المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التداوي بالقرآن الكريم بين الالتزام والتجاوز


إيهاب حسن
27-01-2008, 07:04 PM
هذا الموضوع منقول


(الهادي).. شاب ظل يداوم على التردد عليّ بغرض الرقية.. وظللت أرقيه طيلة ثلاث سنوات متتالية.. ولكن لم يحدث أي أثر، ومع استمرار الحالة.. وبعد تفكر عميق طلبت منه أن يحضر معه في المرة القادمة واحدًا من أعضاء أسرته .. وفي اللقاء التالي حضر ومعه أخته، وبدأت أرقيهما معًا.. فإذا بأخته تستحضر – ينطق الجن الذي فيها- وبعدها بقليل إستحضر الهادي نفسه .. وواصلت الرقية حتى نطق الجني الذي يسكن الفتاة، أخبرني-على لسانها- أن السحر مدفون تحت النخلة التي في منزلهم، فسألته: في أي شيء دفن ؟.. هل هو في علبة، أم في لفافة، أم ماذا؟.. فقال الجني: في جثة طفل!!.. ويا لهول المفاجأة!! .. وبالفعل قاموا بالحفر تحت النخلة فوجدوا جثة طفل. و وجدوا بداخلها السحر!!.."

هكذا روى لنا أحدالمشتغلين بالعلاج القرآني أو الرقية الشرعية!! .. وعشرات القصص مثل هذه يرويها هؤلاء الناس.. و يقولون إن أمراضاً كثيرة تستعصى على الطب .. يقومون بمعالجتها بعد أن يكتشفوا أن سببها تلبس الجن بالإنسان!!.. لقد انتشر المعالجون بالرقي.. وافتتحت كثير من الدور – كعيادات – ولمعت كثير من الأسماء .. بعض الرقاة أدخل التكنولوجيا الحديثة في عمله مثل أجهزة الحاسوب وغيرها.. بل وصارت للرقية مواقع على شبكة الويب تستقبل استشارات الناس وتقوم بالرد عليها.. وتدلهم على العلاج وعلى المعالجين.

أصبح هذا النمط من (الطب) والعلاج ظاهرة أخذت حيزها في عالم اليوم، ومع تمددها .. تمددت كثير من التساؤلات والآراء حول هذه القضية.. هل هي ظاهرة صحية أم ظاهرة مرضية!!؟.. وما هي الضوابط الشرعية للرقية؟.. هل يسمى هذا النمط طبًا؟!!.. هل يجوز اعتبار الرقية مهنة ومصدرًا للكسب.. إلى غير ذلك من الآراء والتساؤلات التي انقسم الناس فيها بين مؤيد ومعارض..

ما هي الرقية الشرعية:

يقول الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة.. أستاذ أصول الفقه بجامعة القدس:

إن مس الجن للإنسان ثابت وقد قامت الأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الواقع يؤيد ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك) مجموعة الفتاوي 24/276.

ويكون العلاج من صرع الجن للإنسان بقراءة الآيات القرآنية والأوراد النبوية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشيخ محمد سيد حاج يرى أن: الأصل عند المرض الذهاب إلى الطبيب ولكن القرآن فيه شفاء للأمراض العضوية أيضاً و الشاهد في ذلك حديث اللديغ .

ويرى البعض الرقية الشرعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

أولاً: الرقية الشرعية الموجودة في كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، من آيات أو أحاديث، وهي رقية باللغة العربية الفصحى ومفهومة.

ثانيًا: رقية بدعية وهي عبارة عن خليط من الصحيحة وأُضيف إليها بعض إجتهادات البشر وهيه بدعة.

ثالثًا: الرقية الشركية وهي التي تقرأ على المريض بغير اللغة العربية وبلهجة غير مفهومة وبها استعانات واستغاثة بغير الله سبحانه وتعالى..)

إدارة الإفتاء والبحوث الشرعية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت هي الأخرى في فتواها رقم 87ع/92 بتاريخ 12/7/1992.

تجوز الرقية بشروط ثلاث:

أوليها: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.

ثانيها: أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.

ثالثها: أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بإذن الله تعالى وقدرته".

وتضيف في فتواها رقم 3ع/ 94 بتاريخ 6/7/1994م.

ما نصه: (ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الرقية من كل داء يصيب الإنسان بشروط أربعة:

الأول: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وبالمأثور الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذكر الله مطلقًا.

الثاني: أن يكون الكلام مفهوم المعنى، وألا يستعمل فيها الطلاسم والرموز التي لا يفهم معناها.

الثالث: أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بإذن الله تعالى وقدرته.

الرابع: أن لا تشتمل الرقية على شرك أو معصية.

وقد روى عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله، فكيف ترى في ذلك ؟! فقال صلى الله عليه وسلم: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك" أخرجه مسلم.

انتشار ظاهرة تلبس الجن بالأنس:

يزعم المعالجون بالرقية الشرعية أن ظاهرة تلبس الجن بالانس بسبب السحر أو المس أو العين قد انتشرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.. مما سبب كثيراً من الإشكالات الاجتماعية والتعقيدات الكبيرة .. يقول أحد الممارسين للرقية في إحدى الدول العربية أنه عالج ما يقارب الـ2 مليون حالة.


ويقول الأستاذ: المتنبئ عبد الله ـ أحد المعالجين بالقرآن الكريم بمدينة أمدرمان، السودان :

(لاحظت أن كل قبيلة من قبائل السودان ينتشر فيها نوع معين من الأمراض وأعتقد أن مرجع انتشار هذه الأمراض مؤخرًا في السودان يرجع إلى ظاهرة النزوح – عقب الجفاف والتصحر – التي ساعدت على انتشار الثقافة الوثنية السحرية.. ويقول إن أكثر الأمراض إنتشارًا هي إصابات العين.

كما يرى أن للسحر أثرًا كبيرًا في التحولات والتفكك الاجتماعي وشيوع التحلل الخلقي فيقول إن هناك مثلاً (سحر الجلب) الذي يستخدم في إغواء الفتيات للسقوط في مستنقع الرذيلة.

أما عبد الجليل آدم فضل: (متخصص في الرقية الشرعية) الخرطوم بحري – حي المزاد – فيقول:

إن أكثر الأمراض إنتشارًا هي العين – الحسد .. والسحر، وهناك فرق بين العين والحسد، فالعين قد تكون عين إعجاب فقط. بغير حسد. وقد تكون عين حسد، ويشتركان في كون الإصابة بها تكون عن طريق النظر من النفس الخبيثة. أو ما يسمى عند العامة بـ(النجيهة).

هل هناك تداخل بين الأمراض العضوية وأمراض المس الشيطاني:

الأستاذ المتنبئ عبد الله يرى أن : هناك تداخل كبير بين الأمراض العضوية والأمراض الروحية. أمراض المس الشيطاني. ويدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الطاعون من وخز إخوانكم من الجن) وأنا أذهب إلى أبعد من ذلك، بل أعتقد أن السبب الأساسي وراء الأمراض هو المس ولكني لا ألزم أحدًا بهذا الرأي .. فالطب الحديث متقدم في علاج (الظواهر والنتائج ولكنه متأخر في علاج الأسباب والمقدمات).

فمثلاً: (السكري) يذهب الطب إلى أنه ناتج عن خلل في البنكرياس ولكن لا يقدم تفسيرًا لهذا الخلل.. ما سببه .. أنا أعتقد أن الجن هو المتسبب في الخلل، وقد قمت بعلاج حالة من هذا النوع، وجدت أن الجن يسكن البنكرياس.. كذلك الحال في سرطان الدم (اللوكيميا) فقد مرت عليَّ حالة امرأة مصابة به، وكان الجن يجري في دمها، فعندما قرأت عليه قوله تعالى (وجاءوا على قميصه بدم كذب) استحضر الجن، وبعد ذلك خرج وشفيت المرأة تمامًا.

ولكن عبد الجليل آدم مع كونه يوافق المتنبئ في وجود التداخل بين الروحي والعضوي .. إلا أنه لا يذهب مذهبه في إرجاع سبب كل الأمراض العضوية إلى مس الجن فيقول:

ليس صحيحًا أن كل مرض عضوي سببه الجن بل هناك أمراض عضوية بحتة .. وهناك أمراض روحية بحتة ليس لها حتى أعراض قاهرة.. وهناك أمراض مشتركة.. بل إن المرض وإن كان في الاصل روحي ولكن العرض العضوي فيه أكبر .. فهنا يكون الأولى الذهاب إلى الطبيب.

تجاوزات المعالجين بالقرآن:

يتهم المشتغلون بالعلاج بالقرآن بأنهم يتوسعون في الأمر إلى درجة التجاوز وتنسب إليهم أفعال بعضها يدخل في باب المتفق على تحريمه .. وآخرون انزلقوا إلى استعمال الطلاسم وغيرها فوقعوا في ممارسة السحر وتسخير الجن .. ولكن بعض ما ينسب إلى التجاوز من هذه الأفعال محل اختلاف في وجهات النظر... وهذا الأخير باب كثر فيه الجدال بين المشتغلين بالرقية الشرعية وبين منتقديهم.

يقول الشيخ ياسر عثمان جاد الله: خطيب مسجد دار تحفيظ القرآن الكريم بالعيلفون:

هناك تجاوزات تحدث من بعض الممارسين للرقية الشرعية تدخل في باب الممنوع شرعًا .. مثل الخلوة بالمرأة الأجنبية ومس بدنها وأحيانًا تتكشف المرأة الممسوسة أمامهم.. والبعض لا يتورع عن هذه الأشياء لأنه يتعامل مع المسألة من ناحية تجارية بحتة .. كذلك من التجاوزات في هذا الباب المغالاة في أسعار الجلسات وتكاليف العلاج بما يرهق كاهل المرضى.

كذلك من التجاوزات: غلو بعض هؤلاء الرقاة في تحديد المس، حتى يتصورون أن كل شيء وكل حركة وكل أمر ناتج عن مس الشيطان .. الأمر الذي أدى إلى تثبيت الأوهام عند كثير من العامة والخاص.

و يذكرالدكتور طارق الحبيب-رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الملك سعود بالرياض- أن من هذه التجاوزات:

( الابتداع في أساليب العلاج و الرقية و التشخيص، فمنهم من يستخدم ذيل الذئب لاختبار و جود الجني من عدمه، ومنهم من يلسع بالكهرباء، و منهم من يشخص المريض أنه مصاب بالوشرة أو عنده تسنيم في الدماغ !! فيعالجه بالكي فيحرق رأسه، و على الأطباء فيما بعد أن يجتهدوا في علاج ضحاياه..).

ويوافق "المتنبئ" على وجود تجاوزات تقع من بعض المعالجين:

فيقول: "نعم هناك كثير من التجاوزات يمارسها بعض المشتغلين بالرقية مثل المغالاة في أسعار الجلسات بما يرهق كاهل المصاب .. وقد يرد بعضهم المصاب الذي ليس معه مال كافٍ .. وهذا ما لا نفعله.. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس الدخول في هذا العمل من غير تجربة كافية .. فهذا العمل قائم على أساس التجربة .. أحيانًا يقوم الجن بقتل الممسوس إذا لم يحسن الراقي التعامل .

كذلك من التجاوزات ما يفعله بعض المتصوفة .. فهناك كتب لطرق صوفية مجموع فيها احزاب وأوراد مثل (حزب السيف) و(حزب الأمان) وفيها كثير من المخالفات العقائدية.

ويرى عبد الجليل آدم: إن من التجاوزات الخلوة بالمريضة من غير محرم.. ويرى أن هناك فرقاً بين المغالاة في الأسعار وبين تحديد أسعار للجلسات .. فالتحديد هو نوع من (الجعالة) وفيه حسم لمادة النزاع .. ولكن المغالاة هي المذمومة. ويقول (نسمع عن أرقام فلكية غير متصورة .. وهذا يدخل العنت على المريض ويؤدي به إلى عدم مواصلة العلاج وربما إلى الموت أو الجنون .. والعلاج فيه إحياء للنفس وحفظ للعقل .. وعلى الرقاة أن يتذكروا أن الأمر هو دعوة في المقام الأول).

الضرب كوسيلة للعلاج:

يستخدم كثير من الرقاة الضرب في علاج المس ويعتبرونه وسيلة لإخراج الجني أو إخافته .. وحجتهم في ذلك ما يروي بعض العلماء – كشيخ الإسلام بن تيمية – أنه كان يضرب أثناء العلاج .. وحجتهم كذلك، أن الضرب يقع على الجني ولا يقع على الإنسي.

يقول الدكتور طارق الحبيب: يلجأ بعض الرقاة إلى استخدام الخنق و الضرب عند رقية مرضاهم مما يؤدي أحياناً إلى حدوث بعض الجروح و الحروق و أحياناً الموت، و مع أن هذه الطرق منتشرة عند بعض منهم إلا أنها تنتشر بشكل أكبر و بصورة متكررة عند قليلي الحظ من العلم الشرعي منهم أكثر من سواهم... أما الأضرار غير المحسوسة مما لا يمكن قياسه مثل إيهام بعض المعالجين بالقرآن المريض بأنه مسحور أو معيون دون أن يكون عند الراقي ما يثبت به قوله مما يؤدي بالمريض إلى الدخول في دائرة الوهم و الشك باحثاً عمّن سحره أو عانه فهذه الأضرار إن أمكن إثبات شيئ منها فللقاضي تعزيره بما يراه محققاً للعدالة و بما يحقق الردع لأمثاله.

ولكن الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد إلأستاذ بجامعة إفريقيا يرى مشروعية ضرب المريض مستشهداً بما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضربه بعض المصابين، كما أن بعض أئمة السلف قد فعله و لكنه يقول مستدركا؛ً أن الضرب لابد أن يكون في حدود معقولة.

يقول عبد الجليل آدم: بعض الناس يستخدمون الضرب بصورة أساسية وهذا خطر جدًا .. فبعض أنواع الجن يقتل، وربما قام بقتل المريض أثناء الضرب فتقع الجريمة على الراقي.. وطالما أن هناك وسائل أخرى غير الضرب فالأفضل تجنبه.. لأنه يخلق حاجزًا بين الناس وبين العلاج بالقرآن.

هل يجوز تخصيص بعض الآيات لبعض الأمراض:

يستعمل المعالج بالقرآن جميع آيات القرآن في العلاج .. ولكن في كثير من الأحيان تكون هناك آيات بعينها تقرأ لأمراض بعينها، آيات للعين،و آيات للسحر..إلخ، وأحيانًا يحدد لها عدد معين من التكرارات .. هذا الأمر أصبح واحدًا من مواطن النزاع هل هو مبني على التجربة والأمر فيه سعة أم هو تخصيص بغير مخصص من السنة أو القرآن.. فيدخل في باب البدعة؟.. إدارة الإفتاء والبحوث الشرعية بدولة الكويت تذهب إلى منع ذلك في فتواها رقم 87 ع/92، بتاريخ 21/7/1992م. حيث جاء فيها:(أما الرقى المرفقة بالفتوى وإن كانت من آيات القرآن الكريم إلا أن تخصيص الآيات المذكورة بما يقابها من أمراض مخصوصة على أن تقرأ مرات بعدد معين هو تخصيص بلا مخصص، فلا يكون العمل به مشروعًا فضلاً عما فيها من حمل الآيات على غير معانيها كما في ألم الأذن والاصفرار، الحصر والدم ونحوها كثير ...).

وعبد الجليل آدم يقول: (ما ورد بشأن تخصيص آيات للعلاج في السنة قليل جدًا .. ولكن الأمر مبني على التأويل في القرآن.. فما المانع إذا وافقت الآية المعنى، والقرآن لا تنقضي عجائبة .. والقرآن كله شفاء والأمر مبني على التأثير).

الرقية مهنة ومصدر كسب:

صارت الرقية مهنة من المهن التي وجدت لها موقعًا مميزًا في المجتمع .. خاصة أن الراقي أو ما يسمى شعبيًا بـ(الفكي) له وضعه المميز في المجتمع السوداني وقبوله الذي ليس له نظير باعتباره مظنة صلاح.. إضافة لما يضيفه المشهد من رهبة في نفوس الناس .. وتزداد هذه المكانة كلما كتب الله على يديه الشفاء لأمراض الناس التي تستعصى على الطب. بعض الرقاة المشهورون بلغوا درجة من الثراء الواسع .. هذا الأمر – في حد ذاته– يرى البعض أنه أصبح دافعًا لكثير من طالبي الثراء السريع للدخول في مضماره أحيانًا بغير أهلية.. وعمومًا لم يكن معهودًا عند سلف الأمة تفرغ البعض للرقية وإتخاذها مهنة، بل هي من الأمور التي استجدت في واقع اليوم .. صارت هذه الوضعية الجديدة مصدر جدل واسع بين الدعاة وأهل العلم والرقاة.

الشيخ ياسر عثمان جاد الله يقول:

أعتقد أن إتخاذ الرقية مهنة وحرفة هو في حد ذاته من التجاوز فجانب الخير والمعروف فيها أكبر من جانب المهنة.. ولم يعرف هذا عن السلف..كما أن هذا الأمر يفتح الباب أمام الكسالى والمتبطلين، فهي في اعتقادهم أقصر طريق للتكسب.

قريباً من هذا يذهب الشيخ د. حسام الدين عفانة – القدس –حيث يقول: (لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقي القرآنية أو بالأذكار الواردة، والاعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن، والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية، أو يعلن عن نفسه (العيادة القرآنية) ويوزع الكروت ويحدد المواعيد كالأطباء المتخصصين؛ لأن ذلك ليس منهج الصحابة والتابعين والصالحين، ولم يكن معروفًا مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان.. ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم.

ولكن الرقاة والممارسين للعلاج لهم رآي آخر .. حيث يقول عبد الجليل آدم فضل: (الأمر فيه سعة .. فالرقية فيها جانب عبادي وفيها جانب عادي، وهو التطبب .. فليس على الإنسان حرج أن يمتهن الطب.. والرقية نوع من أنواع الطب .. وحجة المنكرين أن السلف لم يفعلوا ذلك، ولكن ليس كل أمر لم يفعله السلف محرم.. والأمر في النهاية يخضع للاجتهاد بتقدير الواقع، والمصالح المجلوبة والمفاسد المدفوعة.. كما أن الرقية الشرعية هي ثغرة من ثغور الإسلام لا بد من سدها فالأمراض كثرت بصورة لم تكن من قبل، كما أن فيها قطع للطريق أمام الدجالين .. وعمومًا الذي يمارس الرقية لا يستطيع أن يمارس معها عملاً آخر فهو إما أن يتفرغ لها أو يتركها.. وأعتقد أن هذا الأمر شأنه شأن كثير من القضايا التي أختلف السلف في جوازها من قبل، ثم تجاوزها الفقه الإسلامي في الوقت الحالي مثل أخذ الأجر على القيام على المساجد وأخذ الأجر على تعليم القرآن.

أما المتنبئ عبد الله فيرى أن موضوع أن السلف لم يفعلوها أمر يحتاج إلى تجديد! .. ويقول:

لم أجد في كلام السلف شيئًا في منع التفرغ للرقية وما دام أخذ الأجر على الرقية مباح، فلا مانع من اتخاذها حرفة ومصدرًا للرزق.. ويقول: إن الزمان لم يفسد أيام السلف كفساده الآن.. وأمور السحر والمس وغيرها يجب أن تحارب لأنها خلل عقائدي.. ويضيف إنه قد ردَّ على بعض من نصحه بترك الرقية، بقوله: (هل الأفضل أن يهرع الناس إلى النشرة السحرية أم يلجأون إلى الرقية الشرعية والقرآن؟!) ويقول (هذا فضلاً عن أن الرقية باب من أبواب الدعوة إلى الله .. فالناس يقبلون من المعالج – الفكي – ما لا يقبلون من غيره).

هل يشترط الصلاح في الراقي؟!:

الشيخ عبد الحي يوسف: كثر في زماننا من يزعمون أنهم معالجون وأهل رقية، وكثير منهم لا يسلم من قادح في عدالته، ومغمز في دينه. عليه: أنصح الناس – خاصة النساء- بأن يلجأن لمعالجة أنفسهن بأنفسهن، وقد علّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها وغيرها من النساء كيف ترقي نفسها، تقول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث. قالت: فلما اشتد وجع الرسول صلى الله عليه وسلم كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. رواه مسلم

يقول الدكتور عمر عبد الكافي: وهو داعية مصري: (لقد رأينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما عاد أحد المسلمين وهو مريض وقرأ عليه فاتحة الكتاب واضعًا يده على الجزء المريض في جسده، فبرئ الرجل بفضل الله، فلما استشهد عمر، ومرض الرجل مرة أخرى طلب ممن يعوده أن يقرأ عليه بفاتحة الكتاب كما صنع عمر، فلما قرأ عليه الراقي الفاتحة واضعًا يده على الجزء المريض في جسده، ثم قال له: ( كيف حالك؟) قال: له (كما أنا) .. قال الراقي: (والله إن الفاتحة هي الفاتحة ولكن أين يد عمر؟) ويكمل: (القضية إذًا ليست في الآيات فحسب وإنما في اليد الطاهرة التي توضع على المريض، يد لم تؤذ أحدًا من الناس ولم تمتد إلى رشوة أو حرام أو لم ترتكب معصية تغضب الله عز وجل).

ويوافق عبد الجليل آدم على هذا الكلام، ويضيف:

(أرى أن شرط الراقي أن يكون على تقوى وعلم.. والعلم هنا ركيزتان العلم الشرعي والتجربة العملية.. والتجربة مهمة جدًا .. فكثير من الرقاة يأخذون المسألة من اطلاعهم وقراءآتهم الخاصة بغير تمشيُخ وتلمذة .. والرقاة المتميزون هم الذين جاء عملهم نتيجة لأخذه عن مشايخ .. وهذا يساعد في التشخيص والتعامل مع الجان).

أما المتنبئ عبد الله فيركِّز على التجربة والخبرة أكثر من الصلاح ويقول حول العلاج:

(ليس الصلاح الذي يبلغ الغاية ولكن المسلم العادي الذي لديه الحد الأدنى الذي يصح به الدين وليس بفاسق يمكنه أن يرقى ولكن الصلاح أفضل).

وأخيرًا، فإن العلاج بالقرآن أو الرقية الشرعية أصبح من القضايا التي أخدت مكانها في المجتمعات العربية والإسلامية، وصارت بيوت الرقية مؤسسات اجتماعية لها وزنها. وتأثيرها البالغ .. ورغم وجود كثير من التجاوزات الشرعية التي يمارسها كثير من هؤلاء الرقاة، الأمر الذي جلب حملة أهل الدعوة والعلم عليهم .. إلا أن كثير من هؤلاء الرقاة يتمتع بقدر وافر من التقوى والورع والفهم ويستغل الرقية الشرعية استغلالاً طيبًا في الدعوة إلى الله ويستثمر قبول الناس له في المجتمع في تغيير كثير من السلوكيات والممارسات الخاطئة.. فالراقي يملك باباَ للاقتحام المباشر إلى عمق المجتمع ويدخل بيوت الناس ويتصفح أسرارهم الخاصة.. بل في كثير من الأحيان يصبح هو المستشار الذي لا ترد كلمته.. ما دام الأمر كذلك فليعلم أولئك الذين يتصدون لهذا الأمر مقدار ما يتحملونه من أمانة ويكونوا أهل لذلك بالتزامهم بأحكام الشرعية، حتى لا يكونوا قطاع طريق إلى الله عز وجل.