موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > المنبر الإسلامي العام

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 20-08-2006, 08:08 AM   #1
معلومات العضو
محب السلف

افتراضي الدِّين قِشرٌ وَلُبــابٌ

الدِّين قِشرٌ وَلُبــابٌ



كلمةٌ جَرَت بها ألسنةُ مشاهير الدُّعاة، وردَّدتها حناجرُ الخطباء، وتناقلتها -في الكتب والرَّسائل- أقلامُ المفكِّرين والعلماء (!) وما كانت لتكون من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، لو أنَّهم لم يكونوا ينقمون على إخوان لهم تجمعهم بهم كلمةُ التَّوحيد، التي لا يَختلِفُ على معناها، ولا يَضِلُّه ولا يَهيدُهُ، إلاَّ من طمس الله على قلبه، وغشاه بظُلمةِ الباطل، وأخنى عليه بِشِقوَتِهِ.

هؤلاء الإخوان لا يُفرِّقون في أخذهم الكتابَ والسُّـنَّة، بين الواجب وبين المندوب في العمل، ولا بين المكروه وبين الحرام في التَّرك، مُمْتَثلين في ذلك قولَ الله سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا** [سورة البقرة: آية 286]، وقول نبيِّهم صلى الله عليه وسلم: «... فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاتركوه»([1]) فهل في قول الله وقول نبيِّه هذين ما يبيح أو يأذن لنا أن نقول: إنَّ في الدِّين قشراً ولباباً؟

إنَّها مقولةٌ رابيةٌ بالشر، مترَعةٌ بالجهل، عاقدةُ خِنصرَها على سوءٍ ومكر.

ولكي يَزداد هذا المَبحث بياناً ووضوحاً أقولُ:

إنَّ الأُمَّة التي لا تعرف قَدْرَ نفسها هي التي تجعل من مقوِّماتها الموروثة حقلاً للتَّجارب، تعبث به العقول والأقلام، لينتهي الأمر إلى التَّفريط فيها، إمَّا بتغييرها، وإما بسلخها عن ماضيها، حتى إنَّ النَّاظر إليها ليكادُ يظنُّها -وهي أشياء متناثرة مقطَّعة- بعضاً من أجزاء الأرض التي لا قيمة لها، تمتدُّ إليها يد الإنسان لإزالتها وإخفائها.

والأُمَّة المسلمة أغنَت نفسها في الماضي بولائها لدينها -وهو أعظم مقوِّمات وجودها- والتصاقها بعقيدتها، وإسباغها على نفسها ثوبَ الإيمان الذي صنعه لها نبيُّها صلى الله عليه وسلم بوحي من ربِّه، وألبَسها إيَّاه لتكون أُمَّةً ممتازَةً من سواها من الأُمَم.

ولَقد ظلَّت الأُمَّة المسلمة قويَّة في نفسها، قادرةً على العطاء قروناً طويلة رغمَ ما اعتراها من ضعفٍ في فتراتٍ متقطِّعةٍ من تاريخها، كان دينها يُقصي عنها هذا الضَّعف، وتمضي به إلى غايتها تشيدُ المجد والعزَّة لنفسها والأمن والسَّعادة لغيرها.

فلمَّا أن خالفت الأُمَّة عن دينها، ونزعت ثوب إيمانها، وأزهقت الميراث الذي آل إليها من السَّابقين الأوَّلين، لم تعد قادرة -ليس على العطاء- بل على التَّماسك والثَّبات في و جه رياح الفكر التي تهبُّ عليها بين الحين والآخرَ من كلِّ الآفاق والأقطار، تنزعها من بقايا مقوِّماتها التي صارت تشبه الأحلام المختلطة، وتحكي الرُّؤى الواهمة، حتى إنَّ الأجيال القادمة سوف لا تراها -لا أحلاماً مختلطة، ولا رُؤىً واهمة- بل ستكون في أعينها سراباً مضطرباً بِقيعةٍ، يُقطِّع أنفاسها، ولا تدرك منه ريَّاً لظمئها.

وتذكيراً منِّي لشبابِ الإسلام وشيوخه، وعلمائه ودعاته، وأوليائه وأعدائه معاً، أودُّ أن أذكِّرهم بحقيقة من الحقائق الكلِّية الكُبرى التي وضعها لنا نبيُّنا مُحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردّ»([2])، ولقد رأينا الكثيرين اليوم يُقصي هذه الحقيقة عمداً أو غفلةً وجهلاً، أو أنَّهُ لينساها، حتى لكأنَّ قائلها ليسَ النَّبيَّ المعصوم صلى الله عليه وسلم، فصارَت تُحدِث أشياء، وتغيِّر أشياء، وتقدم وتؤخر أشياء وأشياء، فكانوا بذلك كأهل الكتاب، الذين قال القرآن فيهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً** [سورة البقرة: آية 79].

