موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

سيتم فتح ساحات الأسئلة والحالات الخاصة أمام مشاركات الأعضاء في أيام السبت والاثنين والاربعاء من الساعة 7 - 10 مساء بتوقيت مكة المكرمة >><< تم فتح قسم الحجامة والطب البديل والعلاج بالأعشاب بشكل دائم .

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > أقسام المنابر الإسلامية > منبر علوم القرآن و الحديث

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 17-06-2016, 02:11 AM   #1
معلومات العضو
رشيد محمد أمين
مراقب عام و مشرف الساحات الإسلامية

افتراضي أنواع القراءات للقرآن الكريم

سُئــل شيخ الاسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - عن قول النبي صلى الله عليه و سلم‏ :‏ ‏( ‏أنزل القرآن على سبعة أحرف‏)‏ ما المراد بهذه السبعة ‏؟‏ و هل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع و عاصم و غيرهما هي الأحرف السبعة ، أو واحد منها‏ ؟‏ و ما السببب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ‏؟‏ و هل تجوز القراءة برواية الأعمش و ابن مُحيْصِن و غيرهما من القراءات الشاذة أم لا ‏؟‏ و إذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا ‏؟‏ أفتونا مأجورين‏
فأجاب‏ :‏

الحمد للّه رب العالمين ‏.‏ هذه مسألة كبيرة ، قد تكلم فيها أصناف العلماء من الفقهاء و القراء و أهل الحديث و التفسير و الكلام و شرح الغريب و غيرهم ، حتى صنف فيها التصنيف المفرد ، و من آخر ما أفرد في ذلك ما صنفه الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي ، المعروف بابن أبي شامة ، صاحب ‏[‏شرح الشاطبية‏]‏‏.‏ فأما ذكر أقاويل الناس و أدلتهم و تقرير الحق فيها مبسوطًا ، فيحتاج من ذكر الأحاديث الواردة في ذلك ، و ذكر ألفاظها ، و سائر الأدلة ، إلى ما لا يتسع له هذا المكان ، و لا يليق بمثل هذا الجواب ، و لكن نذكر النكت الجامعة ، التي تنبه على المقصود بالجواب ‏.‏
فنقول ‏:‏ لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن ‏[‏الأحرف السبعة‏]‏ التي ذكر النبي صلى الله عليه و سلم أن القرآن أُنزل عليها ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة ، بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ، و كان على رأس المائة الثالثة ببغداد ، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين و العراقين و الشام ؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها عِلْم النبوة من القرآن و تفسيره ، و الحديث و الفقه من الأعمال الباطنة و الظاهرة ، و سائر العلوم الدينية ، فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار ؛ ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن ، لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة ، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم‏ .‏
و لهذا قال من قال من أئمة القراء ‏:‏ لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة و إمام قراء البصرة في زمانه في رأس المائتين ‏.‏
و لا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى و تضاده ، بل قد يكون معناها متفقًا أو متقاربًا ، كما قال عبد اللّه بن مسعود ‏:‏ إنما هو كقول أحدكم‏ :‏ أقبِل ، وَ هَلُمَّ ، وَ تَعَال ‏.‏
و قد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر ، لكن كلا المعنيين حق ، و هذا اختلاف تنوع و تغاير لا اختلاف تضاد و تناقض ، و هذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه و سلم في هذا حديث‏ :‏ ‏(‏أنزل القرآن على سبعة أحرف ، إن قلت‏ :‏ غفورًا رحيمًا ، أو قلت‏:‏ عزيزًا حكيمًا فاللّه كذلك ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب ، أو آية عذاب بآية رحمة‏) ‏‏.‏ و هذا كما في القراءات المشهورة ‏[‏ربنا بَاعَد‏]‏ و‏{‏بَاعِدْ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏19‏]‏،‏{‏إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏229‏]‏ و‏(‏إلا أن يُخافا ألا يقيما‏)‏، ‏{‏وَ إِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ‏}‏ ـ و‏[‏ليزول‏]‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏46‏]‏، و ‏{‏بَلْ عَجِبْتَ‏}‏ و ‏(‏بل عجبتُ‏)‏ ‏[‏الصافات‏:‏12‏]‏ و نحو ذلك‏.‏
و مـن الـقراءات مـا يكون المعنـى فيهـا متفقًا مـن وجـه متباينا مـن وجه ، كقـولـه‏:‏ ‏{‏يخدعون‏}‏ و‏ {‏يُخَادِعُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏9‏]‏ و‏ (‏يكذبون‏)‏ و‏ {‏يكذبون‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏11‏]‏ و ‏(‏لَمَسْتُم‏)‏ و‏ {‏لامستم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏43، المائدة‏:‏60‏]‏ و‏ {‏حَتَّىَ يَطْهُرْنَ‏}‏ و ‏(‏يطَّهَّرن‏)‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 222‏]‏ و نحو ذلك فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق ، و كل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها ، و اتباع ما تضمنته من المعنى علما و عملاً ، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ؛ ظنًا أن ذلك تعارض ، بل كما قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ‏:‏ من كفر بحرف منه فقد كفر به كله‏ .‏
و أما ما اتحد لفظه و معناه و إنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات ، و المدات ، و الإمالات ، و نقل الحركات ، و الإظهار ، والإدغام ، و الاختلاس ، و ترقيق اللامات و الراآت ، أو تغليظها و نحو ذلك مما يسمى القراءات الأصول فهذا أظهر و أبين في أنه ليس فيه تناقض و لا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى ؛ إذ هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا ، و لا يعد ذلك فيما اختلف لفظه و اتحد معناه ، أو اختلف معناه من المترادف ونحوه ؛ و لهذا كان دخول هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها من أولى ما يتنوع فيه اللفظ أو المعنى ، و إن وافق رسم المصحف و هو ما يختلف فيه النقط أو الشكل‏ .‏
و لذلك لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعين من السلف و الأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين ، بل من ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي و نحوهما ، كما ثبت عنده قراءة حمزة و الكسائي ، فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع و الخلاف ، بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة و أحمد بن حنبل و بشر بن الحارث و غيرهم ، يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع و شيبة بن نصاح المدنيين ، و قراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق و غيرهم على قراء حمزة و الكسائي‏.‏
و للعلماء الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء ؛ و لهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الأحد عشر كثبوت هذه السبعة ، يجمعون ذلك في الكتب ، و يقرؤونه في الصلاة و خارج الصلاة ، و ذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم ‏.‏
و أما الذي ذكره القاضي عياض و من نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة ، و جرت له قصة مشهورة ، فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف ، كما سنبينه‏ .‏
و لم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة ، و لكن من لم يكن عالما بها أو لم تثبت عنده ، كمن يكون في بلد من بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره ، و لم يتصل به بعض هذه القراءات ، فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه ؛ فإن القراءة - كما قال زيد بن ثابت- سنة يأخذها الآخر عن الأول ، كما أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم من أنواع الاستفتاحات في الصلاة و من أنواع صفة الأذان و الإقامة و صفة صلاة الخوف و غير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه ، و أما من علم نوعًا و لم يعلم غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلمه ، و ليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك ، و لا أن يخالفه ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم‏:‏ ‏(‏لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا‏)‏‏ . ‏
و أما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود ، و أبي الدرداء ـ رضي اللّه عنهما ـ‏ :‏ ‏( ‏و الليل إذا يغشى ‏.‏ و النهار إذا تجلى‏.‏ و الذكر و الأنثى‏)‏ كما قد ثبت ذلك في الصحيحين ، و مثل قراءة عبد اللّه‏ :‏‏(‏فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏)‏ و كقراءته ‏:‏‏( ‏إن كانت إلاَّ زَقْيَة ‏[‏أي‏:‏ صيحة‏ .‏ انظر‏:‏ القاموس ، مادة‏:‏ زقا‏]‏ واحدة‏)‏ و نحو ذلك - فهذه إذا ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها في الصلاة ‏؟‏ على قولين للعلماء ، هما روايتان مشهورتان عن الإمام أحمد ، و روايتان عن مالك ‏.‏
إحداهما‏ :‏ يجوز ذلك ؛ لأن الصحابة و التابعين كانوا يقرؤون بهذه الحروف في الصلاة‏ .‏
و الثانية ‏:‏ لا يجوز ذلك ، و هو قول أكثر العلماء ؛ لأن هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و إن ثبتت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة ، فإنه قد ثبت في الصحاح عن عائشة و ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ أن جبريل ـ عليه السلام ـ كان يعارض النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن في كل عام مرة ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين‏ .‏ و العرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت و غيره ، و هي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر و عمر و عثمان و علي بكتابتها في المصاحف ، و كتبها أبو بكر و عمر في خلافة أبي بكر في صحف ، أمر زيد بن ثابت بكتابتها ، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف و إرسالها إلى الأمصار ، و جمع الناس عليها باتفاق من الصحابة على و غيره‏ .‏
و هذا النزاع لابد أن يبني على الأصل الذي سأل عنه السائل ، و هو أن القراءات السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا‏ ؟‏ فالذي عليه جمهور العلماء من السلف و الأئمة أنها حرف من الحروف السبعة ، بل يقولون‏ :‏ إن مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة ، و هو متضمن للعرضة الآخرة التي عرضها النبي صلى الله عليه و سلم على جبريل ، و الأحاديث و الآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول‏ .‏ و ذهب طوائف من الفقهاء و القراء و أهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة ، و قرر ذلك طوائف من أهل الكلام ، كالقاضي أبي بكر الباقلاني وغيره ؛ بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شىء من الأحرف السبعة ، و قد اتفقوا على نقل هذا المصحف الإمام العثماني و ترك ما سواه ، حيث أمر عثمان بنقل القرآن من الصحف التي كان أبو بكر و عمر كتبا القرآن فيها ، ثم أرسل عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر من أمصار المسلمين بمصحف و أمر بترك ما سوى ذلك .‏
