عرض مشاركة واحدة
New Page 2
 
 

قديم 23-02-2009, 06:01 PM   #4
معلومات العضو
لقاء
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أختي إسلامية

ما شاء الله موضوع رائع وطرح مميز

جعله الله في ميزان حسناتك

واليكم قصة واقعية لشخص سار ضد التيار ووفقه الله

كان أحمد يعمل في إدارة الائتمان بأحد أكبر البنوك العاملة في البلد. وكان نابهاً موهوباً في عمله، حتى أنه أخذ يتدرج في سلم الترقيات بسرعة كبيرة، إلى أن أصبح مديرا للإدارة التي يعمل فيها. بل وكان مرشحا لوظيفة نائب مدير للفرع الذي يعمل فيه. وكان يتقاضى راتبا ضخما، وبالعملة الصعبة، فلم يكن يشعر في أي يوم بالمشكلات الحياتية اليومية التي تعاني منها عامة الأسر في بلده.

كما كان أحمد يعد نفسه محظوظا في زواجه. فلقد منّ الله عليه بزوجة صالحة وفية، تحبه وتعمل كل السبل على راحته. وكانت جنات – زوجته – مثالا للزوجات التي تتفانى في سبيل إرضاء زوجها، وتجهد نفسها لإرضائه، وكانت تفعل هذا لأن التقاليد التي تربت عليها تقتضي ذلك، فلم تكن تعلم أن هذا من أخص واجبات دينها عليها.

ولم تكن جنات على وعي كبير بدينها. فهي تلقت معظم شعائر الدين المعروفة من أسرتها، أو من خلال حصص الدين أثناء دراستها. وكانت على علاقة طيبة بجيرانها. ودعتها إحدى جاراتها ذات يوم لحضور أحد دروس الدين في الجامع القريب من بيتها. فذهبت معها على مضض. إلا أنها سرعان ما انشرح صدرها لتلك الدروس. وشعرت أن ما تعرفه عن أمور دينها هو مجرد أشياء سطحية، فواظبت على تلك الدروس لتنهل من معينها.

وكانت تحث زوجها بين الحين والآخر على حضور تلك الدروس. ووافقها أحمد أخيرا على حضور أحد هذه الدروس. وذهبا معا إلى الجامع. أوصلها إلى مصلى النساء، ثم اتجه إلى مكان الرجال. وأخذ الشيخ يشرح درسا عن الربا وأضراره على المجتمع والفرد.
وكيف أن التعامل بالربا يعني محاربة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وكيف أن العمل في الأماكن التي تتعامل بالربا يكون محرما، وخاصة إدارات الائتمان في البنوك. وجاءت الأسئلة كثيرة للشيخ، وهو يستفيض في الرد عليها بالأدلة من القرآن والسنة.
دارت الأرض من تحت قدمي أحمد. لم يدر ماذا يفعل. فأحمد ينتمي لطبقة من الناس الذين يحسبون أنفسهم من المتدينين، ولكن بلا فقه حقيقي للدين. فمعلوماتهم عن الدين مجرد قشور، تجمعت لديهم من هنا وهناك، ويحسبون أن بإمكانهم التصدي للفتوى في أمور الناس!! ولم يكن يدور بخلده في يوم من الأيام أنه يعمل عملا محرما، أو أنه يحارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجرؤ حتى على تصور ذلك.
ذهب إلى الشيخ بعد الدرس في محاولة يائسة لتبرير عمله. قال له الشيخ بلهجة حازمة:
- إن العمل في إدارات الائتمان حرام. وقد أفتى بذلك جميع علماء المسلمين.
فرد أحمد بالقول:
- ولكن نحن لا ندعو الناس للتعامل بهذا! كما أن الذين يتعاملون بهذا ليسوا فقراء مستضعفين!!
قال الشيخ:
- حجج واهية من تلك التي يسوقها الغوغاء للتلبيس على الناس في أمور دينهم. فليس من أركان القرض أن يكون من غني لفقير، بدليل أن الإنسان يُقرض الله سبحانه وتعالى. كما يجب أن تكون الحكمة التي يُبنى عليها الحكم الشرعي جامعة مانعة، تستوعب كل الصور ولا تقصر عن بعضها. فهب أن بعض المعاملات لا تأخذ صورة الحاجة، إلا أن هذا لا يمنع وجود الكثير منها الذي يتم بهذا الشكل. إن الحكمة هي أن المال لا يلد المال بذاته، والنقود لا تلد نقودا. إنما ينمو المال بالعمل وبذل الجهد.