بعد هذا البيانِ أقولُ:

إنَّ ممَّا أحدث النَّاسُ في زماننا هذا مقولةً واسعةَ الأرجاء، ممتدَّةَ الأطراف، ليس لها بدايةٌ، ولا تُعرفُ لها نهايةٌ، زيَّنها في أعينهم العجزُ والجهلُ والهَوى جميعاً، تلكم هي: «على المسلمين اليوم أن يَدَعوا القشور ويهتمُّوا باللباب»!! أو بعبارةٍ أخرى: «أن يأخذوا المضمون ويتركوا الشكل»!! وصارت هذه المقولة شعاراً له أنصارٌ ودعاةٌ وأقلامٌ وصُحف ومناهج وعقول.

وبالرُّغم من كلِّ هذا الحشد الذي التفَّ حول هذا الشعار، فإنَّنا لم نجد حتى الآن ترجمةً واضحَةً له، أو تحديداً دقيقاً لمعناه، لذا: فإنَّني أجدني مُلْجَأً أن أُناقض هذه المقولة مُناقضةً علميَّةً، مطَّرحاً جانباً الحماسة العاطفيَّة، والانفعالاتِ الوُجدانيَّة، والسَّورات النَّفسيَّة، في فقرات متتابعَة آخذٍ بعضها ببعض.

أوَّلاً: إنَّ القائلين بهذه المقولة الحادثة، رغم تأكيدهم عليها، والإكثار من الحديث عنها، فإنَّهم لم يضعوا تعريفاً أو حدَّاً لما سمَّوه قشراً، أو لما يُسمَّى لباباً ينتهي إليه الرَّاغب في العمل باللباب وحده دون القشر، ولا أحسبهم واضعين، وهل من الحكمة أن يدعوَ واحدٌ أو جماعةٌ لشيءٍ ثمَّ لا يكونوا على بيِّنةٍ منه؟

ثمَّ كيف يستطيعُ هؤلاء أن يدْعوا غيرهم إلى شيءٍ وهم غير قادرين على تعريفه أو بيان حدِّهِ؟ أو لِنقُل: لم يَضعوا لهُ تعريفاً ولا حدَّاً حتى الآن، وقديماً قيل: «الحُكم على الشيءِ فرعُ من تصوُّره»، وإنَّ دعوتهم إلى هذه المقولة الحادثة، لا يمكن أن تصادف قبولاً في عقول النَّاس إذا كانوا هم أنفُسهم غيرَ قادرين على الحكم على ما يدعون إليه.

هذا إن كانوا قادرين أيضاً على الإحاطة به تصوُّراً في أنفسهم أوَّلاً، أمَّا وهم غير قادرين على ذلك، فمن الخير والأجدى أن يصمتوا وأن يمسكوا عن مواصلة الحديث في هذه المقولة.

ثانياً: إذا كانَ الدَّاعون إلى هذه المقولة لم يضعوا لها تعريفاً ولم يرسموا لها حدَّاً، فلنضع نحن لها تعريفاً تقريبيَّاً -كما يُقال- ثمَّ لنَنظر، هَل يقوى هذا التَّعريف على الثَّبات أمام النَّظر العلمي المحض بما نورده في الفقرات الآتية، أو أنَّه لا يثبت. لنقل: «اللباب في المأمورات الشرعيَّة هو ما يدخل تحت الحكم الواجب، والقشر هو ما جاوز دائرة الحكم الواجب، أمَّا اللباب في النَّواهي فهو ما يدخل تحت الحكم الحرام، والقشر هو ما لم يتناوله الحرام الصَّريح في النَّواهي»، وعلى ذلك فالقشور في المأمورات: كلُّ مندوبٍ أو مُباحٍ، وفي النَّواهي المكروهات، وبذلك فإنَّه يجتمعُ لدينا من القشور ما يزيدُ على نصف الدِّين، ويبقى لنا من لبابه اقلُّ من النِّصف، فهل من الوَرع في الدِّين، أن ندع لعذر لا يُدرى مأتاه -إلا من جهل أو هوى أو غفلة- أكثر من نصف الدِّين قشوراً، لنأخذ أقلَّ من نصفه لباباً؟

ثالثاً: نسأل هؤلاء المفرِّقين في الدِّين بين القشر وبين اللباب إذا اتَّفقوا معنا على التَّعريف الذي أسلفنا، أين يضعون بعض المسائل المختلف عليها بين الواجب والمندوب أو بين الحرام والمكروه؟ حسب التَّعريف الذي وضعناه لكلٍّ من اللباب والقشر، ففي الأوامر نأخذ مثلاً صلاة الوتر، فهي عند أبي حنيفة رحمه الله واجب يأثم تاركه، وعند جماهير العلماء -ومنهم الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله- سنَّة لا يَأثم تاركها ويُثاب فاعلها، ففي إيِّهما نضع صلاة الوتر، أفي القشر أم في اللباب؟

وفي النَّواهي نأخذ مثلاً شارب المسكر «من غير العنب»، فإنَّه لا يُجلد عند أبي حنيفة إلاَّ إذا سكرَ وثَمِلَ، وعند الجمهور يجلد لمجرَّد شربه، وسواءٌ أكانَ المُسكر من عنب أم كانَ من غير العنب، ففي أيِّهما أيضاً نضع وجوب الجلد لشاربها أفي القشر أم في اللباب؟

وهناك أمثلة أُخرى كثيرةٌ تتعارض فيها آراءُ الفقهاء تعارضاً يجعل كلَّ رأي من الآراء المتعارضة على طرفَي نقيض مع الرَّأي الآخر، بحيث لا يمكن إسقاط هذا التَّعارض القائم بين هذه الآراء إلاَّ بالوقوف عند الدَّليل القاطع الصَّريح من كتاب الله عزَّ وجلَّ، ومن صحيح سُنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيهما النَّجاةُ كلُّ النَّجاةِ لمَن أراد النَّجاة.

رابعاً: الله سبحانهُ أنزل دينه على نبيِّه صلى الله عليه وسلم ليبني به الإنسان المسلم، فيكون به سعيداً في الدُّنيا والآخرة، ولا يخفى على ذي عقل أنَّ كلَّ أمرٍ ونهي من أوامر هذا الدِّين ونواهيه تسهم إسهاماً قوَيَّاً في بناء هذا الإنسان، سواءً أكانت من المَندوبات أم من المباحات أم من الواجبات، وسواءً أكانت من المكروهات أم من المحرَّمات، لأنَّ جميع هذه الأحكام هي شعب الإيمان التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إلهَ إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطَّريق، والحياءُ شعبة من الإيمان»([3])، فأيُّما شعبة نقصت منها كانت نقصاً من الإيمان، وأيُّما شعبة التزمها المسلم كانت زيادةً في إيمانه، لأنَّ الإيمان يزيد وينقص بالقول والعمل، وهو مذهب السَّواد الأعظم من الأُمَّة.

خامساً: يقول الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»([4]) والاستطاعة في إنفاذ الأمر إمَّا أن تكون في الفعل الواحد، كالصَّلاة مثلاً، فإذا لم يستطع المسلم أن يصلِّيها وهو قائم، وجب عليه أداؤها على الوجه الذي يستطيعه من قعودٍ أو اضطجاع أو غير ذلك.

وإمَّا أن تكون الاستطاعة في مجموع الأفعال، فقد لا يستطيع المسلم أن يصوم لمرض، في حين يكون قادراً على أداء الصَّلاة على كلِّ حال، فوجبت الصَّلاة في حقِّهِ، وسقط عنه الصِّيام إن كانَ مرضاً مُزمناً، وإلاَّ صام حين شفائه، وقد لا يقوى المسلم -لعذر من الأعذار- أن يصلِّي في المسجد، وهو مأمورٌ بأدائها فيه، فلا يقال ما دام أنَّهُ لا يستطيع أن يصلِّيها في المسجد فلا يصليِّها، بل يُقال: يفعل ما يقدر عليه، ويُعذر فيما لا يقدر عليه.

أمَّا المنهيَّات، فقد أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أمَّته أن تجتنبها كلَّها، من غير فرقِ بين واحدٍ وواحدٍ، فكما أنَّهُ نهى عن الزِّنا، فإنَّه نهى عن النَّظر المحرَّم إلى المرأة، وكما أنَّه نهى عن شرب الكثير من الخمر فإنَّه نهى عن شرب القليل منها، وكما أنَّه نهى عن سرقة المال الكثير، فإنَّه نهى عن سرقة الدِّرهم والدِّرهمين، وكما أنَّه نهى عن الكذب على الأُمَّة كلِّها، فإنَّهُ نهى عن الكذب على الرَّجل الواحد، وكما أنَّه نهى عن أن تكشف المرأة عن جميع جسدها، فإنَّه نهى أن تكشف عن صدرها أو عن ساقها أو عن أيِّ جزءٍ من بَدنها، فلا يقال هنا: يجتنب ما يستطاع اجتنابه، بل يجب اجتناب كلِّ ما نهى عنه، ولا يعفى إلاَّ عن النَّاسي أو المخطيء أو المُكْرَه.

سادساً: ما صحَّت روايته عن أبي سعيد الخُدري رضيَ الله عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

«لا يَمْنعنَّ رجلاً هيبةُ النَّاس أن يقول بحقٍّ، إذا عَلِمه أو شهِدَه أو سمعهُ»([5]) .

هذا الحديث ألمَّ بكلِّ ما يخطر بالبال من قشور ولباب، ولم يفرِّق الرَّسول صلى الله عليه وسلم فيه بين شيء وشيء، فمن رأى أمراً يُخالَفُ فيه حكمُ الشرع، ويُجانِبُ فيه فاعلهُ الحقَّ -سواء أكان قشراً أم لباباً- فحقٌّ عليه أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، فإن سكت خشية أن يتَّهمه النَّاس مثلاً بالتَّعصُّب، أو التَّزمُّت، أو الاهتمام بالسَّفاسف من الأشياء، أو مخالفة العُرف السَّائد، أو الخروج على مألوف النَّاس، أو تساهلاً وإعراضاً، أو تجنُّباً لنقد النَّاقدين، أو لئلا يقال: إنه لا يعرف حقَّ العصر، أو إنَّه خارج على مألوف النَّاس، أو غير ذلك من الأعذار التي لا تُقبل عند الله سبحانه؛ فهو آثمٌ يستحقٌّ الذَّم والعقوبة من الله، كما وصفه الرَّسول صلى الله عليه وسلم.

سابعاً: أسال المفرِّقين بين القشر وبين اللباب، هل شيءٌ من القشر لا يدخل في دائرة الأحكام الخمسة؟ ولعلَّهم لا يخطئون! إذاً فليقولوا قولاً سديداً: إنَّ اللباب والقشر جميعاً لا يخرج عن دائرة الأحكام الخمسة، وإذا كان ما قالوا صحيحاً وحقَّاً، فإنِّي أُذكرهم بمعنى الحكم الشرعي، وهو: «خطاب الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلَّفين على سبيل التَّخيير أو الطَّلب تركاً أو فعلاً»، وهل يجوز أن يسمَّى شيءٌ من أحكام الله تعالى قشراً على سبيل الاصطلاح كما افترضنا؟ أو على سبيل التَّهوين والغضِّ مجرَّداً لا لشيء إلاَّ لظنٍّ فاسد؟ لا أحسبُ أحداً يؤمنُ بالله واليومِ الآخر يُجيزُ مثلَ هذا، وهو يعلم أنَّ الله قَد أتمَّ النِّعمَة على المؤمنين، فأكمل لهم الدِّين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً** [سورة المائدة: آية 3]، فكانوا بذلك خيرَ أُمَّة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ** [سورة آل عمران: آية 110].

ثامناً: لست أقول بأنَّه لا تكون أولويَّات في الدَّعو، فلا يتقدَّم شيء على شيء، فمثلاً: إذا رُئيَ إنسانٌ يعاقر الخَمر وهو تارك للصَّلاة، فإنَّه يدعى إلى الصَّلاة أوَّلاً لأمرين اثنين:

1- أنَّ إثمَ شرب الخمر لا يبلغ إثمَ ترك الصَّلاة.

2- أنَّ فعل الصَّلاة يعين على ترك المنكر؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ** [سورة العنكبوت: آية 45]، لكن هذا ليس بمانع الدَّاعية في الوقت نفسه، إذا رأى إنساناً مُرتكباً إثمين، أن يقدِّم الأصغر على الأكبر منهما، إذا كانَ مرتكبُهما أدنى إلى الاقتناع بترك الأصغر قبل الأكبر، فالدَّاعية هو الذي يستطيع أن يحدِّد الأهم من الأمرين، أو من الأُمور جميعاً، وقد كانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مع أصحابه، فكان إذا رأى آحاداً منهم، يفعل كلُّ واحدٍ منهم شيئاً أو يترك شيئاً، لا يدعه يمر إلاَّ وأمر هذا ونهى هذا، حرصاً منه على أن ينال كلٌّ منهم الخير وإن كانَ قليلاً، وأن يعلِّم كلاٍّ منهم علماً نافعاً يحرصُ علىتبليغه النَّاسَ، فيناله فضلُ إبلاغ الدَّعوة، الذي أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم: «بلِّغوا عنِّي ولو آية، فربَّ مُبلَّع أوعى من سامع»([6])، ودعا بالرَّحمة لمَن فعله: «رحم الله امرءاً سمع مقالتي فبلَّغها كما سمعها»([7]).

