المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ردود وإعلام في شبهات الإعلام – وقفات مع مقالة الأسرة ( 04 ) !!!


أبو البراء
08-10-2004, 07:50 AM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

في حقيقة الأمر فإني أعجب غاية العجب من كلام قرأته في مجلة " الأسرة " في مقالتين منفصلتين ، يدوران حول المعنى السابق من حيث التقليل من أهمية الرقية بالقرآن والسنة والاستشئفاء بهما ، ونقل بعض الأمور المتعلقة بالأمراض الروحية والتي قد تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأطباء العضويين والنفسيين والمعالجين بالرقية الشرعية ، علماً بأن هذه المجلة من المجلات الإسلامية التي أثرت المكتبة الإسلامية بمقالات وتقارير ومنوعات متميزة في الطرح والعطاء ، بحيث جعلت لها مرتبة مرموقة على مستوى العالم الإسلامي ، إلا أنني وبصفتي متخصص في الرقية الشرعية فإني أعتب على المجلة في طرحها لبعض المقالات أو التقارير التي تبحث في مسائل الرقية الشرعية وما يدور في فلكها من أمراض روحية كالصرع والسحر والعين دون إعطاء الموضوع حقه من البحث والدراسة العلمية الموضوعية ، فمنذ فترة ليست بالقصيرة قرأت مقالة تحت عنوان " قرَّاء أم مشعوذون " وللأسف فلم أجد المصداقية المطلوبة في ذلك المقال ، وقد كنت حريصاً على أن أكتب للمجلة بعض الملاحظات المتعلقة به ، إلا أنه وبسبب انشغالي لم أستطع أن أقوم بذلك ، والملفت للنظر بأن التقرير لم يُعط حقه من البحث والتحقيق العلمي الشرعي الموضوعي ، خاصة في خضم الأعاصير التي تجتاح العالم الإسلامي في العصر الحاضر وأهمية هذه الموضوعات على الساحة اليوم من جهة ، وعلاقتها بمسائل العقيدة من جهة أخرى ، ولا يخفى علينا جميعاً التجاوزات والأساليب والممارسات والشطحات والترهات التي اتسع فيها الخرق على الراقع ، إلا أن الحق أبلج لا يمكن رده بادعاء بعض المحررين الصحفيين بما يمتلكونه من معلومات شرعية ضئيلة لا تؤهلهم للخوض في هذا الموضوع الدقيق والحساس ، ولا بد من تقوى الله سبحانه وتعالى في كافة المعلومات التي نقدمها للجمهور المسلم لما يترتب عن هذه المعلومات من غرس للأفكار والمعتقدات التي قد توقع العامة ممن لا يملكون كماً من العلم الشرعي في الضلال ومن ثم الوقوع في الإثم العظيم 0

ولما تكرر الأمر في مقال آخر تحت عنوان " يا ناس نصف السحر أوهام " وجدت أنه لا بد من التواصل وتقديم بعض الوقفات تحقيقاً للمصلحة الشرعية التي نسعى جميعاً لها من خلال ما هو نافع ومفيد 0

* التقرير الأول : "قراء أم مشعوذون" : ومما جاء في هذا التقرير :

( والغريب أن بعض أدعياء العلاج بالقرآن في مصر يصر على زيارة أحد مشاهير العلماء ويأخذ صورة معه ثم يدعي أنه بارك عمله في العلاج بالقرآن 0 وهذا ما فعله 00000 الذي قال إن الشيخ متولي الشعراوي – رحمه الله – دعا له وبارك قيامه بالعلاج بالقرآن 0 على الرغم من أن الشيخ الشعراوي صرح أكثر من مرة " أن علاج الأمراض العضوية بالقرآن دجل وشعوذة ويجب على كل مسلم أن يجتهد في العبادة ويأخذ بأسباب العلاج من خلال الأطباء المتخصصين الذين هم أهل الذكر الذين أمرنا الله بسؤالهم إذا تعرضنا للمرض 0
إن الذين يدعون العلاج بالقرآن ممن أسمع عنهم مجموعة من الدجالين ، فالقرآن شفاء لأنه يهدي إلى الحق ويحذر من الباطل أما الرحمة فهي نزع الغفلة من قلب المؤمن 0 إن المرض والأوجاع نوع من الاختبار الإلهي يهدف إلى تعليم الإنسان كيفية استقبال قدر الله ) ( مجلة الأسرة – ص 10 – 11 – العدد 75 جمادى الآخرة 1420 هـ ) 0


وكافة ما ذكر فيه وجه حق وآخر باطل ، أما وجه الحق فهو ما قرره علماء الأمة من أن القرآن كتاب عقيدة وشريعة وهداية ، وكذلك شفاء للأمراض الاجتماعية والأخلاقية والانحرافات بكل أنواعها ، وأما وجه الباطل فإنكار حقيقة العلاج بالقرآن بل وصف ذلك بالدجل والشعوذة والدروشة التي ينبغي أن يتجرد منها العلم الإسلامي ، مع أن النصوص النقلية الصحيحة قد أكدت بما لا يدع مجالاً للشك هذه الحقيقة ، كما أكد علماء الأمة الأجلاء ذلك ، ومما لا شك فيه أن العلامة الرباني ابن القيم قد أوضح ذلك في كلامه آنف الذكر بأروع بيان وأوضح برهان ، وفي ذلك كفاية عن كل مقولة ورواية ، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة 0

وأذكر في ذلك كلاماً جميلاً ذكره العيني نقلاً عن الإمام الخطابي يقول فيه : ( الرقية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما يكون بقوارع القرآن ، وبما فيه ذكر لله تعالى على ألسن الأبرار من الخلق الطاهرة النفوس ، وهو الطب الروحاني ، وعليه كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح أهله ، فلما عزّ وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة مال الناس إلى الطب الجسماني ، حيث لم يجدوا للطب الروحاني نجوعاً في الأسقام ، لعدم المعاني التي كان يجمعها الرقاة ، وما نهي عنه هو رقية العزَّامين ومن يدعي تسخير الجن ) ( عمدة القاري - 17 / 403 ) 0

* التقرير الثاني : " يا ناس نصف السحر أوهام " :

وبعد المقال الأول بسنوات طالعتنا مجلة الأسرة في عددها رقم ( 98 ) الصادر في جمادى الأولى سنة 1422 هـ بمقالة بعنوان ( يا ناس نصف السحر أوهام ) ، وقد قرأت هذه المقالة بتمعن شديد خاصة أنني من الباحثين والمتخصصين في مسائل الرقية الشرعية ، وقد وجدت المقال مفيداً في مجمله ومضمونه ، ولكني أعتب على هذه المجلة الغراء في جانب الطرح المتعلق بمواضيع الرقية الشرعية وما يدور في فلكها من أمراض روحية كالصرع والسحر والعين دون إعطاء تلك المقالات الاهتمام الذي ينبغي أن يكون ، ودون مزيد من الدراسة والبحث العلمي الشرعي الموضوعي المتأني الدقيق كما أسلفت آنفاً ، حيث أن اتباع هذا الأسلوب العلمي المنضبط يضع التصور الشرعي بين يدي القارئ الكريم من جهة ، أما من الجهة الأخرى فإن اللوم يقع على تلك المجلة الغراء من حيث طرحها لتلك القضايا المهمة والحساسة دون أخذ رأي أهل الاختصاص في هذا المجال وبخاصة أنها مسائل تتعلق بالعقيدة والدين ، والساحة بفضل الله وكرمه ومنه ما خلت من المعالجين أصحاب العلم الشرعي المخلصين الأخيار المدافعين والمنافحين عن هذا الدين وهذه العقيدة ، ومع ذلك يُعرض الأمر المتعلق بهذا الجانب على الأطباء النفسيين كي يدلوا بدلوهم ويعطوا رأيهم وكأنما الأمر يعنيهم بصفة مباشرة دون غيرهم من أهل الاختصاص ، وهذا الكلام لا يعني مطلقاً أنني انتقص من قدر هؤلاء الاخوة والأخوات بل على العكس من ذلك تماماً فالبعض يتكلم بشكل عام بمنطق علمي شرعي متزن ، يراعي من خلال ما يقول المصلحة الشرعية العامة والخاصة ، ولكن الذي يترك أثراً في النفس هو ما يقوم به بعض الاخوة الأطباء وبخاصة النفسيين منهم من البحث أو التحدث في المسائل التفصيلية الدقيقة في هذا العلم 0

إن الحق الذي يمتلكه الأطباء النفسيين ، هو إعطاء التشخيص المتعلق بالحالة المرضية بناء على دراستهم ، ولهم الحق في التوقف في تشخيص بعض الحالات على أنها تعاني من نواحي روحية ، ولكن ليس لهم الحق مطلقاً في تعميم الأمر والإشارة بالهمز واللمز في مواضع كثيرة لجانب الرقية والعلاج والمعالجين ، وهذا لا يعني مطلقاً أنني أوافق على كثير من الممارسات التي ترتكب باسم الرقية والرقاة والتي اتسع فيها الخرق على الراقع ، بل على العكس من ذلك تماماً فنحن مطالبون جميعاً بمحاربة كافة الأساليب والممارسات غير الأخلاقية ، وكذلك ما يرتكب باسم هذا العلم من مهاترات ومزايدات من قبل بعض المعالجين ، فالرقية علم له قواعد وأحكام وأصول ، ولا بد من فضح كل من تسول له نفسه الإساءة لهذا الدين ، وبخاصة بعض المتكسبين الذين لا يرقبون في مسلم إلاّ ولا ذمة فكل أولئك لا أعنيهم مطلقاً ، وكذلك فإن الطرح بهذا الشكل والمضمون لا يعني مطلقاً بعض الأطباء النفسيين الذين قدموا علمهم على علم الخالق سبحانه وتعالى 0

إن الهدف الرئيس لهذه المقدمة هو توجيه اهتمام كل شخص في تخصصه سواء كان معالجاً أو طبيباً عضوياً أو نفسياً دون اقحام نفسه في أمور لا تعنيه بأي حال من الأحوال هذا من جهة ، أما من الجهة الأخرى فإنني أطالب بعض الاخوة من أهل الاختصاص في الطب العضوي والنفسي – وفقهم الله لكل خير – بالتريث في اصدار الأحكام على اطلاقها حيث أنهم يقومون بتحليل كافة الأعراض المتعلقة بالحالات المرضية على أنها حالات عضوية أو نفسية ، ناهيك عما يحصل من تدخل غير مبرر في المسائل والقضايا الجزئية المتعلقة بالأمراض الروحية التي لا تعني الطبيب لا من قريب ولا من بعيد ، وهذا الكلام لا يعني مطلقاً عدم تقييم الأساليب والممارسات بما يتماشى مع الأحكام الشرعية والضوابط الطبية ، وهذه مسؤولية الجميع ابتداء من ولاة الأمر - وفقهم الله لكل خير – والعلماء وطلبة العلم والدعاة والأطباء ، أما اتباع هذه المنهجية من قبل الأطباء وبهذا الشكل فإن ذلك قد يؤدي إلى إحداث لبس في المفاهيم العامة والخاصة بخصوص كثير من المسائل المطروحة على البحث والدراسة مما يؤدي إلى إحداث خلل في التوجهات لبعض الناس الذين لا يملكون علماً شرعياً يميزون به بين الحق والباطل 0

وأبدأ بعرض لبعض فقرات تقرير مجلة الأسرة الغراء ، حيث يبدأ المقال بقصة ذلك الرجل الذي قال للطاعون إلى أين ، فقال إلى القرية الخضراء سأصيب منهم ألفاً ، فيصاب خمسة آلاف ، فيقول الرجل ألم تقل أنك ستصيب ألفاً فقط ، فيقول الطاعون : أنا أصبت ألفاً كما قلت ولكن أربعة آلاف توهموا الإصابة ، ثم يعقب المقال بمقولة حق تقول " وكذا السحر حقيقته لا يجادل فيها أحد ، فالأدلة النقلية والعقلية وإجماع الأمة تدل على حقيقة السحر ، ويكفر من يرى أن السحر لا حقيقة له " ، وانتقل بعد ذلك لفقرات في هذا المقال تخالف بمجملها هذا القول وكأنما الجمع الذي شارك في إعداد هذا التقرير يسعى جاهداً كي يثبت أن كافة الأمراض هيّ أمراض عضوية أو نفسية ، وأقف بعض الوقفات مع هذا التقرير متبعاً أسلوب البحث العلمي المتجرد، باحثاً عن الحق داعياً إليه، وأترك القول الفصل في تقرير ما أكتب إلى العلماء الأفاضل كي يحكموا على صحة أو خطأ ما سوف أقرره في ثنايا هذا الرد المختصر ، والذي لا يسعني فيه المقام إلى تقرير كثير من المسائل المهمة في علم الرقى والتي تخفى على كثير من الأطباء العضويين والنفسيين ، وللأسف فقد كان الحكم على المسائل العامة المتعلقة بالرقية الشرعية من قبل الاخوة الأطباء – وفقهم الله لكل خير - بناء على ما يرى على الساحة من تجاوزات وشطحات لا تمت بصلة من قريب أو بعيد للأصول المعتمدة في هذا العلم 0

* المسألة الأولى : هل نقدم قصة الطاعون آنفة الذكر للاخوة القراء كي نعطي انطباعاً عاماً بأن كثير من الناس يعيشون اليوم في وهم ووساوس ونحو ذلك ، وهذا الكلام لا يعني مطلقاً أن البعض ممن قل علمه الشرعي وتوجهه إلى الله سبحانه وتعالى ، وتكالب أمور الدنيا عليه ، قد يصاب بهذا الداء ، أما أن ينقل وكأن ما نسبته 80 % يعيشون في ووساوس وأوهام فهذا مجانب للصواب ، خاصة أن العالم الإسلامي لا زال بفضل الله سبحانه وتعالى يحافظ على مبادئة الإسلامية وقيمه الأخلاقية ، ولا شك أن التمسك بالكتاب والسنة من أكبر العوامل المساعدة على استقرار النفس البشرية وإدراكها لحقيقة الخالق والكون وقربها من الله سبحانه وتعالى فتعيش مطمأنة البال لا تعرف الوهم ولا سبيل أو طريق تسلكه الوساوس إلى قلوبها إلا أن يكون ذلك الأمر لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى 0

* المسألة الثانية : ذكر في المقال ما نصه : " ولكن فزع الناس منه – يعني السحر - أكبر من حجمه بكثير 0 والنساء خصوصاً يعزون كل مظاهر الخلل في الحياة إلى السحر حتى أصبح منهن من تعيش أزمة نفسية حاده بسبب الهلع من السحر " ، وهذا الكلام يحتاج إلى نوع من الدقة فلا إفراط ولا تفريط ، وحقيقة السحر من حيث الأثر والتأثير ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع فمنه ما يمرض ومنه ما يقتل ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه ، وانتشار ظاهرة السحر في الآونة الأخيرة لا ينكرها أحد ، وبخاصة بين بعض النساء ، وقد يكون السبب الرئيس في ذلك البعد عن منهج الكتاب والسنة ، ومن هنا كان لزاماً على الجميع ابتداء بولاة الأمر – وفقهم الله لكل خير – والعلماء والدعاة والأجهزة المرئية والسمعية التحذير من هذه الظاهرة ، وتبيان موقف الشريعة الصارم من السحرة والمشعوذين وممن يرتاد أوكارهم ، وهذا ما حصل بالفعل من قبل ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية والتزامهم في تطبيق الأحكام الشرعية بحقهم ، وتخليص الأمة من شرهم ومكرهم وغدرهم ، أما أن يقال بأن النساء عادة ما يعزون كل مظاهر الخلل في الحياة إلى السحر فلا يؤخد الكلام على إطلاقه وهذا الأمر يحتاج إلى الوقفة الصادقة من الجميع كما أشرت آنفاً لتوعية المرأة في العالم الإسلامي بخطورة السحر على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم 0

* المسألة الثالثة : أما ما نقلته المجلة على لسان الدكتور محمد المهدي أخصائي الطب النفسي – وفقه الله لكل خير - " بأن تكوين المرأة العاطفي يجعلها أكثر تأثراً بالأحداث المحيطة بها ، علاوة على معاناتها من مشاكل في التواصل ، ولذا تلجأ بوعي أو بدون وعي إلى الأعراض المرضية لطلب الرعاية ، بل تأخذ بعداً غيبياً لا يستطيع أحد علاجه بسهولة ، كالسحر ومس الجن أو الحسد " ، كما يذكر في موضع آخر ما نصه " ويزداد قبول المرأة للتفسيرات السحرية كلما كانت صغيرة السن أو قليلة الثقافة والنضج ، حيث تعجز عن الرؤية الموضوعية للمشكلة وتوصيلها إلى من حولها ، ولذا تفضل الدخول في منطقة الغموض التي تعفي من المسؤولية "، وهذا الكلام أيضاً لا يؤخذ على إطلاقه فبعض النساء يكون الحال معها كما أشار الدكتور الفاضل ، أما البعض الآخر فلا ينطبق عليهن الحكم والوصف المشار إليه أعلاه ، وهنا أحب أن أنبه إلى مسألة غفل عنها الكثيرون ، وهي أن يترك الأمر في تحديد الوجهة الصحيحة للمعاناة والألم لأهل الاختصاص سواء في مجال الرقية الشرعية أو الطب بشقيه العضوي والنفسي ، ومن الخطأ أن نجعل الجميع مصابين بأمراض عضوية أو نفسية ونترك أو ننحي جانباً الأمراض الروحية ، ومن الخطأ كذلك أن نجعل الجميع مصاب بالأمراض الروحية ونترك جانباً الأمراض العضوية أو النفسية ، وعندما أتكلم عن ذلك فإني أعني أصحاب المنهج الشرعي الصحيح والعقيدة النقية الصافية في كلا الجانبين سواء كانوا معالجين أو أطباء عضويين أو نفسيين ، إذن فالضابط في كل ذلك عرض الحالة على ذوي الاختصاص المتمرسين الحاذقين الذين يستطيعون بتوفيق الله سبحانه وتعالى أن يحددوا الداء ويصفوا الدواء النافع بإذن الله سبحانه وتعالى ، وهذا يحتم على الجميع دراسة الحالة المرضية دراسة علمية موضوعية متأنية للوصول إلى الحق المنشود والذي هو غاية وهدف الجميع 0

* المسألة الرابعة : وتنقل المجلة على لسان الدكتور الفاضل محمد الصغير استشاري الطب النفسي – وفقه الله لكل خير - عن الأسباب والعوامل التي كثيراً ما ترجع النساء الإصابة بمكروه معين إلى ظاهرة السحر ، وذكر من تلك العوامل ضعف كثير من النساء في مواجهة الأزمات النفسية ، وقلة الوعي بالأمراض النفسية ، والعداوات الشخصية ، وكثرة الاشاعات ، والتهويل الإعلامي ؛ وبعد التدقيق في بعض العوامل التي ذكرها الدكتور الصغير تجد أنها أسباب حقيقية فعلية لانتشار ظاهرة السحر ، ولكن لا زال الكلام ينصب على ماهية تحديد الإصابة بالمرض بشكل عام سواء كان عضوي أو نفسي أو روحي ، وهذا يحتم على الجميع اتباع منهجية البحث العلمي الموضوعي الدقيق للوصول إلى أصل المعاناة ، أما أن نذكر أن تلك الأسباب والعوامل وراء انتشار تلك الظاهرة فقد تكون وقد لا تكون ، ومن هنا كان أهمية نشر الوعي المتعلق بالأمراض الروحية بين الناس وتثقيفهم بكل ما يتعلق بالرقية الشرعية وما يدور في فلكها من خلال كافة المنابر الدعوية المتاحة 0

* المسألة الخامسة : وتنقل المجلة على لسان الأستاذة أسماء الحسين المحاضرة في كلية التربية بالرئاسة العامة لتعليم البنات – وفقها الله لكل خير – ما نصه : " والجدير بالذكر أن كثيراً من الناس وليس النساء فقط لا يعتقدون بالأمراض النفسية ، ويميلون عوضاً عن ذلك إلى نعت كل مريض نفسي بالممسوس والمسحور " ، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام ما هي الأسباب الحقيقية وراء عدم اعتقاد كثير من الناس بالأمراض النفسية ؟

من وجهة نظري الشخصية ونتيجة لمعايشتي لكثير ممن طرق أبواب الطب النفسي أعتقد أن هناك أسباب وراء مثل هذا الاعتقاد ، ومن تلك الأسباب : أن الطب النفسي وليد حقبة قليلة من الزمن ولم يدرك الكثير من الناس إلى الوقت الحاضر أهميته في معالجة الأمراض النفسية ، وكذلك النظرة المالية البحتة عند بعض الأطباء بحيث لا يكون هم الطبيب في المقام الأول إلا استغلال الناحية المادية لدى المرضى ، ومن أسباب عدم اعتقاد الناس بالطب وعزوفهم عنه في الآونة الأخيرة ما يقع بجهل من بعض الأطباء في معالجة الحالات النفسية وترك انطباع سيء لدى تلك الحالات ، واعتقد أن من الأسباب الرئيسة لمثل ذلك التوجه ما يساء فهمه من قبل بعض الناس من حيث استخدام الأدوية في الطب النفسي والتي غالباً ما تترك انطباعاً لدى المريض على أنها مواد مخدرة أو منومة فيعيش في نوم وخمول ونحو ذلك ، وهذا الكلام لا يعني مطلقاً التقليل من أهمية الطب النفسي ، إنما القصد من الكلام آنف الذكر إعطاء هذا الجانب أولوية في الدراسة والبحث العلمي ، وكذلك تثقيف المرضى بالجوانب المتعلقة بالأمراض النفسية ووضع من هم أهل لحمل أمانة هذا العلم في موضعه الذي يجب أن يكون عليه 0

* المسألة السادسة : وتلك وقفة مهمة مع بعض القصص التي تعرضها مجلة الأسرة في هذا التقرير تحت عنوان : " توغل هاجس السحر عند النساء " ، وتبدأ بالقصة الأولى ( مطلقة وساحرة ) والتي تتحدث عن إنسانة طلقت من زوجها بسبب اتهامها بالسحر ، والثانية ( تهمة بلا دليل ) والتي تتحدث عن تهمة لإحدى الفتيات في سحر زوجة أبيها ، والثالثة ( عقيم أم مسحورة ) ، والرابعة ( هل ابني مسحور ) ، والخامسة ( وحدة وليست سحراً ) ، والسادسة ( قوة خفية ) ، والسابعة ( لست عقيماً ) 0

وأذكر في هذا المقام نقاط محددة لا بد من إيضاحها لدى القارئ الكريم :

1)- إن الواقع الذي ذكر في كثير من القصص التي تم إليها الإشارة آنفاً هو واقع فعلي يؤكد على عدم وعي وإدراك كثير من الناس مسألة تقرير وإثبات جريمة السحر من الناحية العملية ، وقد تطرقت لهذه المسألة بتفصيل دقيق في كتابي بعنوان ( الصواعق المرسلة في التصدي للمشعوذين والسحرة ) تحت عنوان ( إثبات جريمة السحر ) وأكدت من خلال هذا البحث على ضرورة توفر ركنين أساسيين لإثبات هذه الجريمة ، الأول : الإسناد المادي والذي يثبت بطرق ثلاثة : الإقرار والشهادة وقرائن الأحوال ، أما الركن الثاني : القصد الجنائي، ويقوم على عنصرين : الإرادة والعلم 0

وهذا الكلام يؤكد على ضرورة التأني في إصدار الأحكام جزافاً دون التريث والتأني والإلمام بكافة الظروف والأحوال الخاصة بالحالة المرضية ، وهذا الكلام ينطبق على الجميع ابتداء من العامة والخاصة والمعالجين وكذلك الأطباء العضويين والنفسيين ، ولا زلنا بحاجة ماسة إلى نشر التوعية الدينية والاجتماعية بين الناس بكافة الوسائل والأساليب المتاحة 0

2)- لا بد من التركيز على أمر في غاية الأهمية وهو نشر التوعية الشرعية والثقافية المتعلقة بالأمراض الروحية خاصة ما يتعلق بداء السحر ، وبيان أثره وتأثيره وتحذير العامة والخاصة من هذا الخطر العظيم ، والتركيز على إيضاح ما يتعلق بالسحر والكهانة والشعوذة والعرافة من خلال كافة المنابر الدعوية المتاحة 0

3)- تقوى الله سبحانه وتعالى من قبل العامة والخاصة ، دون اللجوء إلى إلقاء التهم الباطلة جزافاً والتي لا تمت للواقع بصلة لا من قريب ولا من بعيد ، وتحكيم شرع الله سبحانه وتعالى والتفكر والتأمل في الآية الكريمة : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ( سورة الحجرات – الآية 6 ) 0

4)- لا بد من الاعتقاد الجازم بأنه لا يوجد بأي حال من الأحوال أي تعارض فيما بين الرقية الشرعية والطب العضوي والنفسي ، ونحن مطالبون بالنسبة للعلاج والاستشفاء باتخاذ الأسباب الشرعية من ذكر ودعاء ورقية وقراءة قرآن ونحو ذلك ، كما أننا مطالبون باتخاذ الأسباب الحسية من خلال مراجعة المستشفيات والمصحات والعيادات واستخدام الدواء اللازم مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشفاء من الله سبحانه وتعالى وحده 0

5)- لا يجوز بأي حال أن ننكر أن السحر قد يؤدي إلى العقم وعدم الإنجاب ، وإعطاء تأويلات وتحليلات لكافة الحالات المرضية المصابة بهذا المرض على أنها عضوية أو نفسية ، ولا ننكر مطلقاً أن بعض الحالات قد تعاني من أعراض عضوية ، وأخرى تعاني من أعراض نفسية ، وكذلك فإن بعض الحالات المرضية قد تكون بسبب أعراض روحية وخاصة الإصابة بالسحر ، وقد استعرضت في بحث تفصيلي في كتابي الموسوم ( الأصول النديى في علاقة الطب بمعالجي الصرع والسحر والعين بالرقية ) بعض النصوص النقلية الصريحة وأقوال علماء الأمة قديماً وحديثاً والتي تؤكد على ذلك 0

وكافة تلك النقولات تؤكد على حقيقة السحر وأنه قد يؤدي إلى ربط الزوج عن زوجه وحصول العقم على اعتبار أنه مرض كسائر الأمراض ، ولكن يبقى الأمر المهم وهو البحث عن الحقيقة عند أهل الاختصاص سواء معالجين أو أطباء عضويين أو نفسيين للوقوف على الأسباب الرئيسة للمعاناة والألم 0

6)- قد يدخل الشك إلى بعض النفوس بأنها قد تعرضت لنوع من أنواع السحر لأي سبب كان ، وفي هذه الحالة فإنهم مطالبون باتخاذ الأسباب الشرعية لتأكيد ذلك من عدمه من خلال رقية أنفسهم بالرقية الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة والأثر ، وإن استدعى الأمر لعرض أنفسهم على بعض الاخوة المعالجين أصحاب العلم الشرعي الحاذقين المتمرسين فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى ، مع الحرص التام على عدم إلقاء الاتهامات يمنة ويسرة والوقوع في الوساوس والأوهام والشك 0

7)- إن الشعور بأية أعراض طبية عضوية يستلزم مراجعة الأطباء الأخصائيين لتحديد الداء ووصف الدواء النافع بإذن الله تعالى ، أما بالنسبة للشعور بالاضطرابات النفسية فالأولى مراجعة المعالجين أصحاب العلم الشرعي الحاذقين المتمرسين للوقوف على الأسباب الرئيسة للمعاناة ، فإن تبين مع غلبة الظن بأن المعاناة روحية عند ذلك يستمر المريض بالعلاج بالرقية الشرعية ، وإن تبين غير ذلك وأن الأمر يتعلق بالاضطرابات النفسية عند ذلك تحول الحالة المرضية لأهل الاختصاص في هذا النوع من أنواع الطب 0

8)- أما حصول بعض الأشياء الغريبة في المنازل وسماع أصوات وعبث ونحو ذلك من أمور أخرى فكل ذلك واقع لا ينكره إلا جاحد ، وكثيرا ما نسمع في وقتنا الحاضر عن أحوال غريبة تحصل هنا وهناك من حرق للبيوت ، وعبث في الأثاث ، وسرقة من المحتويات ، أو سماع أصوات غريبة في بعض المنازل ، ونحو ذلك من أشكال الإيذاء التي قد يتعرض له ساكنو تلك البيوت ، وقد ورد في السنة النبوية المطهرة ما يثبت وجود نوع من أنواع الجن يحلون ويظعنون وهم ما يطلق عليهم اسم ( العمار ) ، وهذا الصنف قد يصدر منه بعض المظاهر آنفة الذكر ، فقد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه أبي ثعلبة الخشبي - رضي الله عنه - قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ( الجن ثلاثة أصناف ، فصنف لهم اجنحة يطيرون بها في الهواء ، وصنف حيات وكلاب ، وصنف يحلون ويظعنون ) ( صحيح الجامع 3114 )

* سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إيذاء الجن والشياطين برمي الحجارة وإغلاق المصباح فأجابت :

( قد يكون هؤلاء نفرا من شياطين الجن اعتدوا عليك وعبثوا بك لتخرج من البيت أو لمجرد العبث بك واللعب عليك وقد يكون منهم انتقاما منك لإيذائك إياهم من حيث لا تعلم ، وعلى كل حال الجأ إلى الله وتحصن بتلاوة كتاب الله في البيت وقراءة آية الكرسي عندما تضطجع في فراشك للنوم أو الراحة ، وتستعيذ بالله من شر ما خلق وتقول :( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات ) ، وتقول كلما دخلت البيت : ( اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ) ، وتقول عند كل صباح ومساء ثلاث مرات : ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) 0
وبالجملة تحافظ على تلاوة القرآن في البيت وغيره ، وعلى الأذكار النبوية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فتذكر الله بها في أوقاتها ليلا ونهارا في البيت وغيره وتجدها في كتاب الكلم الطيب لابن تيمية ، وكتاب الوابل الصيب لابن القيم وكتاب الأذكار للنووي وغير ذلك من كتب الحديث ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ) ( مجلة البحوث الإسلامية - العدد 27 - ص 76 - 77 ) 0

9)- أما ما ذكره الدكتور محمد المهدي استشاري الطب النفسي – وفقه الله لكل خير – عن بعض الحالات التي تشكو من غثيان وقشعريرة وآلام في البطن عند دخول المنزل ، فلا يمكن الحكم على كافة الحالات أنها تعاني من علل نفسية ، وقد ينطبق الحكم والوصف المشار إليه على الحالة التي ذكرها الدكتور الفاضل بسبب معاناة نفسية مع أم الزوج ، أما التعميم فلا يجوز ، وقد يحصل مثل تلك الأعراض بسبب الإصابة بالعين للمنزل أو الشخص ونحو ذلك ، والضابط في ذلك كله الدراسة العلمية الموضوعية المتأنية للوصول إلى الحق المنشود 0

* المسألة السابعة : وتنقل المجلة ما نصه : " كادت ظاهرة السحر والشعوذة أن تنقرض في الكويت بعد انتشار التعليم في البلاد في حقبة السبعينات والثمانينات ، لكن الظاهرة عادت مرة أخرى للانتشار بعد محنة الغزو التي خلفت مشكلات نفسية مريرة " 0