قال هؤلاء‏:‏ و لا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة ، و من نصر قول الأولين يجيب تارة ـ بما ذكر محمد بن جرير و غيره ـ من أن القراءة على الأحرف السبعة ، لم يكن واجبًا على الأمة ، و إنما كان جائزًا لهم مرخصًا لهم فيه ، و قد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه ، كما أن ترتيب السور لم يكن واجبًا عليهم منصوصًا بل مفوضًا إلى اجتهادهم ؛ و لهذا كان ترتيب مصحف عبد اللّه على غير ترتيب مصحف زيد و كذلك مصحف غيره ‏.‏
و أما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه ، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية في الرسم ، كما قدموا سورة على سورة ؛ لأن ترتيب الآيات مأمور به نصًا ، و أما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهادهم ‏.‏ قالوا‏ :‏ فكذلك الأحرف السبعة ، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق و تختلف و تتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد ، اجتمعوا على ذلك اجتماعًا سائغً ا، و هم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ، و لم يكن في ذلك ترك لواجب و لا فعل لمحظور ‏.‏
و من هؤلاء من يقول بأن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام ؛ لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا ، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة ، و كان اتفاقهم على حرف واحد يسيرًا عليهم ، و هو أرفق بهم ، أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة ، و يقولون‏:‏ إنه نسخ ما سوي ذلك‏ .‏
و هؤلاء يوافق قولهم قول من يقول‏ :‏ إن حروف أبي بن كعب ،و ابن مسعود و غيرهما - مما يخالف رسم هذا المصحف - منسوخة‏ .‏
و أما من قال عن ابن مسعود‏ :‏ إنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه ، و إنما قال‏:‏ قد نظرت إلى القراء ، فرأيت قراءتهم متقاربة ، و إنما هو كقول أحدكم‏ :‏ أقْبِلْ، و هَلُم َّ، و تَعَالَ، فاقرؤوا كما علمتم ، أو كما قال ‏.‏
ثم من جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال‏ :‏ يجوز ذلك ؛ لأنه من الحروف السبعة ، التي أنزل القرآن عليها ، و من لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ ‏:‏ تارة يقول ‏:‏ ليس هو من الحروف السبعة ، و تارة يقول ‏:‏ هو من الحروف المنسوخة ، و تارة يقول ‏:‏ هو مما انعقد إجماع الصحابة على الإعراض عنه ، و تارة يقول‏ :‏ لم ينقل إلينا نقلاً يثبت بمثله القرآن ‏.‏ و هذا هو الفرق بين المتقدمين والمتأخرين‏ .‏
و لهذا كان في المسألة قول ثالث ، و هو اختيار جدي أبي البركات أنه إن قرأ بهذه القراءات في القراءة الواجبة ـ و هي الفاتحة عند القدرة عليها ـ لم تصح صلاته ؛ لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك ، و إن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته ؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى في الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التي أنزل عليها‏ .‏ و هذا القول ينبني على أصل ، و هو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة ، فهل يجب القطع بكونه ليس منها ‏؟‏ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك ، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًا ‏.‏
و ذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه ، حتى قطع بعض هؤلاء ـ كالقاضي أبي بكر ـ بخطأ الشافعي و غيره ممن أثبت البسملة آية من القرآن في غير سورة النمل ؛ لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه ، و الصواب القطع بخطأ هؤلاء ، و أن البسملة آية من كتاب اللّه ، حيث كتبها الصحابة في المصحف ؛ إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن و جردوه عما ليس منه ، كالتخميس و التعشير و أسماء السور ، و لكن مع ذلك لا يقال‏ :‏ هي من السورة التي بعدها ، كما أنها ليست من السورة التي قبلها ، بل هي كما كتبت آية أنزلها اللّه في أول كل سورة ، و إن لم تكن من السورة ، و هذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة‏ .‏
و سواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات ، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير و لا تفسيق فيها للنافي و لا للمثبت ، بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء‏ :‏ إن كل واحد من القولين حق ، و أنها آية من القرآن في بعض القراءات ، و هي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين ، و ليست آية في بعض القراءات ، و هي قراءة الذين يصلون و لا يفصلون بها بين السورتين‏ .‏
و أما قول السائل :‏ ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ‏؟‏ فهذا مرجعه إلى النقل و اللغة العربية، لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله ، إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه ، بل القراءة سنة متبعة ، و هم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي ، و قد قرأ بعضهم بالياء و بعضهم بالتاء ، لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف‏ .‏
و مما يوضح ذلك ‏:‏ أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ، و يتنوعون في بعض ، كما اتفقوا في قوله تعالى‏ :‏ ‏{‏وَ مَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏74‏]‏ في موضع و تنوعوا في موضعين، و قد بينا أن القراءتين كالآيتين ، فزيادة القراءات كزيادة الآيات ، لكن إذا كان الخط واحدًا و اللفظ محتملاً كان ذلك أخصر في الرسم‏ .‏
و الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف ، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال‏ :‏ ‏(‏إن ربي قال لي أن قم في قريش فأنذرهم ‏. ‏فقلت ‏:‏ أي رب ، إذًا يثلغوا رأسي ـ أي يشدخوا ـ فقال ‏:‏ إني مبتليك و مُبْتَلٍ بك ، و منزل عليك كتابًا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائمًا و يقظَانًا ، فابعث جندًا أبعث مثليهم ، و قاتل بمن أطاعك من عصاك ، و أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك‏)‏ فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ، بل يقرؤه في كل حال ، كما جاء في نعت أمته ‏:‏‏(‏أناجيلهم في صدورهم‏)‏ بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ، و لا يقرؤونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلب ‏.‏
و قد ثبت في الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبي صلى الله عليه و سلم جماعة من الصحابة ، كالأربعة الذين من الأنصار ، و كعبد اللّه بن عمرو ، فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى نافع و عاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها ، و ذلك باتفاق علماء السلف و الخلف‏.‏
و كذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين ، بل القراءات الثابتة عن أئمة القراء ـ كالأعمش و يعقوب ، و خَلف، و أبي جعفر يزيد بن القعقاع ، و شيبة بن نصاح و نحوهم ـ هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده ، كما ثبت ذلك ‏.‏
و هذا أيضًا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء و القراء و غيرهم ، و إنما تنازع الناس من الخلف في المصحف العثماني الإمام الذي أجمع عليه أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و سلم ، و التابعون لهم بإحسان ، و الأمة بعدهم ، هل هو بما فيه من القراءات السبعة ، و تمام العشرة ، و غير ذلك ‏؟‏ هل هو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها‏ ؟‏ أو هو مجموع الأحرف السبعة ‏؟‏ على قولين مشهورين ‏.‏ و الأول قول أئمة السلف و العلماء ، و الثاني قول طوائف من أهل الكلام و القراء و غيرهم ، و هم متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضًا خلافًا يتضاد فيه المعنى و يتناقض ، بل يصدق بعضها بعضًا ، كما تصدق الآيات بعضها بعضًا‏ .‏
و سبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع و تسويغه ذلك لهم ؛ إذ مرجع ذلك إلى السنة و الاتباع ، لا إلى الرأي و الابتداع ‏.‏
أما إذا قيل‏ :‏ إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر ، و كذلك بطريق الأولى إذا قيل ‏:‏ إن ذلك حرف من الأحرف السبعة ؛ فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرؤوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف في الرسم ؛ فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم و تنوعه في اللفظ أوْلَى و أحْرَى ، و ذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة و لا منقوطة ؛ لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين ، كالتاء و الياء ، و الفتح و الضم ، و هم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ، و يكون دلالة الخط الواحد عل كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين ؛ فإن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و سلم تلقـوا عنـه ما أمـره اللّه بتبليغـه إليهم من القرآن لفظه و معناه جميعًا، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي ـ و هو الذي روى عن عثمان ، رضي اللّه عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال‏ :‏‏(‏خيركم من تعلم القرآن و علَّمه‏)‏ كما رواه البخاري في صحيحه ، و كان يقرئ القرآن أربعين سنة ـ قال‏:‏ حدثنا الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان و عبد اللّه بن مسعود و غيرهما‏ :‏ أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم و العمل، قالوا ‏:‏ فتعلمنا القرآن و العلم و العمل جميعًا‏ .‏
و لهذا دخل في معنى قوله‏ :‏ ‏(‏خيركم من تعلم القرآن و علمه‏)‏ تعليم حروفه و معانيه جميعًا ، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه ، و ذلك هو الذي يزيد الإيمان ، كما قال جُنْدُب بن عبد اللّه وعبد الله بن عمر و غيرهما ‏:‏ تعلمنا الإيمان ، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا ، و أنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان‏ .‏
و في الصحيحين عن حذيفة قال ‏:‏ حدثنا رسول اللّه صلى الله عليه و سلم حديثين ، رأيت أحدهما و أنا أنتظر الآخر ، حدثنا ‏:‏ أن الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرجال ، و نزل القرآن ‏ [‏و قوله ‏:‏ جَذْر ـ أي أصل‏]‏‏ .‏ و ذكر الحديث بطول ه، و لا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك ، و إنما المقصود التنبيه على أن ذلك كله مما بلغه رسول اللّه صلى الله عليه و سلم إلى الناس ‏.‏
و بلغنا أصحابه عنه الإيمان و القرآن، حروفه و معانيه ، و ذلك مما أوحاه اللّه إليه ، كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَ لَا الْإِيمَانُ وَ لَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏52‏]‏ و تجوز القراءة في الصلاة و خارجها بالقراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف ، كما ثبتت هذه القراءات ، و ليست شاذة حينئذ ، و اللّه أعلم ‏.

الموضوع منقول .
 

 

 

 


 

توقيع  رشيد محمد أمين
 لا حول و لا قوة إلا بالله
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 09-07-2016, 05:03 PM   #2
معلومات العضو
سكوون البحر

افتراضي

جزاك الله خير الجزاء ونوّر دربك وأثابك الجنة

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 09-07-2016, 07:15 PM   #3
معلومات العضو
رشيد محمد أمين
مراقب عام و مشرف الساحات الإسلامية

افتراضي

آمين يا رب العالمين
بارك الله فيك و جزاك خيرا على مرورك الكريم و دعائك الطيب
 

 

 

 


 

توقيع  رشيد محمد أمين
 لا حول و لا قوة إلا بالله
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 11-07-2016, 11:59 AM   #4
معلومات العضو
اخت المحبه
مشرفة عامة ومشرفة ساحة الأخوات و العلاقات الأسرية

افتراضي

جزاك الله خيرا

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 11-07-2016, 02:44 PM   #5
معلومات العضو
رشيد محمد أمين
مراقب عام و مشرف الساحات الإسلامية

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اخت المحبه
   جزاك الله خيرا

بارك الله فيك و جزاك خيرا على مرورك الكريم و دعائك الطيب
 

 

 

 


 

توقيع  رشيد محمد أمين
 لا حول و لا قوة إلا بالله
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 25-04-2018, 05:30 PM   #6
معلومات العضو
منتظر الفرج من الله

إحصائية العضو






منتظر الفرج من الله غير متواجد حالياً

الجنس: male

اسم الدولة saudi_arabia

 

 
آخـر مواضيعي

 

افتراضي

جزاك الله خير

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 26-04-2018, 12:18 PM   #7
معلومات العضو
رشيد محمد أمين
مراقب عام و مشرف الساحات الإسلامية

افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة منتظر الفرج من الله
   جزاك الله خير

بارك الله فيك و جزاك الله خيرا
شاكرا لك مرورك الكريم و دعاءك الطيب
 

 

 

 


 

توقيع  رشيد محمد أمين
 لا حول و لا قوة إلا بالله
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 08:24 AM

web site traffic counters


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.