ولا يقال هنا: إنَّ مجتمع الصَّحابة مختلفٌ عن مجتمع المسلمين اليوم، فكلُّ مجتمع في حاجة إلى الدِّين كلِّه؛ آدابه، ومعاملاته، وعباداته، وعقائده، وانتقاصُ أيِّ أمرٍ من هذه الأُمور هو انتقاصٌ من الدِّين والإيمان، ولا يُزيله إلاَّ الرُّجوعُ عنه، وقد أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بما سيكون من شأن الأُمَّة مع دينها، ونقضها عراه، فقال: «لتُنقَضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة، فكلَّما انتقضت عروة تشبَّث النَّاس بالتي تليها، وأوَّلُهنَّ نقضاً الحُكم، وآخرهنَّ الصَّلاة»([8]).

تاسعاً: إنَّ التَّفريط في الأمر الصَّغير يؤدِّي إلى التَّفريط في الأمر الكبير؛ لأنَّ استمرار هذا التَّفريط ينشىءُ في الإنسان عادة تنتهي به إلى التَّهاون فيما يفعل، والأمَّة كلُّها تعلم أنَّ هناك كثيراً من عرى الدِّين وأحكام الإسلام مَقصِيَّةٌ عن واقعهم، ولا يُستطاع الوصول إليها أو التَّحدُّث عنها، وبعض هذه العرى ممَّا يترتَّب عليه إقامة حكم الله في الأرض، وحماية بيضة الإسلام، فهل من الحكمة والإيمان معاً أن يَتْرُكَ الدَّاعية الدَّعوةَ إلى ما بقي مِن عرى الدِّين وأحكام الإسلام -وأغلبها ممَّا يدخل في عداد القشور بِزَعمهم- بعذر أنَّه لا يقدر على هذه أو تلك منها؟ إنَّه لقولٌ عجابٌ، وأي الأمرين يكون أحسن، أن يدع القادر على البعض، هذا البعض المقدور على فعله، البعض غير المقدور عليه أو أن يَدع غير المقدور عليه للمقدور عليه فيفعله؟‍!

عاشراً: وأخيراً؛ فإنَّ هذا التَّفريق لم يُعرف في سلف الأُمَّة من الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم بإحسان، فقد كانوا أحرص النَّاس على الاستجابة لكلِّ أمرٍ فيفعلونه، وعلى كل نهيٍ فيجتنبونه، تحقيقاً في أنفسهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، فهو أمرٌ حادثٌ، وكانوا أشد النَّاس نُفرةً من الحوادث؛ لأنَّها بدع، وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النَّار.

بل لقد بَلغَ من خوفهم من المخالفة عن الدِّين، وتحرِّيهم امتثال أحكامه، أنَّهم كانوا يَدَعون كثيراً من الحلال خشية الوقوع في بابٍ واحدٍ من أبوابِ الحرام.

لقد نشأت هذه المقولة الحادثة من خضوع العقل المسلم للثَّقافات الغريبة التي أخذت عليه أقطاره، وسدَّت عليه طرائقه التي وصلت به من قبل إلى الهدى والحق، وخير الهَدي ما استقرَّ عليه الأمر في القرون المفضَّلة الأولى التي عاشت بالإسلام كلِّه عقيدة وشريعة.

فلْيَسَعْنا ما وسع هذه القرون، وَلْنمْض في الطَّريق الذي مضوَا فيه، وليكن منهاجُنا قوله تعالى: {فَاتَّقُواْ الله مَا اسْتَطَعْتُمْ** [سورة التغابن: آية 16]، وقوله سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ...** [سورة هود: آية 112].

ولنعْلَم أنَّ من الطُّغيان -وهو مجاوزَة الحدِّ- الانتقاصَ من الدِّين في العمل، كما هو زيادّةٌ على الدِّين فيه، وقد حذَّرنا الله سبحانه من ذلك بقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ** [سورة النور: آية 63].

وكتبه : الشيخ محمد شقرة


منقول

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) سبق تخريجه.

([2]) متفق عليه عن عائشة.

([3]) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.

([4]) سبق تخريجه.

([5]) رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وأحمد بسند فيه ضعف، لكن له متابعاتٌ وطرق تقوِّيه، انظرها في «السلسلة الصحيحة» (168).

([6]) رواه البخاري عن ابن عمرو.

([7]) حديث متواتر.

([8]) رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة بسند صحيح.
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 04:22 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.