رجع أحمد إلى البيت واجما. ثار على جنات ثورة عارمة، وصب عليها جام غضبه لأنها هي التي اقترحت عليه الذهاب لحضور هذا الدرس!! قال لها:
- أنتي السبب في كل هذه المشاكل. من يقول بهذا الكلام؟ شيء غريب!! كل واحد يلبس عمة على طول يقول فتاوى زي ما هو عايز!!

أحست جنات بمدى ما يعانيه أحمد، ولكنها أخذت تخفف عليه الأمر. كانت قد تعلمت من دروسها أن كلمة التوحيد لها مقتضيات. ما هو الذي جعل صناديد الكفر في قريش يرفضون كلمة لا إله إلا الله التي عرضها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ رغم أنهم كانوا على يقين من الله هو الرب المدبر لهذا الكون. لقد كانوا يريدون الثمرة دون أداء التكاليف المطلوبة منهم. من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. صحيح. لكن لا إله إلا الله لها مقتضيات. ومن مقتضياتها تفويض الحكم لله. فما أمر به الله لابد من تنفيذه. وقالت له:
- لنأخذ رأي أحد كبار الشيوخ. ما رأيك لو ذهبنا للشيخ الشعراوي لنسأله عن ذلك.

وهنا استنار وجه أحمد وعادت إليه حيويته. فالشيخ الشعراوي من الشيوخ الذين يرتاح إليهم كثيرا، ويلقى قبولا كبيرا لديه. كما اعتبرها فرصة طيبة للقائه والتمتع بالحديث معه وجها لوجه. وحددا يوما للذهاب إلى هناك.

ولكن جاءت فتوى الشيخ الشعراوي قاطعة كذلك بالنسبة لأحمد. فهو يرى أن العمل بالبنوك ليس به شبهة، إلا إدارة الائتمان، فهي الإدارة التي تتعامل في الربا. وهذه الإدارة يجب الابتعاد عنها وعدم العمل فيها! وحين وجد أن هذا الأمر لا يمكن التهاون فيه، سأل الشيخ عن إمكانية أن يكون ترك هذه الوظيفة على التراخي، فقال أحمد:
- حسنا ... فإذا كان لابد من ترك العمل بهذه الوظيفة، فليكن ذلك بعد إيجاد عمل آخر، ولأواصل عملي بوظيفتي إلى هذا الحين!!
ولكن الشيخ قال بلطف:
- اعلم أن الله تعالى يقول: ] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [ [ الطلاق: 2 ] . فاشترط سبحانه لوجود المخرج أن يسبق ذلك تقوى الله، وليس العكس! بمعنى أن تنتظر المخرج الذي يروق لك حتى تتقي الله سبحانه!!
فيجب أن تترك العمل الحرام، ويكون يقينك بالله شديدا بأنه سيجعل لك مخرجا من هذه المشكلة، فتجد فرج الله قريبا.

وأُسقط في يد أحمد. لم يعد يدري ما يفعل. إن الاستمرار في عمله يعني محاربته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. واستقالته من عمله تعني – في نظره – ضياعه هو وأسرته. ولكن زوجته كانت قد حزمت أمرها على الوقوف في جانب الله مهما كلفها ذلك من تضحيات. وأخذت تزين له أمر الاستقالة من عمله ومحاولة البدء من جديد في عمل آخر.

وأكثر أحمد من صلاة الاستخارة. كانت كلمات الشيخ ترن في أذنيه!! ابدأ أنت أولا ثم تجد العون من الله!! يا لها من كلمات تحتاج لعزيمة جبارة لتنفيذها. وأخيرا استقر رأي أحمد على الانصياع لرأي الشيخ والابتعاد عن الحرام مهما كلفه ذلك الأمر!!

وكانت جنات تعد الطعام، وأخذت تفكر في الأمر مليا. لطالما أخذت تلح على أحمد أن يترك هذا العمل، فما بال الخوف قد أخذ يستبد بها منذ أن قرر هو هذا الأمر. طالما تمنت هذا الأمر، ولكن حينما أصبح قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، إذا بها تخشى من عواقب تنفيذه. وأخذت الهموم تتوالى على رأسها ... مَنْ لنا بالمصروفات الباهظة الخاصة بمدرسة ابنتنا؟ ومَنْ لنا بمصروفات النادي؟ ومَنْ لنا بمصروفات الحياة التي اعتدنا عليها؟!! ومَنْ ... ومَنْ ...

ولما شعرت بمرارة التفكير في هذه الأمور، قررت أمرا ما لكي تقطع على نفسها هذا الطريق الذي تريده لها. وضعت جنات يدها داخل النار المنبعثة من شعلة البوتاجاز. ولم تطق جنات أن تستمر يدها داخل النار لمدة ثوانٍ. فقالت لنفسها:
- هيه!! ها أنتي يا جنات لا تستطيعي تحمل نار الدنيا لمدة لحظات!! فهل تتحملي نار الآخرة، التي هي أشد سبعين مرة من نار الدنيا؟!!! وتذكرت ما درسته عن نساء السلف حينما كُنّ تقُلن لأزواجهن قبل الخروج للعمل:
- اتقوا الله فينا، ولا تطعمونا إلا من حلال! فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على نار جهنم!!
وجرت جنات إلى أحمد، وقالت له بصوت متهدج:
- امضِ يا أحمد على بركة الله! فوالله لن يخزينا الله ما دمنا قد اخترنا طريقه!
لحظة ضعف عابرة سرعان ما دحرتها أنوار الإيمان التي أخذت تشرق في قلبه، كتب استقالته من وظيفته، وتقدم بها إلى مديره. لم يأبه لعبارات التوبيخ والاستنكار التي أخذت تنطلق من أفواه جميع الزملاء. لم يعد يهمه إلا مرضاة الله. أيقن في داخله أن الله ناصره ولن يضيعه.

ظل أحمد يبحث عن عمل لفترة ليست بالقصيرة. وفي هذه الفترة انهالت عليه كلمات التثبيط والاستهجان من جميع الأقارب والمعارف. ودعاه الجميع إلى الرجوع إلى عمله وسحب استقالته والاعتذار عما بدر منه لكي يقبلونه في العمل ثانية. ولكنه أصم أذنيه عن كل ذلك. وبدأ يخطط للعمل في مشروع خاص. بدأ إجراءات تأسيس شركة للتجارة في أجهزة الكمبيوتر.

لم تكن لدى أحمد خبرة كبيرة بهذا المجال، واستعان بأحد الأصدقاء الذين لديهم خبرة واسعة في هذا المجال. واستبد به اليأس للحظات. فهو لا يعرف أي شيء عن هذا المجال الذي قرر أن يخوض غماره. ولكن سرعان ما انقشعت تلك الغيوم ... فقد تذكر ماذا كان يفعل حينما كانت تعترضه أية عقبة في مجال عمله القديم ... كان دائم البحث عن الابتكار والتجديد ... وكانت وسيلته لمعرفة الجديد في هذا المجال هو تلقي الدورات التدريبية فيها وكثرة القراءة عنها ... قرر أن يفعل ذلك وبدأ في التنفيذ عل الفور. فبدأ يلتحق بدورات تعليمية لاكتساب المهارات اللازمة لهذا النشاط الجديد.

وتم افتتاح الشركة الجديدة، وبدأت نشاطها مع الجمهور. واستطاع أحمد تحقيق مكاسب سريعة، جعلته يقوم بتطوير شركته، وأن يستأجر مقرا جديدا لها في وسط المدينة. وأصبحت شركة أحمد من كبريات الشركات العاملة في نشاط الكمبيوتر في الدولة. وقام بفتح فروع لها في دول أخرى.
وهكذا فإن من لا يرضى بغير الله بديلا، فإن الله حتما ناصره ومؤيده.

رزفكم الله من الخير أقصاه ومن الثواب أعلاه
    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة