المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام والصحة والطب !!!


أبو البراء
19-09-2004, 06:09 AM
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

إن تعاليم الإسلام وشرائعه تدعو إلى المحافظة على الصحة الروحية والبدنية والنفسية وتنميها وترقيها إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه في هذه الحياة الدنيا ، وهي تدل في ظاهرها على ارتباط وثيق بالطب وأهله ، ومن ذلك ما ذكر من أنواع العلاج بالرقية والنبات والغذاء وعلاج الأمراض الروحية والجسدية وما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم من أصول الطب ومجالاته المتنوعة 0 وقد كتب بعض رجالات أهل العلم في ذلك كتباً قيمة نافعة ككتاب " الطب النبوي " لابن القيم والذهبي – رحمهما الله - ، ومن هنا فإنه يرى لتعاليم الإسلام مردودا حسناً على الصحة النفسية والروحية والبدنية 0 فعلى سبيل المثال نجد الصلاة وما يتقدمها من الطهارة والاستنجاء والوضوء واستخدام السواك ، لها أعظم الأثر على صحة الإنسان وسمو روحه وطهارة بدنه وتجنبه الأمراض والأسقام النفسية والبدنية 0

قال الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي : ( والرقية في حقيقتها : دعاء والتجاء إلى الله تعالى رب الناس ، ومُذهب البأس ، أن يكشف الضُرَّ ويشفي السقيم ، فهي لون من الطب المعنوي أو الطب الروحي أو الإلهي 0
والإسلام لا يمنع من استخدام الأدوية المعنوية والإلهية بجوار الأدوية الطبيعية ، وقد يُكتفى في بعض الأحيان بإحداهما دون الأخرى 0
والطب الجسماني مشروع ، حتى مع وجود ذلك النوع من الطب الروحي ، الذي يتجلى في الرقى الشرعية والتعاويذ النبوية 0
والنبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته هذا وذاك جميعاً ، فتداوى ، وشرع التداوي للأمة ، وصحَّت أحاديثه القولية والفعلية والتقريرية في ذلك ، وعُرِف في عدد من كتب الحديث " كتاب الطب " ) ( موقف الإسلام من الإلهام والكشف والرؤى ومن التمائم والكهانة والرقى - باختصار - ص 156 ) 0

قال الدكتور فهد بن ضويان السحيمي عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في منظومته لنيل درجة الماجستير : ( فقد اعتنى الإسلام بالأجساد وبالمحافظة عليها أيما عناية سواء بما يؤدي إلى الوقاية من الأمراض قبل وقوعها أو بما يعالجها بعد وقوعها فمن تأمل بعض الأحكام في الإسلام وجد لها حكمة بالغة في حفظ الأجساد والأرواح 0
فمثلا الوضوء والغسل فإن في ذلك من النظافة للجسم ما يقيه من الجراثيم التي لو تركت لتراكمت فينتج عنها من الأمراض ما لا يحمد عقباه وكذلك الصلاة فيها من الفوائد الصحية الشيء الكثير للروح والجسد وكذلك الصوم والحج ) ( أحكام الرقى والتمائم – ص 18 ) 0

قال الدكتور عمر يوسف حمزة عن قواعد الصحة العامة في الإسلام : ( أولى الإسلام الصحة عناية كبيرة ، وظهرت هذه العناية في جوانب متعددة تتمثل في الآتي :

أ – الوقاية : أولى الإسلام النواحي الوقائية الأهمية الكبرى ، وأرسى دعائم الطب الوقائي ، في الوقت الذي لم يهمل فيه النواحي العلاجية 0

ب- النظافة : أمر الإسلام بالنظافة ، وهي من الأسس التي يقوم عليها بناء الصحة المتكامل على مستوى الفرد والمجتمع ، والنظافة في الإسلام تخضع لنظام محدد ، يشعر الملتزم به بضرورة تنفيذه بدافع ذاتي مستمر لأنها شطر الإيمان 0

ج- الرياضة وتقوية البدن : كما دعا إلى تقوية الأبدان بالرياضة والعمل ، وحذر من الكسل وأنكر على من حرم على نفسه الاستفادة من الطيبات ، وكذلك حرم المسكرات ، ويشتمل ذلك البنج والأفيون والكوكايين والهيروين والحشيش 00 وما إلى ذلك مما يسكر الإنسان ويفقده وعيه ، وهو يشمل ما كان موجوداً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما أحدث بعدهم إلى قيام الساعة 0
وكما حرم الإسلام الخبيث من الطعام والشراب ، فقد حرم الفاحش من الأفعال ، وحفاظاً على صحة الإنسان البدنية والعقلية حرم عليه ما يؤدي إلى دمار جسده ويجر على الأمة وبال الأمراض الفتاكة 00 فقد حرم الزنا واللواط والسحاق وجميع ظواهر الشذوذ الأخرى 0
كما نهى عن إرهاق البدن ، ودعا إلى الاعتدال ، فالإسلام دين اليسر والسهولة 0 لا دين العسر والتشدد والتنطع بالانهماك في العبادة ، وهجر اللذات ، والإضرار بالنفس ، فلا ينبغي للمسلم أن يكون مفرطاً بهجر اللذات ، ولا مفرطاً بالإنكباب عليها ؛ لما في كل من الطرفين من مخالفة الفطرة المستقيمة ، والبعد عن الجادة 0
كما اهتم الإسلام بالرياضة ، ومن صورها الرماية والفروسية ، كما حث على السباحة 0
ومن صور الرياضة العبادات ، فإن مما لا شك فيه أن الصلاة فيها من حفظ صحة البدن ، وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو أنفع شيء له بالإضافة إلى ما فيها من حفظ صحة الإيمان ، وسعادة الدنيا والآخرة 0
وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة ، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة ، وأفضلها للبدن والروح والقلب ، كما في الصحيحين ، وكذلك الصوم يفيد الصحة ، وقد ثبت ذلك بالأدلة القطعية ، كما عني الإسلام بالصحة النفسية عناية فائقة لأن الإنسان في الإسلام روح وجسد ، وأن كليهما يؤثر في الآخر قوة وضعفاً ، وقد أثبت ذلك علماء النفس وأطباء الجسم ) ( التداوي بالقرآن والسنة والحبة السوداء - باختصار - ص 7 - 10 ) 0

قال الأستاذ محمد بن محمد عبدالهادي لافي : ( إن الإسلام اهتم واعتنى بصحة الإنسان لأهميتها في الحياة الدينية والدنيوية 0 وعد صحة المسلم من أجلِّ النِّعَمِ التي تلي نعمة الإيمان واليقين 0
والكثير من التعاليم والتطبيقات الصحية وردت في الإسلام بشكل مفروض أو مسنون ، ومنها داخل في صلب أركان العبادات أو مشروط لصحتها ومنها ما ورد بشكل قواعد صحية عامة ونعمة الصحة لا يقدرها حق قدرها إلا من فقدها ) ( عالج نفسك بنفسك – ص 10 ) 0

قال صاحبا كتاب "طرد وعلاج الجن بالقرآن" :( وقال بعض السلف : ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثاً : أن لا يدع المشي ، فإن احتاج إليه يوماً قدر عليه ، وينبغي أن لا يدع الأكل ، فإن أمعاءه تضيق ، وينبغي أن لا يدع الجماع ، فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها ) ( طرد وعلاج الجن بالقرآن – ص 11 ) 0

قال الأستاذ عكاشة عبدالمنان الطيبي : ( حض القرآن الكريم على طلب العلم والتفكر والتدبر ، وقدم معلومات طبية ، وهي عن المأكولات الضارة بالجسم ، ودعا إلى التطهر والصلاة والعبادة ، ودعا إلى المواظبة على الاشتغال بالعلم ، فإنه يحتوي أيضاً على تأملات عديدة ، خاصة بالظاهرات الطبيعية ، وبتفاصيل توضيحية لم يتوصل إلى معرفتها الإنسان منذ عهد قريب 0
ولقد أثارت هذه الجوانب العلمية التي يختص القرآن بها دهشة كثير من العلماء ، الذين لم يكونوا يعتقدون بإمكانية اكتشاف عدد كبير إلى هذا الحد من الموضوعات شديدة التنوع ، لم يكشف عنها إلا التقدم العلمي الذي حدث الآن 0
ولقد تعرض القرآن الكريم إلى مسائل صحيحة في الاعتناء بالصحة ، وسلامة الأجسام ، ثم توجيهاته في التحليل والتحريم في الأطعمة والأشربة ، وجاء لفظ الشفاء في القرآن الكريم في عدة مواضع ، للدلالة عن أن القرآن الكريم فيه رحمة للناس وشفاء 0
بالإضافة إلى ذلك ، فإن توجيهات القرآن الصحية ، والوقائية ، ونهيه عن بعض المحرمات ، وإشارته إلى بعض المعجزات يعتبر القواعد الأساسية ، والأسس الرئيسية التي ينبني عليها علم الطب بكافة فروعه 0
أما الطب من السنة النبوية فقد اشتملت على العديد من الفوائد وألف فيها الكثير من الكتب ، ومن الذين كتبوا في هذا العلم : الكحال ، والذهبي ، والبغدادي ، وابن قيم الجوزية 000 ) ( عالج نفسك بنفسك بالقرآن والسنة والأعشاب – ص 4 ) 0

قال الأستاذ محمود عبدالرحمن آل يحبى : ( لقد اهتم القرآن اهتماماً بالغاً بصحة الإنسان وسلامته واعتنى ببدنه عناية لا تقل عن عنايته بدمه وعرضه لأن حفظ النفس من الآفات والمهلكات مقصد من مقاصد شريعتنا الغراء 0
وعناية الإسلام بصحة الإنسان ليس بالأمر الهين وذلك لأهمية الصحة في حياة الفرد المسلم ، حيث يكون أقدر على القيام بواجبات وتكاليف الإسلام من أداء الصلوات والصيام والجهاد ، فالبدن الصحيح يؤدي هذه التكاليف بلا إعياء أو نصب ولا يقطعه عنها شواغل فكرية أو هموم نفسية ) ( أسرار الشفاء بالقرآن والسنة النبوية – ص 11 ) 0

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتداوي من الأمراض التي تصيب الإنسان ، كما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء ، علمه من علمه ، وجهله من جهله ، إلا السأم ، وهو الموت ) ( السلسلة الصحيحة 451 ) 0

قال المناوي : ( " إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله " فإذا شاء الله الشفاء يسر ذلك الدواء ، ونبه على مستعمله بواسطة أو دونها فيستعمله على وجهه وفي وقته فيبرأ ، وإذا أراد هلاكه أذهله عن دوائه وحجبه بمانع فهلك وكل ذلك بمشيئته وحكمه كما سبق في علمه ، وما أحسن قول من قال :

والناس يرمون الطبيب وإنما غلط الطبيب إصابة المقدور

علق البراء بموافقة الداء للدواء وهذا قدر زائد على مجرد وجوده فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية أو الكمية نقله إلى داء آخر ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته وكان العلاج قاصرا ومتى لم يقع المداوي على الدواء لم يحصل الشفاء ومتى لم يكن الزمن صالحا للدواء لم ينفع ومتى كان البدن غير قابل له أو القوة عاجزة عن حمله أو ثم مانع منع تأثيره لم يحصل البرء ومتى تمت المصادقة حصل ) ( فيض القدير – 2 / 256 ) 0

قال صاحبا الكتاب المنظوم " فتح الحق المبين " تعقيبا على النصوص التي تحث على التداوي ما نصه : ( لقد تضمنت النصوص السابقة كثيرا من الأمور :
منها : تقوية نفس المريض والطبيب كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء ) ( متفق عليه ) 0
ومنها : الحث على بذل الأسباب لطلب الشفاء كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( 000 نعم يا عباد الله تداووا 000 ) ( صحيح الجامع 2930 ) - الحديث 0
ومنها : أن بذل السبب لا يلزم منه حصول ما بذل له فقد يتداوى المريض ولا يحصل الشفاء لأسباب كثيرة 0
ومنها : مشروعية التداوي بالرقية الشرعية 0
ومنها : أن كل شيء بقضاء الله وقدره ) ( فتح الحق المبين – ص 87 ، 88 ) 0

يعقب الدكتور عبدالرزاق الكيلاني على مجموع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تحث على طلب الدواء مع وجود الداء فيقول :

هذه الأحاديث الشريفة تمثل قاعدة عظيمة من قواعد الطب أرساها النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنا ، فهو :
أولاً : جعل طلب الدواء امتثالا لأمر الله تعالى الذي وضع لكل داء دواء ، فقال لأصحابه - رضي الله تعالى عنهم - تداووا عباد الله ، وهم الذين كانوا ينسبون الأمراض إلى الأرواح الشريرة والشياطين00 ويتخذون لها التمائم والتعاويذ ، لذلك سألوه عليه الصلاة والسلام : أنتداوى ؟

( قلت - أبو البراء - : وهذا الاعتقاد كان في جاهليتهم وقبل اسلامهم ، وعندما دخلوا الاسلام رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على العقيدة الصحيحة وعلى التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى ) 0

ثانياً : فتح آفاق البحث والتجربة أمام الأطباء والعلماء ليكتشفوا لكل داء دواء ، فالدواء موجود ولكنه قد يبقى مجهولا إلى أن يكتشفه العلماء والباحثون 0

ثالثاً : بعث الأمل والتفاؤل في نفوس المرضى ، فلا ييأسون ويقول بعضهم : دائي ليس له دواء ، فإذا كان الدواء مجهولا اليوم فقد يكتشف غدا 0

رابعاً : بين أن الموت لا بد منه ، فلا خلود في الأرض ، وعندما يأتي القضاء يعمى البصر ولا ينفع الدواء :
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول ) 0
( الحقائق الطبية في الإسلام – ص 64 ) 0

وهذا يؤكد على أهمية الطب وأهله ، ويؤكد أيضا اعتناء الإسلام غاية الاعتناء بهذا الجانب في حياة الإنسان ، كيف لا وهو الجانب الذي يجعل المؤمن قويا في بدنه وعقله ، ويؤهله للارتقاء والتقرب من الخالق سبحانه بالطاعة على اختلاف أشكالها وتنوع طرقها ، علماً بأن الطب قبل الإسلام كان يعتمد على عقائد خرافية وتعاويذ سحرية ، وفي ذلك يقول الأستاذ عكاشة عبدالمنان الطيبي :

( لم يكن الطب قبل الإسلام إلا مجموعة عقائد خرافية ، وتعاويذ سحرية 0 ترتبط بالكهانة والعرافة والسحر ، ومن درس طب القدماء لرأى العجب العجاب مما كان يعتقد أنه طب 0
في كلدان وآشور وبابل استخدموا التنجيم في الطب 0 وكانت الأمراض تعزى للأرواح الشريرة ، وكان العلاج بالطلاسم والتعاويذ ، واخترعوا للطب آلهة أسموها " غولا " 0
وكان أصل الطب في مصر القديمة – في اعتقادهم – وحي من هرمس " مستودع الأسرار السحرية " ، وأن أسباب الأمراض أرواح شريرة تستولي على الأجساد فتمرضها ، وكان طبهم – حسب ذلك – يعتمد على إخراج العامل المرضي من الجسد ، واستخدام التعاويذ لطرد الأرواح الشريرة 0
وزعم الصينيون أن الطب خلطاً من الحكمة التجريبية ، والخرافات الشعبية ، وأن أصل الأمراض وسببها : الحر ، والبرد ، والجفاف ، والرطوبة 0
وفي الهند ، كان الطب ذيلاً للسحر ، ولذلك اعتمد علاجهم على التعاويذ السحرية لطرد العامل المرضي ) ( عالج نفسك بنفسك بالقرآن والسنة والأعشاب – ص 3 ) 0

ومن هنا نرى عظمة الإسلام في تقديمه وعرضه للقواعد والأسس الرئيسة لعلم الطب ، مما أدهش العلماء ووضعهم في حيرة من أمرهم إزاء المعلومات الطبية القيمة التي لا تزال تكتشف تباعاً ، ويتقرر مع البحث والدراسة من قبل المتخصصين أنها حق وصدق وتعتبر من العوامل الرئيسة في العلاج والاستشفاء 0

إن دراسة الطب بكافة تخصصاته تؤصل في نفسية دارسه قدرة الله سبحانه وتعمق نظرته في كنه هذا الإنسان الذي يعتبر بحد ذاته معجزة إلهية تفوق الوصف والتصور ، والطبيب يعلم أكثر من غيره عن حقائق مذهلة يقف أمامها عاجزا بفكره وتصوره وإدراكه ، ولا يستطيع أن يضع التفسيرات لبعض تلك المظاهر التي يراها ويتعامل معها من الناحية الطبية ، مع توفر كافة المخترعات والمكتشفات الطبية المذهلة ، وهذه النظرة أكدها الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه قائلا : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِى أَنفُسِهِمْ ) ( سورة الروم – الآية 8 ) 0

يقول الدكتور أحمد حسين علي سالم في رسالته العلمية التي نال بها درجة العالمية – الدكتوراه – في كلية أصول الدين بجامعة أم درمان الإسلامية في السودان : ( كل من يقرأ القرآن الكريم بتدبر وإمعان يجد فيه آيات بينات ، واضحات ، فيها إعجاز طبي ( أي حقائق طبية ) ذُكرت وما كان أحد يدرك كنهها قبل أو عند نزولها ، ولم يُعرف سر بعضها إلا قبل سنوات قليلة من أيامنا الحاضرة ، أي بعد حوالي أربعة عشر قرناً من نزولها على قلب سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى ) ( سورة النجم – الآية 3 ، 4 ) 0
إن تلك المعجزات العلمية لتدل دلالة واضحة أن القرآن الكريم منزل من عند الله سبحانه وتعالى ، وليس من عند بشر 0
فكيف لبشر أن يعرف حقائق علميةً كانت مجهولة بالنسبة له ؟ وغيرَ معروفة لدى أي إنسان في ذلك العصر أو قبله ، ولم تعرف إلا في القرن العشرين ووافقت معطيات العلم الحديث 0
إن المعجزات العلمية ، الطبية ، والظواهر الطبيعية ، وعلم الفلك والحشرات والنبات وعلم الأجنة ، ووظائف الأعضاء ، المذكورة في كتاب الله عز وجل ، مع أنه كتاب عقيدة ليرينا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا مصداقاً لقوله تعالى : ( سَنُرِيهِمْ ءايَاتِنَا فِى الأفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) ( سورة فصلت – الآية 53 ) 0
إن المتأمل المتفكر في آيات الله تعالى يهتدي إلى معرفة قدرته ، وأن لهذا الكون خالقاً ، وأنه لم يخلق بمحض الصدفة ، ولم يخلق عبثاً ، قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) ( سورة المؤمنون – الآية 115 ) 0
وقال الله تعالى : ( فلْيَنظُر اْلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) ( سورة الطارق – الآية 5 ) ويتيقن أن الله تعالى هو خالق كل شيء ، قال تعالى : ( قُلْ سِيرُوا فِى الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) ( سورة العنكبوت – الآية 20 ) 0
حقاً إن القرآن الكريم كتاب كامل ، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها ، لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها ، والبحث ، والتجريب ، والتطبيق من خواص العقل في الإنسان 0
والقرآن الكريم يعالج بناء هذا الإنسان ، بناء شخصيته ، وضميره ، وعقله ، وتفكيره ، كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقة المذخورة فيه 0
ولقد ذكر القرآن الكريم حقائق علمية ، وطبية واضحة جلية ، أو نوه عنها بلغة سهلة ، قبل أن يعرفها أحد من البشر 0
وبذلك تحدى علماء الحاضر ، والمستقبل ، فكشف لنا عن أسرار علم الأجنة ، والأنسجة ، والتشريح ، قبل أن تعرف ، وعندما عُرفت أَقرت بأن الحقائق العلمية الثابتة التي جاء بها القرآن الكريم ، هي كما وجدها العلم الحديث ، وهناك حقائق أخرى لم يُعرف سرها بيّنها الله تعالى في قوله : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) ( سورة الإسراء – الآية 85 ) وقال تعالى : ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) ( سورة الحج – الآية 73 ) 0
فكم من عالم خرّ ساجداً بين يديه ، وقد ذكرها القرآن الكريم قبله بأربعة عشر قرناً ، فالذين يتدبرون كلام الله هم الخاشعون ، الخاضعون ، الوجلون ، قال تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ( سورة فاطر – الآية 28 ) 0
وقال تعالى : ( وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ) ( سورة البقرة – اآية 259 ) 0
وقال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا ءاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) ( سورة المؤمنون – الآية 12 ، 14 ) 0
وقال تعالى : ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) ( سورة النجم – الآية 45 ، 46 ) فكل هذه المراحل والأدوار الدقيقة في خلق الجنين ، وتكوينه ، وتشريح جسده ، وأنسجته ، ذكرها القرآن الكريم قبل أن يعرفها البشر ، وقبل أن يُثبت صحتها الطِبُّ الحديث ، قال تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ) ( سورة الأنعام – الآية 38 ) ، لذا فإننا نقر بأن القرآن الكريم أُنزل هدى ورحمة للعالمين ، من لدن حكيم خبير ، فهو العلاج الكامل الذي لا مثيل له ، فعالج الجسد ، وغذّى الروح ، وهو خير علاج ، لأن الناحية النفسية تلعب دوراً هاماً في صحة الإنسان 0
حقاً ، إن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة فليس كمثله شيء في البيان ، والبلاغة ، والإتقان ، والإحكام وقوة أسلوبه ، ونَظم مواضيعه ، وفصاحة كلامه ، وحسنِ نسقه ، ورصانة منهجه ، وبلاغة تعبيره وجزالة ألفاظه وإعجازه العلمي ، والطبي ، والعددي ، وذكر الغيبيات ، والتشريع 0 فبتلاوته وتدبره تطمئن القلوب ، قال تعالى : ( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ( سورة الرعد – الآية 28 ) وقال تعالى : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ) ( سورة التوبة – الآية 51 ) 0
وقال تعالى : ( فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) " سورة آل عمران – الآية 159 " ) ( المرض والشفاء في القرآن الكريم – ص 5 ، 7 ) 0

إن ما يثلج الصدور فرحة وغبطة ما نراه ونسمعه اليوم من بروز أطباء إسلاميين متخصصين بكافة التخصصات ، وعلى مستوى علمي متقدم ، قد أثروا الطب وأهله بالدراسات والأبحاث الغنية النافعة ، وإننا تواقون إلى أن نرى الاهتمام بالجانب النفسي وربطه بالناحية الروحية ، وإثراء ذلك بالدراسات والأبحاث التي سوف يكون لها شأن عظيم في كافة المحافل الدولية والعالمية ، عند ذلك لن نسمع إلا ( بالطب النفسي الإسلامي ) 0

إن من تصدر الدراسات والأبحاث في الطب النفسي حتى يومنا الحاضر أناس بعيدون عن المنهج الرباني ، تقوم دراساتهم على النظريات والفرضيات والتجربة والخبرة ، وأما الطب النفسي الإسلامي فله جانبان : فأما الجانب الأول فيعتمد على أصول قرآنية وحديثية وهي وحي لا تقبل الخطأ كما هو الحال في الطب العضوي أو النفسي ، وهي بالتالي تقوم على حقائق ووقائع ثابتة ليست عرضة للتغيير والتبديل ، وأما الجانب الآخر فيعتمد على العلوم التجريبية والممارسة والخبرة في هذا المجال وهو أمر اجتهادي قد يعتريه الخطأ والصواب ، والتركيز على هذين الجانبين والاهتمام بهما غاية الاهتمام سوف يقود للنتائج الأكيدة التي سوف تقلب موازين الطب النفسي رأسا على عقب ، وهذا الكلام لا يعني مطلقا عدم الاستفادة من الدراسات والأبحاث الغربية ، إنما يجب توظيف تلك الدراسات بما يتماشى مع أحكام الشريعة لخدمة الإسلام والمسلمين ، وما دون ذلك لا نلقي له بالا ونلقيه وراء ظهورنا ، ونستبدله بما هو خير وأبقى وأصلح للأمة الإسلامية 0

إن المتأمل في النصوص الحديثية وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك بما لا يدع مجالا للشك اهتمام السنة المطهرة بالناحية النفسية وعلاج الانحرافات الطارئة عليها ، وما يؤكد ذلك ويدعمه ، اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بمواقف كثيرة وعلاجها من جانب نفسي ، ومثال ذلك قصة الفتى الذي طلب الإذن بالزنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قصة بول الرجل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحوه من مواقف كثيرة تعبر أيما تعبير عن هذا الاتجاه ، فالإسلام جاء بتعاليم ربانية تضبط السلوك والتعامل ، فوضع القواعد والأسس ، وتعامل مع النفس البشرية بما يتناسب مع فطرتها وجبلتها ، فصحح الانحرافات ، وقوم السلوك بما يتلائم مع العوامل التي تؤثر في حياة الإنسان من قريب أو بعيد ، والدارس لتلك النصوص يعلم حقا عظم الإسلام وتعاليمه النبيلة السامية واهتمامه بكافة مجالات الحياة المتشعبة 0

يقول الدكتور عبدالرزاق الكيلاني : ( أحاديث الوقاية هي أكبر قسم من أحاديث الطب والصحة ، لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج ، والوقاية هي المهمة الرئيسة للدولة ، فهي التي ترسم خططها وتوجه مسيرتها ، بينما المعالجة يستطيع أن يقوم بها الأفراد كما يشاؤون ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث طبيبا - وإن كان هو طبيب القلوب والأبدان - ولكنه بعث هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الخير وسراجا منيرا ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينشئ أمة من العدم ، ويُعدها لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتتصدى لتكون هادية العالم بأجمعه إلى الحق وإلى الصراط المستقيم ، ولا يتأتى ذلك لها إذا لم يكن أفرادها أصحاء أقوياء في أجسادهم ونفوسهم ، لذلك اهتم عليه الصلاة والسلام اهتماما بالغا بطرق الوقاية من الأمراض 00 وبتقوية النفوس والأبدان ، ويشمل ذلك كثيرا من الطرق والأساليب والأسباب ، فالنظافة وقاية ، والرياضة وقاية ، والتوسط في الأمور كلها وقاية ، والبكور وقاية ، وعدم الدخول إلى مناطق الأوبئة والأمراض وقاية ، وتحريم الخمر والفواحش وقاية ، كما أن هناك رقى إسلامية للوقاية يستفيد منها ذوو الإيمان العميق والعقيدة الراسخة ) ( الحقائق الطبية في الإسلام – ص 73 ) 0

قلت تعقيباًُ على كلام الكاتب " والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينشئ أمة من العدم " : القصد من كلامه – حفظه الله – أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم علم الأمة من حيث لم تكن تعلم شيئاً من أمور دينها ، والله سبحانه وتعالى هو الذي ينشئ من العدم ويخلق من العدم ، والله تعالى أعلم 0

وللأسف فقد اختلط الأمر بالنسبة لكثير من الناس وخاصة المعالجين بالقرآن والأطباء العضويين والنفسيين وموقفهم من الأمراض بشكل عام ، فمنهم من ركز على النواحي الروحية المتعلقة بالرقية الشرعية وألقى جانبا النواحي الحسية المتمثلة بالعلاج لدى الأطباء والمستشفيات والمصحات النفسية ، والقسم الآخر ركز على النواحي الحسية متناسيا تماما اتخاذ الأسباب الروحية المتمثلة بالرقية الشرعية ، وكلا الأمرين مجانب للصواب ، وفئة قليلة جمعت في طريقة علاجها بين اتخاذ الأسباب الشرعية والأسباب الحسية ، وهذه الفئة هي الموفقة والمسددة بإذن الله تعالى بسبب اتباعها المنهج النبوي من خلال اتخاذ كافة الأسباب حيث أن أخذ العبد بالأسباب أمر مطلوب شرعاً ، وهذا ما أصله رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال سيرته العطرة 0

يقول الدكتور محمد بن عبدالله الصغير الطبيب النفسي في كلية الطب بجامعة الملك سعود بالرياض – قسم الباطنية – فرع النفسية في تقديمه للكتاب الموسوم للشيخ عبدالله بن محمد السدحان : ( فلقد كثر خوض الناس مؤخراً في مواضيع الأمراض " خاصة النفسية منها " وأمور السحر والمس والعين ، وذلك بسبب انتشار هذه الأمور وغموضها وتعقيدها ، ودخل في هذا المجال من ليس أهلاً له مستغلين حاجة المريض وانكساره ، من المشعوذين والعرافين وجهلة الرقاة وغيرهم 0
وانقسم الناس في المجتمع إلى فئات عدة في هذه الأمور فمنهم :

- فئة تقتصر على النظرة المادية الحسية العقلية البحتة مستبعدة كل أمر غيبيّ سواءً كسبب للحالة ( كالسحر والمس والعين ) أو كعلاج ( كالرقية الشرعية ) بحجة أنها غيب لا يصح الخوض فيه وأن الأمراض لها أسباب مادية محسوسة 0

- وفئة تقتصر على النظرة المخالفة تماما للتعليل الحسي وتعزو كل الأمراض النفسية وغيرها ، إلى الأسباب الغيبية من سحر ومس وعين بحجة ثبوت الشرع بذلك 0

- وفئة ثالثة ( وهي الأقل ) ترى أنه لا تعارض بين الأمور الغيبية وتأثيرها وبين الأمور الحسية وتأثيرها وتسعى لإيجاد التقارب بين هذين الأمرين ، ولتوجيه الناس إلى بذل الأسباب المشروعة سواء كانت إيمانية أو مادية طبية بحتة ، لأن أخذ العبد بالأسباب أمر مطلوب شرعا ، فلا يمنعه من الرقية الشرعية تداويه عند الأطباء ولا العكس ) ( كيف تعالج مريضك بالرقية الشرعية ؟ - ص 15 - 16 )

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يفقهنا في دينه ، وأن يعيننا على أنفسنا ، وأن يقمع كيد الشيطان عنا ، إنه سميع مجيب ، وتقبلوا تحيات :

أخوكم المحب / أبو البراء أسامة بن ياسين المعاني 0

أسامي عابرة
24-02-2010, 03:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم شيخنا الفاضل أبو البراء

موضوع قيم ، اللهم بارك لكم وعليكم

نفع الله بكم ونفعكم وزادكم من فضله وعلمه وكرمه

في رعاية الله وحفظه

أبوسند
17-07-2010, 11:27 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جزاك الله خير شيخنا الحبيب أبوالبراء وبارك الله فيك
وفي جهدك وعلمك وعملك والله يكتب لك الخير حيث كان
جميع مواضيعك مميزه
أسأل الله أن يميزك بالعلم والطاعه
والله يرزقنا وإياكم الأخلاص بالقول والعمل
والله ينفع بك الإسلام والمسلمين
والله يجعلنا وأهلينا ووالدينا من أهل الفردوس
الأعلى