موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > الساحات العامة والقصص الواقعية > ساحة الموضوعات المتنوعة

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 31-01-2012, 03:10 AM   #1
معلومات العضو
الطاهرة المقدامة
إدارة عامة

افتراضي القلب

القلب

ناصر بن محمد الأحمد
القلب: هو المحل الذي يحصل به التعقل والتفكير والفهم، وهو الذي يحصل به العقل والتدبر والإخبات والتوكل والثقة، وما إلى ذلك من الأمور التي نجدها في قلوبنا.
وسمي القلب قلباً؛ لكثرة تقلبه، فهو كثير التقلب بالخواطر والواردات والأفكار والعقائد، ويتقلب على صاحبه في النيات والإرادات، كما أنه كثير التقلب من حال إلى حال، يتقلب من هدى إلى ضلالة، ومن إيمان إلى كفر أو نفاق، ولهذا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) [رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد].
والإنسان قد يستطيع أن يصم أذنيه فلا يسمع، وقد يستطيع أن يغمض عينيه فلا يبصر، ولكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه من الفكر في الواردات والخواطر، فهي تعرض له شاء صاحبه أم أبى، قال الله - تعالى -: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [(سورة الإسراء:36].
وما سمي القلب إلا من تقلبه *** والرأي يصرف بالإنسان أطواراً
القلب: هو محل الإيمان والتقوى، أو الكفر والنفاق والشرك.
القلب: هو ملك الجوارح، وهو كما يقول العز بن عبد السلام: مبدأ التكاليف كلها، وهو مصدرها، وصلاح الأجساد موقوف على صلاحه وفساد الأجساد موقوف على فساده، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) [رواه البخاري ومسلم].
أي: أنها إذا صلحت بالإيمان ومعرفة حقائقه ومحاسن الأحوال فإن الجسد يصلح بطاعة ربه ومولاه وبالإذعان له، وإذا فسد هذا القلب بالشرك والكفر، ومساوئ الأحوال والأعمال القلبية السيئة من الكبر والعجب والرياء وما إلى ذلك، فإن ذلك يفسد الجسد بالفسوق والعصيان، والتمرد على طاعة الله - عز وجل -، وتسخير الجوارح وتعبيدها لغير الله - تبارك وتعالى-، والتعالي على الخلق وظلمهم والإفساد في الأرض، كل ذلك يكون نتيجة طبيعية لفساد هذا القلب وتبدل أحواله.
إن الموعظة تطرق الأسماع، وتجد آثارها على الناس متفاوتة غاية التفاوت كالمطر ينـزل على الأرض، فمنها: ما يخرج ألوان النباتات والثمار والأزهار، فتغدو تلك الأرض طيبة معشبة، وأما الأرض الأخرى فهي لا تنبت كلأ، وقد لا تمسك ماء - نسأل الله العافية - وقد تمسكه لكنها لا تنتفع به.
وهكذا الناس يسمعون وحي الله - عز وجل - ويسمعون القرآن ويسمعون المواعظ، فمنهم من يتأثر، ويظهر ذلك في سمته وهديه وأخلاقه وسائر أعماله، فيثمر ذلك في قلبه خشوعاً وخضوعاً وألواناً من العبوديات، كما يثمر عملاً صالحاً في جوارحه، ومنهم من لا يظهر عليه.
الكلمات الطيبة يسمعها اثنان، فهذا يتحول إلى مؤمن صالح، والآخر يبقى على حاله، وكم من أقوام طرق أسماعهم القرآن، وسمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، فكبهم الله - عز وجل - في النار على وجوههم، وكم من أقوام سمعوا كلمة واحدة، فقلب ذلك حياتهم رأساً على عقب، فتحولت أمورهم وأحوالهم، وتبدلت شئونهم، وتركوا الملذات والشهوات التي حرمها الله - عز وجل - بسبب كلمة واحدة سمعوها، وما ذلك إلا لصلاح القلب أو فساده، فحق لهذا المحل الشريف أن يعتني به غاية العناية.
((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))، فمحل نظر الله - عز وجل - هو قلب العبد، فإذا صلح قلبه صلحت أعماله، وكان مقبولاً عند الله، وإذا كان القلب فاسداً، فلربما سجد صاحبه وركع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الدرك الأسفل من النار، كعبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين.
يخرجون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغزوات، ولربما قدموا شيئاً من أموالهم دفعاً للتهمة عنهم، أو حياءً من الناس، ومع ذلك لم تزكُ نفوسهم ولم تصلح قلوبهم ولا أعمالهم؛ لأن هذه القلوب قد انطوت على معنى سيئ أفسدها انطوت على نجاسة كبرى لا تطهرها مياه البحار، وهي الشرك بالله - عز وجل - والنفاق.
وقد كان الحسن البصري - رحمه الله - يجلس في مجلس خاص في منـزله لا يتكلم فيه عن شيء إلا في معاني الزهد والنسك والرقاق، والقضايا المتعلقة بالأعمال القلبية، فإذا سئل سؤالاً يتعلق بغيرها في ذلك المجلس تبرم، وقال: "إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر".
ولهذا ينبغي على المرء ألا يُغفِل قلبه بحجة انشغاله بالأعمال الدعوية، وينبغي أن يكون له مجالس يتذاكر فيها مع إخوانه ويرقق قلبه، ويصلح ما فسد من هذا القلب في زحمة الأشغال.
ومن أعظم الأمور التي تُصلِح القلب:
أولاً: المجاهدة: فيحتاج الإنسان إلى مجاهدة دائمة ومستمرة، وإلى مكابدة، يقول ابن المنكدر - رحمه الله - وهو من علماء التابعين: " كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي"، فصار في حال من العبودية عجيب، كان يقول: " إني لأدخل في الليل فيهولني، فينقضي وما قضيت منه أربي"، ما معنى هذا الكلام؟ يقول: إذا أقبل الليل ودخلت فيه، وبادرت فيه إلى الصلاة وخلوت بربي، لم يمض إلى شيء حتى انقضى هذا الليل، وتصرمت ساعاته ولم أشعر بذلك، ولم يحصل ما كنت أؤمله من طول المناجاة، فهي قصيرة في نظره؛ لشدة شغفه وتعلقه بذلك!.
كيف نصل إلى هذه المرحلة، ونحن إذا جلس الإمام يصلي وزاد دقيقتين لربما بدأنا نتململ؟! وبعضنا يتنحنح، وبعضنا يحرك أصابعه ويفرقعها، ولربما عاتبنا الإمام بعد ذلك!.
إننا حينما نصلي كأن الواحد منا طائر في القفص يبحث عن الحيلة كيف يتخلص، ولو كانت قلوبنا عامرة بمحبة الله والإقبال عليه، لم نشبع من صلاتنا وعبادتنا.
أي مقام هو أعظم من مقام العبد بين يدي ربه وخالقه يناجيه وينطرح بين يديه في أذل الصور التي يُعبِّدُ بها العبد نفسه ويذلل جبهته في السجود والركوع؟ وهل هناك تذلل أكثر من مناجاة الله - عز وجل - والخضوع بين يديه والجبهة على الأرض؟
ليس هناك صورة في الذل أعظم من هذه، لكننا ألفناها فما عادت تؤثر في قلوبنا، فنحن نحتاج إلى كثير من المجاهدة لإصلاح هذه القلوب، يقول أبو حفص النيسابوري - رحمه الله -: "حرست قلبي عشرين سنة، ثم حرسني عشرين سنة".
إذا استقام قلب العبد استقامت أعماله وجوارحه، فإذا جاءه الشيطان بخاطرة من الخواطر قبل أن يستقيم قلبه ويثبت على الطاعة فإن القلب يحتاج إلى مدافعة عظيمة لهذه الخواطر، فإذا صار في القلب قوة وصلابة في الإيمان، واستقام القلب لصاحبه وروضه على طاعة الله - عز وجل - والإقبال عليه، فإنه يحرس صاحبه، فإذا رأى شيئاً تلتفت إليه كثير من النفوس الضعيفة، ويتطلع إليه أصحاب القلوب المريضة، فيطمع الذي في قلبه مرض، فإن الإنسان ينصرف قلبه عن هذه الأمور المشينة ولا يلتفت إليها، ويتذكر مباشرة عظمة الله، وجلال الله ورقابة الله، فلا تتحرك نفسه للمعصية، أو الوقوع في الريبة والدخول في أمور وطرائق ليس له أن يدخل فيها.
"حرست قلبي عشرين سنة ثم حرسني عشرين سنة"؛ كان في مكابدة في عشرين سنة حتى استقام قلبه، فحرسه عشرين سنة، ثم مرت عليه أحوال صار قلبه محروساً، وصارت جوارحه محروسة حينما تروضت على طاعة الله - عز وجل -، فالعين لا تنظر إلا إلى ما يرضي الله، وصار السماع المحرم - الذي يعشقه كثير من الناس وتميل إليه قلوبهم- صار قلبه ينفر منه، وصارت أذنه تمجه لا يجد له لذة وحلاوة، ولهذا إذا أردت أن تربي نفسك فعليك أن تحرس قلبك أولاً، ثم يحرسك هذا القلب، ثم تكون بعد ذلك محروساً معها.
لا يكفي أن نعلّم الناس بعض الأمور الظاهرة، لا يكفي أن تعلمهم بعض الآداب - مع أنها مطلوبة - بل لا بد أيضاً أن نربي القلوب على الإخبات والخوف والمحبة والخشية والمجاهدة، والصبر وما إلى ذلك من المعاني.
ثانياً: مما يصلح القلب كثرة ذكر الموت وزيارة القبور ورؤية المحتضرين: فإنها اللحظات التي يخرج الإنسان فيها من الدنيا ويفارق سائر الشهوات واللذات، ويفارق الأهل والمال الذي أتعب نفسه في جمعه، في لحظة ينكسر فيها الجبارون، ويخضع فيها الكبراء.
فذكر الموت يحيي القلب ويلين ما فيه من القسوة، فاجعل لنفسك وقتاً تتفكر فيه بهذا المعنى وتزور فيه المقابر وتتبع الجنائز.
سعيد بن جبير - رحمه الله - وهو من عبّاد التابعين وعلمائهم كان يقول: " لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليَّ"، معنى ذلك أن الموت ملازم لقلبه يذكره في كل أحواله.
وكان صفوان بن سليم يأتي البقيع، فيمر بمحمد بن صالح التمّار، فتبعه في ذات يوم، فقال محمد: فقلت في نفسي سأنظر ما يصنع، فجاء صفوان على قبر من القبور في البقيع، فلم يزل يبكي حتى رحمته من كثرة البكاء، وظننت أنه قبر بعض أهله، فهو يأتي لزيارته، ويتذكر هذا القريب فيبكي ويرق لذلك، يقول: ومر به مرة أخرى فتتبعته ففعل مثل ذلك فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر فقال: " كلهم أهله وإخوته، إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة".
ثالثاً: مما يحيي القلب مجالسة الصالحين الذين يَذكرون الله - عز وجل -، ويُذكّرون بالله بالنظر إلى وجوههم: من الناس من إذا نظرت إلى وجهه انشرح صدرك وذهبت عنك كثير من الأوهام والهموم والمخاوف، قال ابن القيم - رحمه الله -: " كان إذا حدق بنا الخصوم، وأرجفوا بنا، وألّبوا علينا، واعترتنا المخاوف من كل جانب، أتينا شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، يقول: فوالله ما إن نرى وجهه حتى يذهب ذلك عنا جميعاً"؛ لما يرون في وجهه من الإنارة، وما يرون فيه من المعاني الدالة على انشراح الصدر، وثبات القلب والتقى والرجاء والخوف من الله، فإن الوجه مرآة للقلب، ولهذا قيل: " ما أسَرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحة وجهه وفلتات لسانه".
ودخل رجل على عثمان -رضي الله عنه- فقال عثمان: " أيعصي أحدكم ربه ثم يدخل عليَّ؟ فقال الرجل: أَوَحْيٌ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني كيف علمت؟ فأخبره أنها فراسة المؤمن حيث يكون الوجه مظلماً لما في القلب من الظلمة، ويكون الوجه مشرقاً لما في القلب من الإشراق.
ومن الناس من إذا رأيته أحببته قبل أن يتكلم، ومن الناس من إذا رأيته أبغضته قبل أن يتكلم، وما ذلك إلا أن هذه الأوجه هي صفحات يُنقش فيها ما تكنّه القلوب.
يقول جعفر بن سليمان - رحمه الله -: " كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع، وكان من كبار العباد والصالحين".
ومن الناس من إذا نظرت إلى وجهه، أظلم قلبك، ويتصدد الإنسان أحياناً عن رؤية بعض الوجوه من أجل ما فيها من الظلمة، فإن النظر إلى هذه الأشياء يؤثر على القلب، ولهذا تعلمون أن جريج الراهب دعت عليه أمه كما في صحيح مسلم قالت: " اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ"، والمومسات - أعزكم الله البغايا -، لمّا: ((أَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُوا...)) [رواه البخاري ومسلم].
هذه الدعوة التي دعت بها أمه ماذا كانت نتيجتها أيها الأخوة؟! كان نتيجتها أنه نظر إلى وجه مومسة واحدة، امرأة واحدة بغي اتهمته فجئ به إليها، وقيل له: أنت فجرت بهذه فأنجبت هذا الغلام، نظر إلى امرأة واحدة فكان ذلك إجابة لدعوة أمه عليه، فكيف بالذي يقلب بصره صباح مساء وقد شخص بصره أمام القنوات الفضائية يرى وجوه المومسات! كم نجني على قلوبنا أيها الأخوة؟ كم نفسدها بأيدينا وبأفعالنا؟ كم يجني الإنسان على نفسه حينما يقلب طرفه، ويسخر نظره في المواقع الكثيرة في الشبكة العنكبوتية، ينظر إلى ما حرم الله - عز وجل - كم تؤثر فيه هذه النظرات؟!
رابعاً: مما يصلح القلب أن يكون تعلقه بربه ومعبوده وخالقه - جل جلاله -: إذا تعلق القلب بالمخلوق، عُذّب بهذا المخلوق أياً كان، سواء كان رجلاً أو امرأة أو سيارة أو عقاراً، أو مالاً أو غير ذلك، فالله - عز وجل - خلق هذا القلب وركّبه تركيباً خاصاً لا يصلح بحال من الأحوال إلا إذا تعلق بربه ومليكه، فإذا تعلق بغير الله، تعذّب بهذا التعلق، ولذلك تجد كثيراً من الناس يسألون عن قضايا تتعلق بروابط ووشائج وصحبه مع بعض إخوانهم ويختلط عليهم الأمر كثيراً، فيظنون ذلك لله وفي الله، وأن ذلك يقربهم إلى الله مع أنهم يجدون ألمه في قلوبهم، ويجدون حسرة تعصف بهذه القلوب، فالعلائق والأعمال، والأحوال والارتباطات، والمجالس والأقوال، إذا كانت صحيحة مع صحة قصد صاحبها، فإنها تورث في القلب نوراً وانشراحاً، وإذا كانت على غير الجادة انعصر القلب وتألم، فمن كان يؤاخي أحداً من الناس في الله ولله، فإن ذلك يشرح صدره، ويقوي قلبه، وأما إذا كان لمعنى آخر قد لا يشعر به هو أولا يدركه، فإنه يجد ألماً وحسرة بهذه الصحبة تؤثر فيه أرقاً دائماً لربما كدّر عليه عيشه.
فتعليق القلب بالله - عز وجل - هو الذي يصلح هذا القلب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: " كلما ازداد القلب لله حباً، ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عمن سواه".
ولهذا كان ابن القيم - رحمه الله - يقول: " إن في القلب وحشة لا يُذهبها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه فاقة يعني: فقر- لا يذهبه إلا صدق اللجوء إليه، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تذهب تلك الفاقة أبداً".
إن من أعظم ما يفسد القلب: تعلق القلب بغير الله - عز وجل -، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كلام متين له: " كل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية له بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميراً لهم متصرفاً بهم، فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة ولو كانت مباحة له مثل زوجة أو أمة يبقى قلبه أسيراً لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها أو زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها تحكم فيه بحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه، فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقاً مستَعبَداً مُتَيماً بغير الله - عز وجل - فهذا هو الذل والأسر معه والعبودية لمن استَعبد القلب.
خامساً: مما يصلح القلب الأعمال الصالحة: بجميع أنواعها كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -: " إن للحسنة نوراً في القلب، وضياء في الوجه وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق".
