، عبد الله علوان، ج 1، 69.
(26) انظر: موعظة المؤمنين، للقاسمي، ص 299 ـ 311.
(27) انظر: تهذيب موعظة المؤمنين، ص 354، وما بعدها.
(28) انظر: عقبات، علوان، ج 1، ص 79.
(29) رواه مسلم، ح/2021.
(30) رواه مسلم، ح/91.
(31) رواه مسلم، ح/2620، وابن ماجه، ح/4175، واللفظ له.
(32) رواه أحمد، ج 2، ص 118، وانظر: صحيح الجامع.



    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 13-10-2007, 10:17 AM   #2
معلومات العضو
( أم عبد الرحمن )
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم
جزاكم الله خيرا مشرفنا الفاضل بوراشد على طرح هذا الموضوع الهام
وحتى تكتمل الفائدة اسمح لى بهذه الزيادات :


العجب : أسبابه - مظاهره - علاجه

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد ..
فإن العُجب من الآفات الخطيرة التي تصيب كثيراً من الناس ، فتصرفهم عن شكر الخالق إلى شكر أنفسهم ، وعن الثناء على الله بما يستحق إلى الثناء على أنفسهم بما لا يستحقون ، وعن التواضع للخالق والانكسار بين يديه إلى التكبر والغرور والإدلال بالأعمال ، وعن احترام الناس ومعرفة منازلهم إلى احتقارهم وجحد حقوقهم .
حدُّ العُجب
والعجب هو الزهو بالنفس ، واستعظام الأعمال والركون إليها ، وإضافتها إلى النفس مع نسيان إضافتها إلى المُنعم سبحانه وتعالى .
مساوئ العُجب
من مساوئ العجب أنه يحبط الأعمال الصالحة ، ويخفي المحاسن ، ويكسب المذام .

قال الماوردي : (( وأما الإعجاب فيخفي المحاسن ، ويظهر المساوئ ، ويكسب المذام ، ويصد عن الفضائل .. وليس إلى ما يكسبه الكبر من المقت حد ، ولا إلى ما ينتهي إليه العجب من الجهل غاية ، حتى إنه ليطفئ من المحاسن ما انتشر ، ويسلب من الفضائل ما اشتهر ، وناهيك بسيئة تحبط كل حسنة ، وبمذمة تهدم كل فضيلة ، مع ما يثيره من حنق ، ويكسبه من حقد )) .
حكم العُجب
العجب محرم ؛ لأنه نوع من الشرك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب ، فالرياء من باب الإشراك بالخلق ، العجب من باب الإشراك بالنفس ، وهذا حال المستكبر ، فالمرائي لا يحقق قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ ** والمعجب لا يحقق قوله :** وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ** فمن حقق قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ ** خرج عن الرياء ومن حقق قوله : ** وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ** خرج عن الإعجاب )).

وقال أبو حامد الغزالي رحمه الله : (( اعلم أ، العجب مذموم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : ** كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا **[ 25: سورة التوبة] . ذكر ذلك في معرض الإنكار . وقال عز وجل ** وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا **[2 : سورة الحشر ] فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم . وقال تعالى ** وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا**[ 104: سورة الكهف] وهذا أيضاً يرجع إلى العجب بالعمل ، وقد يعجب الإنسان بالعمل وهو مخطئ فيه ، كما يعجب بعمل هو مصيب فيه .

وقال صلى الله عليه وسلم (( ثلاث مهلكات : شحُّ مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه )). [ أخرجه البيهقي وحسنه الألباني ] .

ومن السنة النبوية كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( بينما رجل يمشي في حلةٍ تعجب نفسه ، مرجل جمته ، إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة )) [ متفق عليه ] .

جاء في الفتح لابن حجر : قال القرطبي : [ إعجاب المرء بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال ، مع نسيان نعمة الله ، فإن احتقر غيره مع ذلك فهو الكبر المذموم .