وهذا الكلام ليس واقعياً على الإطلاق ، وإن كان الظاهر يوحي بذلك، فظاهرة السحر منتشرة في الكويت وفي غيرها منذ زمن بعيد ، ولكن لم يدرك كثير من الناس خطورة هذه الظاهرة إلا في العقد الأخير من الزمن ، ومن أراد التأكد من ذلك فليراجع الاخوة الثقات ليسألهم بنفسه عن هذا الأمر ، ومن هؤلاء الاخوة الأفاضل الشيخ ( عبدالله الحداد ) رئيس وحدة الإرشاد الصحي بجمعية مكافحة التدخين والسرطان في دولة الكويت الشقيقة وهو من أهل الاختصاص في مجالات الرقية الشرعية ، ونحسبه على خير وصلاح والله حسيبه ، هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فالقول بأن التعليم قد أدى إلى تلاشي هذه الظاهرة ، فعلى العكس من ذلك تماماً ، وقد أكدت على هذه الحقيقة كثير من الدراسات والأبحاث التي أوضحت على أن كثيراً من المثقفين والمتعلمين بل من حملة الشهادات العليا يطرقون أبواب السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين وقد أكدت على هذا المفهوم الباحثة حياة سعيد با أخضر في أطروحتها العلمية لنيل درجة الماجستير بعنوان ( موقف الإسلام من السحر– دراسة نقدية على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ) 0

وبالعموم فإني أنقل ما ذكره صاحبا كتاب " السحر والسحرة " في عرض جلسة نقاش مع أحد السحرة في إيضاح خطورة هذه الآفة وأثرها على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم ، وأختار جزء مما كتب في ذلك بشكل سؤال وجواب كي أؤكد على بعض الحقائق التي تخفى على كثير من الناس : ( وزبائنك ؟ مختلفون ومتعددون ، رجال ونساء ، ومن الأكثر ؟ قديماً كانت نسبة النساء أكثر من الرجال ، وأعتقد أنه منذ أوسط الثمانينات وأصبحت نسبة الرجال الذين يتعاطون السحر تتراوح ما بين 60 و 70 في المائة ، وماذا اكتشفت من بين زبائنك ؟ لاحظت أن المرأة هي المتهمة بالدرجة الأولى بالسحر ، في حين أننا نجد من الزبائن تجاراً وأرباب أعمال ، بل ومنهم من تجده ينكر السحر علانية ، ولكنه يمارسه في الخفاء ، وبتجربتك لماذا يلجأ هؤلاء للسحر ؟ المسألة بسيطة في حد ذاتها، فهؤلاء الناس ( رجال ونساء ) شخصيتهم ضعيفة وفاشلون في حياتهم وفي المجتمع ، ولا قدرة لهم لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم بالعمل والمثابرة والصبر ، فيلجأون للطرق السهلة والقصيرة التي تؤدي في النهاية لتحقيق طموحاتهم ، وهل تحقق لهم هذه الطموحات بالسحر ؟ ليس كلها، لماذا ؟ لأن هناك مضادات للسحر ، فقهاء يفسخون الوصفات التي نقدمها ) ( السحر والسحرة – باختصار – ص 52 ، 56 ) 0

أما القول بأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد تؤدي إلى بعض الاضطرابات النفسية فهذا هو الواقع العملي المشاهد والمحسوس عند البعض ، وهذا يؤكد على أهمية البحث والدراسة للوصول إلى أصل المعاناة والألم وتحديد الداء ووصف الدواء النافع بإذن الله تعالى 0

* المسألة الثامنة : وتنقل المجلة على لسان الدكتور محمد المهدي أخصائي الطب النفسي – وفقه الله لكل خير - ما نصه : " أن معظم من يدعين أنهن مسحورات ينقطعن عن العلاج بالسحر بمجرد معرفة الأسباب الحقيقية من خلال اعترافهن التدريجي في الجلسات النفسية ، لأنهن لا يرغبن في الوصول إلى حل فعلي " ، وهذا الكلام يحتاج إلى الدقة والتأمل ، ولا يعني ذلك أن بعض ممن تدعي أنها مصابة بالسحر ينطبق عليها الحكم والوصف المشار إليه من قبل الدكتور الفاضل ، أما أن نعمم الأمر على أن كل امرأة تدعي السحر وتنقطع عن العلاج به بمجرد معرفة الأسباب الحقيقية من خلال الجلسات النفسية فهذا الكلام مجانب للصواب ، وليس من المصلحة الشرعية مطلقاً أن ينشر ذلك بين القراء الأعزاء ، فالهدف والغاية لا بد أن تكون دائماً وأبداً مراعاة المصلحة الشرعية للحالات المرضية وذويهم ، وهذا بطبيعة الحال لن يتحقق إلا من خلال الدراسة الموضوعية المتأنية للحالة للوقوف على أصل المعاناة ، سواء كانت المعاناة عضوية أو نفسية أو روحية ، وذلك لاتخاذ الإجراءات العلاجية المناسبة عند أهل الخبرة والاختصاص 0

* المسألة التاسعة : وتنقل المجلة على لسان الدكتور محمد الصغير استشاري الطب النفسي – وفقه الله لكل خير - ما نصه " ليس للسحر صورة واحدة أو صور محددة لا يخرج عنها في الأعراض والعلامات وإن كان بعض الرقاة يسعون إلى وضع تصورات تقيد حالات السحر بأعراض محددة تكون جامعة مانعة ، ويبدو أن هذا أمر يصعب ضبطه ، لأن السبب الخفي ( السحر ) لا يمكن دراسته بدقة من خلال الاعتماد على الأمور الظاهرة المدركة بالحواس " 0

وحول نفس المعنى المشار إليه آنفاً تنقل مجلة الأسرة على لسان الدكتور محمد المهدي أخصائي الطب النفسي – وفقه الله لكل خير – ما نصه : " إن السحر ثابت في الكتاب والسنة ، ولا مجال لإنكاره ، ولكنه شيء غيبي لا يستطيع أحد الجزم بوجوده في مريضة ( أو مريض ) " 0

إن مسألة دراسة الأعراض المتعلقة بظاهرة السحر من قبل الاخوة المعالجين أصحاب العلم الشرعي الحاذقين المتمرسين ووضع كافة الأعراض المتعلقة بها أمر لا ينكره أحد ، بل أقره جمع من أهل العلم قديماً وحديثاً 0

يقول فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين – حفظه الله - : ( معلوم أن الراقي الذي تتكرر عليه الأحوال ويراجعه المصابون بالمس والسحر والعين ويعالج كل مرض بما يناسبه أنه مع كثرة الممارسة يعرف أنواع الأمراض النفسية أو أكثرها وذلك بالعلامات التي تتجلى مع التجارب فيعرف المباشرة بتغير عينيه أو صفرة أو حمرة في جسده أو نحو ذلك ، ولا تحصل هذه المعرفة لكل القراء وقد يدعي المعرفة ولا يوافق ذلك ما يقوله ، لأنه يبني على الظن الغالب لا على اليقين ، والله أعلم ) ( الفتاوى الذهبية – ص 20 ، 21 ) 0

بل قد أكد على ذلك المتخصصون وبعض الأطباء النفسيين أنفسهم ومن ذلك ما ذكرته الأستاذة أسماء الحسين – وفقها الله لكل خير - في نفس تقرير مجلة الأسرة حيث أشارت إلى عدد من المعايير للتفرقة بين السحر والاضطراب النفسي وذكرت بعض من تلك المعايير وهي :
1)- في حالة السحر يشيع لدى المسحور صدود وإعراض عن ذكر الله تعالى 0
2)- يرى المسحور في منامه كثيراً من مشاهد الخراب والظلام والحيوانات كالأفاعي والقطط السوداء مثلاً 0
3)- تأثير السحر على شخص يكون بتحديد معين ، كمن يربط عن الزواج مثلاً 0
4)- رفض المسحورين علاج أنفسهم بالقرآن الكريم 0
5)- يجهل المسحور أنه واقع تحت تأثير السحر والمس الشيطاني ، ويقوم بفعل أشياء لم تكن من طبعه أو متوقعة منه وقد يستغربها هو نفسه 0

وهذا يدل بطبيعة الحال على أن هناك أعراض خاصة بطبيعة السحر وأثره ، وقد أثلج صدري ما كتبته الأستاذة الفاضلة ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على نظرتها المتأنية والمتبصرة في أصل القضية ، فجزاها الله خير الجزاء ووفقها للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم 0

ونقل مثل ذلك المفهوم الدكتور الفاضل ( ياسر عبد القوي ) في كتابه الموسوم ( الأمراض النفسية ) حيث يقول : ( للمس أعراضه وآثاره التي تميزه وإن كانت تتشابه مع بعض الأعراض النفسية ، وأحياناً يكون التشابه شديداً وأهل الخبرة والدراية فقط هم الذين يستطيعون التفريق بينهما ، ولهذا يجب الحيطة والحذر الشديدين في التعامل مع الأعراض لإعطاء التشخيص الصحيح ، وهذه الأعراض كثيرة ، فمنها النفسية والجسمانية والروحية ) ( مجلة الفرحة – العدد ( 42 ) – مارس سنة 2000 م – ص 26 – 27 - نقلاً عن كتاب " الأمراض النفسية " ) 0

مع أني لا زلت أركز تركيزاً هاماً على أهمية التزام منهج البحث العلمي المتأني للوصول إلى أصل المعاناة والألم 0

ولا بد من إيضاح مسألة مهمة جداً للأطباء العضويين والنفسيين تتعلق بمسألة تحديد وتشخيص طبيعة الأمراض الروحية بشكل عام والسحر بشكل خاص ، حيث أن السحر ونفاذ تأثيره يقع ضمن نطاق غيبي ، وهذا صحيح ولا نشك به مطلقاً ، إنما الأمر الذي يجب فهمه وإدراكه أن المعالجين لا يتدخلون في القضايا الغيبية بقدر تعاملهم مع التأثيرات التي تحصل نتيجة الإصابة بداء السحر أو بناء على التعامل مع الأمور المحسوسة والملموسة من التقاء عالم الإنس بعالم الجن وحصول بعض التأثيرات نتيجة لذلك ، وكون أن يقوم الاخوة المعالجين ببعض التقسيمات بناء على ذلك ، فلا غبار على ذلك البتة ، فهذا أمر مطلوب لإيضاح تلك الآثار للعامة والخاصة وتبصيرهم بها وهو أمر مشروع ولا يملك أحد حقاً في انكاره وقد أكد على ذلك الأمر جمع من أثبات أهل العلم قديماً وحديثاً ، أما ادعاء بأن تلك الأعراض يصعب ضبطها فهذا الكلام مجانب للصواب ، أما القول بأن الأمر يحتاج إلى البحث والدراسة والدقة المتأنية قبل إصدار الأحكام دون الجزم فهذا هو عين اليقين في هذه المسألة التي لا زالت تحتاج إلى بحث وتدقيق موضوعي متأني 0

* المسألة العاشرة : يقول الدكتور محمد المهدي أخصائي الطب النفسي – وفقه الله لكل خير– : " وحالات السحر ليست بالكثرة التي يروج لها المعالجون الشعبيون " 0 وأقف مع كلام الدكتور الفاضل وقفتان :

الأولى : أود الإشارة من خلال هذه الوقفة على حقيقة مرة وهي أن انتشار ظاهرة السحر في الآونة الأخيرة أصبحت ملفتة للنظر وليس كما يدعي الدكتور المهدي – وفقه الله لكل خير - ، حيث أن ضعف الوازع الديني ، وتكالب ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على الناس أدى إلى ما أدى إليه من وجود ملفت للنظر لظاهرة السحر وأثرها وتأثيرها ، وكذلك حب الدنيا وشهوتها خاصة من قبل النساء وانتشار السحرة والمشعوذين في كافة أنحاء العالم الإسلامي دون رادع أو وازع إلا في بلاد قلة حباها الله سبحانه وتعالى بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ومنها المملكة العربية السعودية التي لا زالت تحمي حمى العقيدة وتصون هذا الدين وأهله فأسال الله العلي القدير أن يوفق ولاة الأمر فيها للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم 0

كل تلك العوامل أدت إلى انتشار هذه الظاهرة وبشكل واسع ، ولا أدري هل يخفى على الدكتور الفاضل أن نسبة 95 % من العمالة الوافدة إلى المملكة العربية السعودية خاصة من منطقة شرق آسيا تتعاطى السحر والدجل والشعوذة ؟ بل قد تأكد لي أنهم يدرسونه في مدارسهم ، ويتعلمونه في طرقهم ، وهل يعلم الدكتور الفاضل أن كتب تعلم وتعليم السحر تباع على قارعة الطريق في كثير من بلدان العالم الإسلامي ، وهل يعلم الدكتور أن بعض صفحات الإنترنت أصبحت متخصصة بالسحر وفنونه وخفاياه ، وهل يعلم الدكتور أن انتشار هذه الظاهرة وبشكل ملفت للنظر أصبحت تمارس عن طريق الهاتف ، فما عليك إلا الاتصال بالساحر وإعطائه اسم أمك وأبيك ثم أعد الاتصال لاحقاً ليحدد لك أسباب المعاناة ويطلب منك تحويل مبلغ معين من المال ليقوم بحل السحر المعقود لك ، وإن شاء الدكتور الفاضل أن يعلم حقيقة انتشار السحرة والمشعوذين فأنصحه بزيارة المشرف العام عن هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الرياض لمعرفة عدد الأشخاص الذي ثبت تعاطيهم السحر والشعوذة مع أننا نتكلم عن المملكة العربية السعودية وهي حصن الإسلام الحصين التي تلاحق هذه الفئة الباغية وتطبق في حقها الأحكام الشرعية ، فما بالك في كثير من بلدان العالم الإسلامي الذي يصول ويجول فيها السحرة والمشعوذون والدجالون بحماية ووقاية من الدولة 0

واعتذر لأخي الدكتور المهدي فليس القصد من طرح هذا الموضوع تسفيه رأية أو الانتقاص من قدره ، بل على العكس من ذلك تماماً ، فالهدف من ذلك كله توعية الجميع بخطورة السحر على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم ، ولا بد أن يسعى إلى تحقيق هذه الغاية ولاة الأمر – وفقهم الله لكل خير – والعلماء وطلبة العلم والدعاة والمخلصون ، من خلال وسائل الإعلام والأجهزة المرئية والسمعية وكافة المنابر الدعوية المتاحة ، أما أن يترك الأمر هكذا دون إعطاء هذا الأمر الأهمية اللازمة فإن الظاهرة سوف تستفحل والأمور سوف تتعقد وكل ذلك سوف يضر بالمصلحة الشرعية العامة للإسلام والمسلمين 0

الثانية : أما قول الدكتور المهدي – وفقه الله لكل خير– " المعالجون الشعبيون " ، فلا أدري إن كان يقصد بقوله هذا السحرة والمشعوذون فقد أخطأ التعبير إن كان الأمر كذلك ، أما إن كان القصد من ذلك الاستخفاف بالمعالجين بالرقية الشرعية ، فأحمد الله سبحانه وتعالى أن الرقية الشرعية والقائمين عليها من أصحاب العلم الشرعي المتمرسين الحاذقين قد قدموا الكثير في معاونة إخوانهم المرضى والوقوف معهم والأخذ بأيديهم ، وقد كتب الله سبحانه وتعالى شفاء كثير من الحالات المستعصية سواء كانت أمراض عضوية أو نفسية أو روحية ، فالفضل والمنة له سبحانه وتعالى وحده أولاً وأخيراً 0

* خلاصة هذا التقرير :

وأخلص من خلال هذا التقرير إلى أمور هامة لا بد أن تتبلور عند الجميع سواء كانوا معالجين بالرقية أو أطباء عضويين أو نفسيين ، وأوجز هذه الأمور بالنقاط التالية :

1)- لا بد من التواصل بين الاخوة المعالجين والأطباء العضويين والنفسيين لما في ذلك من تحقيق للمصلحة الشرعية العامة 0

2)- لا بد من اهتمام الاخوة سواء كانوا معالجين أو أطباء عضويين أو نفسيين كل في تخصصه دون إقحام نفسه في المسائل أو القضايا التي ليست له علاقة بها من قريب أو بعيد 0

3)- لا زال هذا الموضوع – أعني السحر – بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة للوقوف على خفاياه وأسراره العجيبة وذلك من منطلق شرعي بحت 0

4)- لا بد من التوعية الشرعية للعامة والخاصة بخصوص هذا الموضوع من خلال اهتمام العلماء وطلبة العلم والدعاة بنشر الخطب والمحاضرات والندوات التي تبين خطورة السحر على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم ، وكذلك استخدام كافة وسائل الاعلام المرئية والسمعية وتسخيرها في تحقيق هذا الهدف 0


وفي الختام فإنني أقدم النصح لكل الاخوة الأطباء-وفقهم الله لكل خير- سواء كانوا عضويين أو نفسيين أن يرأفوا بإخوانهم المعالجين وأن يحسنوا صحبتهم وعشرتهم ، ولا يمنع ذلك البتة من تقديم التوجيه والنصح والإرشاد فيما يرى من تجاوزات وشطحات تتعلق بتجاوز الضوابط الطبية أو رؤية ما هو مخالف للأحكام الشرعية الظاهرة ، وهذا الأمر سوف يعمق التواصل بين الجميع ويؤكد على أخوة الإسلام وعظم قيم هذا الدين الحنيف ، حيث يؤكد سبحانه وتعالى على هذه الحقيقة فيقول جل شأنه : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) ( سورة الحجرات – الآية 10 ) 0

سائلاً المولى عز وجل أن يوفق الجميع للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، كما اسأله سبحانه أن يهدينا لما يحب ويرضى وأن يزرع المحبة في قلوبنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه 0

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0

أبو فهد
01-05-2006, 09:08 PM
بارك الله فيكم شيخنا الحبيب العزيز ( أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني ) وجزاكم الله خيرا ...

أبو البراء
02-05-2006, 06:27 AM
((( &&& بسم الله الرحمن الرحيم &&& )))

وفيكم بارك الله أخي الحبيب ومشرفنا القدير ( معالج متمرس ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0

ابو نايف
06-05-2006, 11:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل الشيخ الجليل أبو البراء
جزاك الله الف خير ورفع قدرك دنيا وآخرة يارب وجزاك عنا كل خير
ولك أعطر اصدق الدعاء والثناء
اخوكم

أبو البراء
07-05-2006, 07:24 AM
http://hawaaworld.net/files/23937/marsa137.gif

http://www.maknoon.com/mon/userfiles/heartttro11.gif

وإياكم أخي الحبيب وشاعرنا النجيب ( أبو نايف ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0

أبو فهد
28-05-2006, 05:47 PM
_____________________________________

... بسم الله الرحمن الرحيم ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم شيخنا الحبيب العزيز (أبوالبراء أسامه بن ياسين المعاني)
وحفظكم ورعاكم وجزاكم كل خير

والحمد لله رب العالمين أن حبانا (أبوالبراء أسامه بن ياسين المعاني) يرعانا بعطفه وكرمه
فأحتل قلوب المحبين الباحثين عن الحق في هذا المجال مجال

( الرقية الشرعية تأصيل وتقعيد في ضوء الكتاب والسنة وبفهم سلف الأمة )
فغدت مهادا وثيرة يختزنون فيها التقدير والاحترام لهذا العطف والكرم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

... معالج متمرس ...
_____________________________________

أبو البراء
28-05-2006, 09:30 PM
http://hawaaworld.net/files/23937/marsa137.gif

http://www.maknoon.com/mon/userfiles/heartttro11.gif

بارك الله فيكم أخي الحبيب ومشرفنا القدير ( معالج متمرس ) ، وزادكم الله من فضله ومنه وكرمه ، مع تمنياتي لكم بالصحة والسلامة والعافية :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0