سادساً: مما يصلح القلب أن نستعمله فيما خلق له: هذا القلب خلق ليكون عبداً لله، خلق ليعمل أعمالاً جليلة هي الأعمال القلبية الصالحة، فإذا أُشغل القلب بغيرها، تكدّر وفسد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "ثم إن الله - سبحانه وتعالى -- خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء كما خلق العين يرى بها الأشياء والأذن يسمع بها الأشياء...، إلى أن قال: " وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة، فإذا استعمل العبد العضو فيما خلق له وأعد من أجله، فذلك هو الحق القائم والعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً لذلك العضو، وإرضاء لربه وصلاحاً للشيء الذي استعمل فيه... "، إلى أن قال: "وإذا لم يستعمل العضو في حقه بل ترك بطّالاً، فذلك خسران وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفراً".
سابعاً: مما يصلح القلب ذكر الله - عز وجل - وقراءة القرآن: والحديث عن هذا يطول، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ولقد قال سليمان الخواص - رحمه الله -: " الذكر للقلب بمنـزلة الغذاء للجسم، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا"، وقد أحسن من قال:
دواء قلبك خمس عند قسوته *** فاذهب عليها تفز بالخير والظفر
خلاء بطن وقرآن تدبره *** كذا تضرع باكٍ ساعة السحر
ثم التهجد جنح الليل أوسطه *** وأن تجالس أهل الخير والخبر
كثير من الناس يهتم بأعمال الجوارح ويغفل أعمال القلوب، وهذا من جهل الإنسان، وإلاّ فالأعمال القلبية لها من الأهمية والقدر ما يفوق أعمال الجوارح وذلك لأمور:
أولها: أن اختلال العبادات القلبية لربما هدم العبادات التي تتعلق بالجوارح، ومن أمثلة ذلك: الإخلاص وهو عمل قلبي، فإذا زال الإخلاص من قلب العبد فوقع في الشرك، أو إذا وقع في النفاق الأكبر فإن إيمانه يضمحل، وإذا وقع في الرياء فإن إيمانه يختل، وذلك العمل الذي خالطه الرياء يكون باطلاً، فالله طيب لا يقبل طيباً كما قَالَ اللَّهُ - تبارك وتعالى -: ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) [رواه مسلم].
ثانياً: الأعمال القلبية أساس النجاة من النار والفوز بالجنة: كالتوحيد فهو عبادة قلبية محضة، وسلامة الصدر للمسلمين عبادة قلبية، وتعرفون جميعاً حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ((يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضاً، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ - عز وجل -، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَار: ((يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ" [رواه أحمد].
تأملوا في هذه الجملة وقفوا عندها طويلاً: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ"، من قال هذه العبارة؟ قالها عالم عابد من أعبد الناس، زوّجه أبوه امرأة من أشراف قريش، يقول: فجاء عمرو بن العاص بعد سبعة أيام إلى زوجة عبد الله بن عمرو فسأل عنه فقالت: "نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ".
ما قربها وما لمسها يقوم طوال الليل، إذا غربت الشمس بدأ في ورده، وإذا صلى العشاء بدأ القيام إلى الفجر، ثم هو صائم، فلم يُعجب ذلك أباه، فذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وشكاه، فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -... الخ القصة المعروفة. [رواها البخاري ومسلم].
شاب يتوقد حيوية وليس به علة من مرض ولا ضعيف، ولا عاجز ومع ذلك يقول لهذا الرجل: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ"، فهذا يدل على أي شيء؟ يدل على عظم هذا المعنى، وأنه يبلغ بالإنسان أعلى الدرجات وإن لم يكن له عمل كثير، ويدل على أنه من أصعب الأشياء صفاء القلب للمسلمين، ونقاء القلب لإخواننا هذا أمر صعب، قد يكون الإنسان عنده علم كثير، وعبادة كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أن يسيطر على قلبه، لكن بالمجاهدة مع كثرة الدعاء والإلحاح على الله - عز وجل - وكما علمنا ربنا: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [سورة فصلت:34].
ثالثاً: الأعمال القلبية سبب المراتب العالية في الجنة: فالحب في الله عبادة قلبية محضة، وقد صح من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إِنَّ لله جُلَسَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ، وَكِلْتَا يَدَي الله يَمِينٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ وَلَا صِدِّيقِينَ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمْ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ اللَّهِ تبارك وتعالى)) [رواه الطبراني في الكبير].
وهكذا أيضاً الأخلاق الحسنة: الحياء، والصبر، وما إلى ذلك من الأخلاق الطيبة الكاملة، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ)) [رواه أبو داود وأحمد الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ].
وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا)) [رواه الترمذي].
رابعاً: أن العبادات القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجراً عند الله - عز وجل - ومثوبة: وقد كان كثير من السلف يفضلون عبادات القلب على الإكثار من عبادات الجوارح، مع عدم إهمالهم لعبادات الجوارح. كان أبو الدرداء - رضي الله تعالى عنه - يقول: "تفكُر ساعة خير من قيام ليلة".
ووصف لسعيد بن المسيب - رحمه الله - عبادة قوم أنهم يصلّون بعد الظهر إلى العصر قال: "إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله"، وهو لا يقصد أن يزهد في صلاة النافلة، وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى عبادة يغفلون كثيراً عنها وهي: التفكر.
خامساً: أن العبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح: إذ كلما عظم الإيمان والتوحيد ومحبة الله في القلب كلما كان ذلك دافعاً للجوارح للعبادة، فمن عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه، فإذا وُجد الإقبال والمحبة في قلب العبد أقبلت جوارح العبد، وهان عليها التعب في الطاعة والعبادة.
سادساً: أن العبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح: ومعلوم أن الواحد قد يعمل عملاً من الأعمال، ويعمله آخر كما عمله هذا من حيث الظاهر: فهذا تصدق بمائة، وهذا تصدق بمائة، وبينهما كما بين السماء والأرض، فقد يتصدق الإنسان وهو يعد هذه الصدقة مغرماً، ولربما أخرجها كارهاً محرجاً، وآخر: أخرجها وفي قلبه الحياء من الله والخوف منه والإشفاق ألا تقبل، وأن هذا قليل من كثير مما أعطاه الله - عز وجل -، وأن الله هو الذي وفقه وهداه وسدده إلى هذه الصدقة والعمل الصالح، وأنه بحاجة للمزيد من العبودية ليشكر الله على هذا الإنعام أولاً وآخراً، فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض!.
وهذا كما يقال في الطاعات يقال في المعاصي: قد يعمل رجلان معصية واحدة، لكن هذا عملها وهو مستهتر مستخف متبجح، يتباهى بعملها، ويجاهر في ذلك، وكأنه ذباب جاء على وجهه فقال به هكذا، وآخر يعمل معصية وهو خائف من الله، مُسْتَحٍ منه، يستشعر أن الله يراه ويراقبه، لكنه غُلب بفترة ضعفت نفسه فيها، ثم لا يلبث أن يراجع فشتان بين هذا وهذا.
سابعاً: أن العبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح: ولنأخذ مثالاً على ذلك: الجهاد في سبيل الله - عز وجل -: يأتي رجال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليحملهم فيقول: (لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) [سورة التوبة:92]، فيتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ)) [رواه مسلم وابن ماجة وأحمد].
لماذا؟ لأن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق)) [رواه مسلم]، فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّة)) [رواه البخاري ومسلم].
فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)) [رواه مسلم].
ثامناً: أن أعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم - رحمه الله - لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها، بل تضاعف أضعافاً؛ وذلك لأن أعمال الجوارح مهما كثرت وعظمت لها وقت معلوم، فالصلاة لها وقت، والصيام له وقت، والحج له وقت وله حد محدود، أما العبادات القلبية فإنها تكون حالاً ملازمة للعبد في صحوه ونومه، وصحته ومرضه، وصفائه وكدره، وفي جميع أموره.
ولنأخذ مثالاً على ذلك: محبة الله - عز وجل -: هل تفارق العبد؟ هل تفارق قلب العبد وهو قائم أو قاعد أو يمشي أو مسافر أو مقيم وهو يأكل أو يتعبد أو غير ذلك؟ هي ملازمة له، وقل مثل ذلك في تعظيم الرب - جل وعلا - والشوق إلى لقائه والإخلاص، فإذا تمكنت هذه الأمور من قلب العبد واستحكمت فإنها تكون حالاً ملازمة لهذا العبد، فلا تفارقه، وهذا يدل على شرف الأعمال القلبية على أعمال الجوارح التي تنقطع وتنقضى.
تاسعاً: أن العبادات القلبية هي الأصل وأن أعمال الجوارح فرع عنها: ومعلوم من أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.
فالقلب يُصدّق، واللسان يَشهد، والقلب يعمل عمله من توكل ومحبة وإخبات وما إلى ذلك، واللسان يعمل ذكراًَ وقراءة للقرآن وقولاً للحق، والجوارح تسجد وتركع وتعمل الصالحات التي تقرب إلى الله - عز وجل - فعمل القلب هو الأصل، فلو انتفى التصديق الانقيادي، والإقرار من القلب ماذا يحصل؟ لا يقبل عمل من أعمال الإنسان البتة.
ينقسم الناس في أعمال القلوب وأعمال الجوارح على ثلاث أحوال:
منهم: من اشتغل بالأمور القلبية وإصلاح القلب ومراقبة الخطرات وَتَرَكَ الأعمال الظاهرة وأهملها.
وطائفة: اشتغلوا بالأعمال الظاهرة: كالصيام والصلاة وما إلى ذلك، وتركوا إصلاح القلوب، فعششت الأحقاد في قلوبهم، والتنافس على الرئاسات، وقست قلوبهم، وصار فيها من تعظيم المخلوقين، أو الخوف منهم ما لا يقدر قدره.
وطائفة: وهم أهل التوسط اعتنوا بالأمور القلبية وأعطوها حقها، كما اعتنوا بأعمال الجوارح، وهذا سبيل المرسلين -عليهم الصلاة والسلام- فقد كانوا يعنون بأمور القلب كما يعنون بأمور الجوارح.
فلذلك نقول: إن التربية الصحيحة هي التي تُعنى بقلب الإنسان كما تعنى بجوارحه.
إن القلوب تقسو فتكون كالحجارة أو أشد قسوة، فتُبعِد عن الله وعن رحمته وعن طاعته، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي الذي لا ينتفع بتذكير ولا يلين لموعظة.
ولقسوة القلوب أسباب يتعطاها العبد:
فمن ذلك: قلة ارتياد المساجد والجلوس فيها، وصرف أكثر الوقت في طلب الدنيا والتمتع بها.
ومن ذلك: الانشغال برؤية المناظر الملهية أو المحرمة، التي تعرض على شاشة التلفاز، أو الفيديو من الصور الفاتنة ومن الأفلام والمسلسلات، أو الصور التي في الصحف والمجلات.
ومن ذلك: استماع الملاهي من الموسيقى والمعازف والأغاني التي كثر ترويجها والدعاية لها بين المسلمين، وهي أصوات محرمة، تنبت النفاق في القلب، وتزرع الشهوة في النفس، وتمنع من سماع القرآن؛ لأنه لا يجتمع الاستماع لقرآن الشيطان وقرآن الرحمن.
ومما يقسي القلب: متابعة الألعاب الرياضية وتشجيعها ومشاهدتها، والانشغال بها مما أصبح اليوم هو الشغل الشاغل لكثير من شباب المسلمين، ومن افتتن بهذا العبث الذي لا فائدة من ورائه.
ومما يقسي القلب: كثرة المزاح والضحك والمرح والهزل.
ومن الأمور التي تقسي القلب: المآكل والمشارب المحرمة؛ لأن تغذيتها خبيثة وآثارها سيئة، تؤثر على الأخلاق والسلوك، وتكسل عن الطاعة، وتنشط على المعصية، وهذا ظاهر على أخلاق الذين يأكلون الربا والرشوة، ويشربون المسكرات ويتعاطون المخدرات، فإن آثار هذه الخبائث تظهر على أبدانهم وأخلاقهم وتصرفاتهم، والمعاصي عموماً تقسي القلب وتعميه، وتحجب عنه نور الإيمان والهداية، قال الله - تعالى -: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة المطففين:14].
ومن الأمور التي تقسي القلب: مصاحبة الأشرار والعصاة ومخالطتهم، فإن المرء من جليسه، وعن المرء لا تسأل واسأل عن قرينه، قال الله - تعالى -: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة الحشر:19]، وقد شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - جليس السوء بنافخ الكير لا بد أن ينال مُجالِسُه منه من الضرر ما يناله، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً...
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 01-02-2012, 01:18 AM   #2
معلومات العضو
سهيل..
إدارة عامة

افتراضي

جزاك الله عنا خيري الدنيا والاخرة أختنا الطاهرة

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 11:06 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.