وقوله : (( إذ خسف الله به )) يدل على سرعة وقوع ذلك به . وقوله : (( فهو يتجلجل إلى يوم القيامة )) وفي رواية الربيع عند مسلم : (( فهو يتجلجل في الأرض حتى تقوم الساعة )) .

قال ابن فارس : التجلجل : أي يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ، ويندفع من شق إلى شق ، فالمعنى يتجلجل في الأرض أي ينزل فيها مضطرباً متدافعاً )) .

ومن الأدلة كذلك على ذم العجب حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ، فعن أبي أمية الشعباني قال : أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟ قال : أيّةُ آية؟ قال : قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ** [105: سورة المائدة].

قال أبو ثعلبة : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( بل ائتمروا بينكم بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شَّحاً مطاعاً ، وهوىً متبعاً ، ودنيا مؤثَرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ودع العوامَّ ، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كالقبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم )) [ رواه الترمذي وقال : حسن غريب وضعفه الألباني ] .
من أقوال السلف في ذم العجب
1- قال ابن مسعود رضي الله عنه : الهلاك في اثنين : القنوط والعجب .

قال أبو حامد : وإنما جمع بينهما ؛ لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمير ، والقانط لا يسعى ولا يطلب ، والمعجب يعتقد أنه قد سعد وقد ظفر بمراده فلا يسعى .

2- وقال مطرف : لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً .

3- وكان بشر بن منصور من الذين إذا رءُوا ذُكِرَ الله تعالى والدار الآخرة ، لمواظبته على العبادة ، فأطال الصلاة يوماً ، ورجل خلفه ينتظر ، ففطن له بشر ، فلما انصرف عن الصلاة قال له : لا يعجبنك ما رأيت مني ، فإن إبليس لعنه الله قد عبد الله مع الملائكة مدة طويلة ، ثم صار إلى ما صار إليه .

4- وقيل لعائشة رضي الله عنها : متى يكون الرجل مسيئاً ؟ قالت : إذا ظن أنه محسن .

5- وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الإعجاب ضدّ الصواب ، وآفة الألباب .

6- وقال بزدجمهر : النعمة التي لا يحسد صاحبها عليها التواضع ، والبلاء الذي لا يرحم صاحبه منه : العجب .
بين العُجب والكفر
وربما طغت آفة العجب على المرء حتى وصل به الحدّ إلى الكفر والخروج من ملة الإسلام ، كما هو الحال مع إبليس اللعين ، حيث أعجب بأصله وعبادته ، ودفعه ذلك إلى الكبر وعصيان أمر الرب تعالى بالسجود لآدم عليه السلام .

وحكى عمر بن حفص قال : قيل للحجاج : كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال : خير منزل ، لو كان الله بلغني قتل أربعة ، فتقربت إليه بدمائهم . قيل : ومن هم ؟ قال : مقاتل بن مسمع وليّ سجستان ، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال ، فما عُزل دخل مسجد البصرة ، فبسط له الناس أرديتهم ، فمشى عليها ، وقال لرجل يماشيه {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ** [61: سورة الصافات] .

وعبد الله بن زياد بن ظبيان التميمي ، خوّف أهل البصرة أمراً فخطب خطبة أوجز فيها ، فنادى الناس من المسجد : أكثر الله فينا مثلك . فقال : لقد كلفتم الله شططاً !!

ومعبد بن زرارة ؛ كان ذات يوم جالساً في الطريق ، فمرت به امرأة فقالت له : يا عبد الله ! كيف الطريق إلى موضع كذا ؟ فقال : ياهناه ! مثلي يكون من عبيد الله ؟!!

وأبو سمّال الأسدي أضل الله راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها فقال : والله إن لم يَرُد إليًّ راحلتي لا صليت له صلاة أبداً ، فالتمسها الناس فوجدوها ، فقالوا له : قد ردًّ الله عليك راحلتك فصلِّ ، فقال : إن يميني يمين مُصِرِّ !!

قال الماوردي : فانظر إلى هؤلاء كيف أفضى بهم العجب إلى حمق صاروا به نكالاً في الأولين ، ومثلاً في الآخرين ، ولو تصور المعجب والمتكبر ما فطر عليه من جِبِلّة ، وبُلي به من مهنة لخفض جناحه لنفسه ، واستبدل ليناً من عُتوه ، وسكوناً من نفوره ، وقال الأحنف بن قيس : عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ؟!
يا مظهرَ الكبر عجاباً بصورته *** انظر خلاك فإن النتن تثريب
لو فكر الناس فيما في بطونهم *** ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
هل في ابن آدم مثل الرأٍس مكرُمةً *** وهو بخمس من الأقذار مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سهك *** والعين مرفضة الثغر ملعوب
يابن التراب ومأكول التراب غداً *** أقصر فإنك مأكول ومشروب
علاقة العجب بالكبر والإدلال
قال ابن قدامة : اعلم أن العجب يدعو إلى الكبر ، لأنه أحد أسبابه ، فيتولد من العجب الكبر ، ومن الكبر الآفات الكثيرة وهذا مع الخلق .

فأما مع الخالق فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها فكأنه يمنّ على الله تعالى بفعلها ، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها ، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها ، وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها ، دون من رضيها وأعجب بها .

وقال أبو حامد : والإدلال وراء العجب ، فلا مدلّ إلا وهو معجب ، وربّ معجب لا يدلّ ، إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة ، دون توقع جزاء عليه ، والإدلال لا يتم إلا مع توقع الجزاء ، فإذا توقع إجابة دعوته ، واستنكر ردها بباطنه ، وتعجب منه كان مدلاًّ بعلمه ، لأنه لا يتعجب من رد دعاء الفاسق ، ويتعجب من ردّ دعاء نفسه لذلك ، فهذا هو العجب والإدلال وهو من مقدمات الكبر وأسبابه .
أسباب العجب
1- الجهل ، والغريب أن بعض الناس يعجب بعمله ومعرفته لمسائل الخلاف وأقوال العلماء ، ولو علم أن إعجابه بعلمه يدل على جهله لما كان من المعجبين بأنفسهم ، قال أبو حامد : وعلّة العجب : الجهل المحض ، فعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل فقط .
2- قلة الورع والتقوى .
3- ضعف المراقبة لله عز وجل .
4- قلّة الناصح .
5- سوء النية وخبث المطية .
6- إطراء الناس للشخص وكثرة ثنائهم عليه مما يعين عليه الشيطان .
7- الافتتان بالدنيا وتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء .
8- قلة الفكر ؛ لأنه لو تفكر لعلم أن كل نعمة عنده هي من الله .
9- قلة الشكر لله عز وجل .
10- كثرة الذكر لله عز وجل .
11- عدم تدبر القرآن والسنة النبوية .
12- الأمن من مكر الله عز وجل والركون إلى عفوه ومغفرته .
مظاهر العجب
مظاهر العجب كثيرة منها :
1- رد الحق واحتقار الناس .
2- تصعير الخد .
3- عدم استشارة العقلاء والفضلاء .
4- الاختيال في المشي .
5- استعظام الطاعة واستكثارها .
6- التفاخر بالعلم والمباهاة به .
7- الغمز واللمز .
8- التفاخر بالحسب والنسب وجمال الخِلقة .
9- تعمد مخالفة الناس ترفعاً .
10- التقليل من شأن العلماء الأتقياء .
11- مدح النفس .
12- نسيان الذنوب واستقلالها .
13- توقع الجزاء الحسن والمغفرة وإجابة الدعاء دائماً .
14- الإصرار على الخطأ .
15- الفتور عن الطاعة لظنه أنه قد وصل إلى حد الكمال .
16- احتقار العصاة والفساق .
17- التصدر قبل التأهل .
18- قلة الإصغاء إلى أهل العلم .
مجالات العجب وعلاجه
ذكر أبو حامد أن العجب يكون بثمانية أمور وذكر علاج كل واحد منها :
الأول : أن يعجب ببدنه :
في جماله وهيئته وصحته وقوته ، وتناسب أشكاله وحسن حورته وحسن صوته ، فيلتفت إلى جمال نفسه ، وينسى أنه نعمة من الله تعالى ، وهو معرض للزوال في كل حال . .
وعلاجه : هو التفكر في أقذار بطنه في أول أمره ، وفي آخره ، وفي الوجوه الجميلة والأجسام الناعمة كيف أنها تمزقت في التراب وأنتنت القبور ، حتى استقذرها الطباع .

الثاني : العجب بالبطش والقوة :
كما حكي عن قوم عادٍ أنهم قالوا ** مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ** [15: سورة فصلت].
وعلاجه :أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ، ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه يوسوس ويجن بحيث يُضحك منه ، فلا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب به ، ولم يقم بشكره ، وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا ، وأن ما جهله أكثر مما عرفه .

الرابع : العجب بالنسب الشريف :
حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ونجاة آبائه وأنه مغفور له ، ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موالٍ وعبيد !
وعلاجه : أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظنّ أنه ملحق بهم فقد جهل ، وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب ، بل الخوف والازدراء على النفس ومذمتها ، ولقد شرفوا بالطاعة العلم والخصال الحميدة لا بالنسب ، فليتشرف بما شرفوا به .

ولقد ساواهم في النسب وشاركهم في القبائل من لم يؤمن بالله واليوم الآخر ، وكانوا عند الله شرًّا من الكلاب وأخسَّ من الخنازير ، ولذلك يبين الله تعالى أن الشرف بالتقوى لا بالنسب ، فقال{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ** [13: سورة الحجرات] .

الخامس : العجب بنسب السلاطين الظلمة وأعوانهم دون نسب الدين والعلم ، وهذا غاية الجهل .
وعلاجه : أن يتفكر في مخازيهم وما جرى لهم من الظلم على عباد الله والفساد في دين الله ، وأنهم الممقوتون عند الله تعالى، ولو نظر إلى صورهم في النار وأنتانهم وأقذارهم لاستنكف منهم ، ولتبرأ من الانتساب إليهم ..

السادس : العجب بكثرة العدد :
من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب والأنصار والأتباع ، كما قال الكفار : {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا ** [35: سورة سبأ] .
وعلاجه : أن يتفكر في ضعفه وضعفهم ، وأن كلهم عبيد عجزة ، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا ، ثم كيف يعجب بهم وأنهم سيتفرقون عنه إذا مات ، فيدفن في قبره ذليلاً مهيناً وحده لا يرافقه أهلٌ ولا ولد ولا قريبٌ ولا حميمٌ ولا عشير ٌ .

السابع : العجب المال :
كما قال تعالى إخباراً عن صاحب الجنتين ** أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا** [34: سورة الكهف] .
وعلاجه : أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه وعظيم غوائله ، وينظر إلى فضيلة الفقراء وسبقهم إلى الجنة يوم القيامة ، وإلى أن المال غادٍ ورائح ولا أصل له ، وإلى أن في اليهود من يزيد عليه في المال ، وإلى قوله صلى الله عليه وسلم (( بينما رجل يتبختر في حلةٍ له ، قد أعجبته نفسه إذا خسف الله به ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة )) [متفق عليه] . وأشار به إلى عقوبة إعجابه بماله ونفسه .

الثامن : العجب بالرأي الخطأ :
قال تعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ** [8: سورة فاطر] . وقال تعالى : ** وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا** [104: سورة الكهف] . وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم .
وعلاجه : أن يكون متَّهماً لرأيه أبداً لا يغترُّ به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلة ، فإن خاض في الأهواء والبدع والتعصب في العقائد هلك من حيث لا يشعر .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
إعداد القسم العلمي بدار الوطن

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 27-03-2009, 04:32 AM   #4
معلومات العضو
لقاء
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خيراً أخي الفاضل بوراشد

على هذا الموضوع القيم ...جعله الله في ميزان حسناتك..

جزاك الله خيراً أختي الفاضلة أم عبد الرحمن على إضافتك القيمة ...

وفقكم الله لما يحبه ويرضاه

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 05:41 AM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.