عرض مشاركة واحدة
New Page 2
 
 

قديم 23-09-2006, 02:42 AM   #9
معلومات العضو
مسك الختام
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي


الفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ، ونيل المشتهى ؛ فيتولد من إدراكه حالةٌ تسمى الفرح والسرور .

كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب ؛ فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم .

والفرح أعلى نعيم القلب ولذته وبهجته ؛ فالفرح والسرور نعيمه ، والهم والغم عذابه .

والفرح بالشيء فوق الرضا به ؛ فإن الرضا طمأنينة وسكون وانشراح ، والفرح لذة وبهجة وسرور ؛ فكل فرح راضٍ ، وليس كل راضٍ فرحاً .

ولهذا كان الفرح ضد الحزن ، والرضا ضد السخط ، والحزن يؤلم صاحبه ، والسخط لا يؤلمه إلا إذا كان مع العجز عن الانتقام .

ولقد جاء الفرح في القرآن على نوعين : مطلق ،ومقيد ..... فالمطلق جاء في الذم كقوله تعالى : ] لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ (القصص:76)

وقوله تعالى : ] إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [ (هود:10)

والفرح المقيد نوعان - أيضاً - مقيد بالدينا ينسى فضل الله ومنته وهو مذموم كقوله تعالى :] حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ (الأنعام:44)

والثاني : فرح مقيد بفضل الله ورحمته وهو نوعان أيضاً ... فضل ورحمة بالسبب ... وفضل بالمسبب ،

فالأول كقوله تعالى : ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ (يونس:58)

والثاني كقوله تعالى : ] فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ (آل عمران:170)

ولقد ذكر الله - سبحانه - الأمر بالفرح بفضله ورحمته ، عقيب قوله : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ (يونس:57)

ولا شيء أحق أن يفرح به العبد من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة ؛ الهدي الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين ، وطمأنينة القلب به ، وسكون النفس إليه ، وحياة الروح به .

الرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة ، وتدفع عنها كل شر وألم .

والموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب .

وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل ، والظلمة ، والغي ، والسفه ، تلك الأدواء التي هي اشد ألماً لها من أدواء البدن .

فالموعظة ، والشفاء ، والهدى ، والرحمة هي الفرح الحقيقي ، وهي أجلّ من يفرح به ؛ إذ هو خير ٌ مما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها ، فهذا هو الذي ينبغي أن يفرح به ، ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به ، لا ما يجمع أهل الدنيا فيها ؛ فإنه ليس بموضع للفرح ؛ لأنه عرضة للآفات ، وشيك الزوال ، وخيم العاقبة ، وهو طيف خيال زار الصبَّ في المنام ، ثم انقضى المنام وولى الطيف ، وأعقب مزاره الهجران .

فالدنيا لا تتخلص أفراحها من أتراحها ، وأحزانها البتة ، بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة ، أو مقارنة ، أو لاحقة .

ولا تتجرد الفرحة ، بل لابد من طرحة تقارنها ، ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن ، فينغمز حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس .

فالفرح بالله ورسوله ، وبالإيمان ، وبالقرآن ، وبالسنة ، وبالعلم من أعلى مقامات العارفين ، وأرفع منازل السائرين ، وضد هذا الفرح الحزن الذي أعظم أسبابه الجهل ، وأعظمه الجهل بالله ، وبأمره ، ونهيه ؛ والعلم يوجب نوراً ، وأنساً ، وضده يوجب ظلمه ويوقع فيه وحشة .

ومن أسباب الحزن تفرق الهم عن الله ؛ فذلك مادة حزنه كما أن جميعة القلب على الله مادة فرحه ونعيمه ، ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته ، وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، والفرار منه إليه ، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه ، وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون وحده مطلوب ، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ، ودوام ذكره ، وصدق الإخلاص له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقة منه أبداً ( أنظر مدارج السالكين لابن القيم 2/148 – 156 )

هذا هو الفرح الحق ، وهذا هو فرح أهل الإيمان لا فرح أهل الأشر والبطر والطغيان .

هذا وإن للصائمين من هذا الفرح نصيبا غير منقوص ، كيف وقد قال النبي r في الحديث المتفق عليه " وللصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه "

قال ابن رجب - رحمه الله - : أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ، ومشرب ، ومنكح ؛ فإذا امتنعت من ذلك في وقت من الأوقات ، ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه ، خصوصاً عند اشتداد الحاجة إليه ؛ فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً ؛ فإن كان ذلك محبوباً لله كان محبوباً شرعاً .

والصائم عند فطره كذلك ؛ كما أن الله - تعالى - حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام ، بل أحب منه المبادرة إلى تناولها من أول الليل وآخره ؛ فأحب عباد الله إليه أعجلهم فطراً ، والله وملائكته يصلون على المتسحرين ؛ فالصائم ترك شهواته في النهار تقرباً إلى الله ، وطاعة له ، وبادر إليها بالليل تقرباً إلى الله وطاعة له ، فما تركها إلا بأمر ربه ، ولا عاد إليها إلا بأمر ربه ، فهو مطيع في الحالين ؛ ولهذا نُهِيَ عن الوصال ، فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقرباً إلى مولاه ، وأكل وشرب وحمد الله ؛ فإنه ترجى له المغفرة ، أو بلوغ الرضوان بذلك الى أن قال رحمه الله : " ثم إن ربما استجيب دعاؤه عند فطره " .

وعن ابن ماجة : " إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد " .

وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثاباًَ على ذلك ، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوي على العمل كان نومه عبادة .

ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرحه عند فطره ؛ فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته ويدخل في قوله تعالى : ] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ (يونس:58)

وقال ابن رجب رحمه الله : " وأما فرحه عند لقاء ربه ففيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخراً ؛ فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى : ] وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ (المزمل:20)

وقال تعالى : ]يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ[ (آل عمران:30)

قال تعالى : ] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ (الزلزلة:7)



اللهم أفرح قلوبنا بالإيمان ، والقرآن ، والسنة ، والعلم ، والصيام ....وصلي الله وسلم علي نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ....


كتبها / محمد إبراهيم الحمد

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة