المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التقاليد البالية...الغالية !!


فاديا
13-01-2008, 09:05 AM
إن الحالة الحرجة من التناقض بين التقّدم والتأّخر .. أحدثت تشرذما وتخبطا وتناقضا لا نهاية له في المجتمعات العربية ، وتعلقت معظم العقول ب " التقاليد البالية " .


علما بأن ذلك " التقدّم " لا ينفي البتة كل رائع وجميل ومخّلد من الاعراف الانسانية الخيرة في مجتمعاتنا ، وحسن علاقاتنا مع بعضنا البعض ، وقوة اساليب تعايشاتنا ، وكل ايجابيات موروثاتنا الرائعة في الجيرة والصحبة والمساعدة والعون والعطف والتآخي والعفة والنخوة والحمية واغاثة الملهوف والشجاعة مع الحياء والكرم وغض الطرف واحترام الكبير والعطف على الصغير وحماية الملل وحسن الكلام والالفاظ وجميل التصرفات ومكارم الاخلاق وكل صفحات العلاقة بالحسنى .. وصولا الى الضمير الحي والاحساس بالخطأ وعدم جرح المشاعر والالتزام بالدين ..


ان " التقاليد " المتوارثة لم تزل تعتز بها الشعوب والمجتمعات قاطبة ، وما ينبغي علينا لحماية تلك الموروثات الجميلة ..أن نلتزم ب " الحيوية والتجدد " ، لكي ننجح في استئصال كل " البالي " و " الرثّ " منها..

ولكن مجتمعاتنا على الاغلب ، تغرق يوما بعد آخر في كل " البالي " و " الرث " من العادات والتقاليد السيئة .......وهي تغوص في بحر من الكراهية والاعجاب بالذات .. ،
وفي ظل انقسامات فاضحة من تقاليد هذا وطقوس ذاك تختلط المقاييس ، بحيث غدت بعض التقاليد طقوسا مقدسة لا يمكن الاقتراب منها ،
ويطالب كل المتزمتين بالدفاع عن كل ادرانها دفاعا مستميتا !

فهل من معالجات هادئة لهذا الانحراف التاريخي الذي سيقودنا الى التشرذم في عالم لا يعرف الرحمة ؟

لقد انحسرت كل هذه العادات والتقاليد المتمدنة اليوم في مجتمعاتنا باختلاط الامور واضمحلال الحياة ....

انني مؤمنة ايمانا حقيقيا بأن مجتمعاتنا من الصعب تغييرها اليوم ، او احدات اي ثورة في تقاليدها الصعبة نحو الافضل ..
لأن البنية التفكيرية السائدة على الاغلب في مجتمعاتنا هي الاعتقاد ان مجرد اخذها بالتغيير ، فسيفقدها التغيير اخلاقياتها ويلحقها بالغرب وهي شديدة الكره للغرب !


وربما كانت الاجيال السابقة تتقبل مفهوم " الحداثة " كونها مؤمنة بالتغيير وبناء المستقبل .. ولكن الجيل الجديد لم يعد يتقّبل ابدا مثل هذا المفهوم ، كونه يترّبى اليوم على تقاليد بالية ، وتقترن الحداثة عنده بالتغريب ، ومثل هذا " التفكير " جناية بحد ذاته بحق مصيرنا ..


ان النغمة الشائعة في معظم مواقعنا ، التي آذت واقعنا ، واضرّت بمصيرنا ....هي التي تتهّم كل من يريد الاصلاح والتغيير نحو الافضل بتهمة الاعجاب بالغرب والانبهار بتقاليده ..
وهي تهمة ساذجة وكافية لسحب البساط من تحت ارجل كل المفكرين والمصلحين الحقيقيين ، وجعلهم في اعين الناس مجرّدين من اصالتهم ، ومن التصاقهم بواقعهم ، ومن همومهم ومعاناتهم .


والحقيقة ان مجتمعاتنا بقدر ما لديها من خزين ايجابيات من مكارم الاخلاق ..
تزدحم اليوم باسوأ انواع المعاملة ، والتفكير المغلق ، والرؤية الضيقة للحياة والاخرة ..
برفقة حزمة هائلة من التقاليد السلبية البالية التي لا يمكنها ان تستقيم ابدا مع ركائز الحياة ..

فظهر هذا المصطلح الابله " جاهلية القرن العشرين " ،
في حين كان القرن العشرون حصيلة مثمرة لكل تقدّم الانسان واستكشافاته واختراعاته وابداعاته ونظمه وقوانينه واساليب حياته المعقدة الجديدة .


وقد انعكست نتيجة هذا التناقض على جيل اليوم .....جيل ترّبى على اساليب وافكار غاية في التردّي والتعّصب والتخلف والنرجسية والتراجع ..
وها نحن نعيش منتجات هذا الركام البشري الذي نصنعه بأفكارنا ، بكل اضطراباتها وموبقاتها وآفاتها وآثامها .....،عندما افتقدت السلوكيات الحضارية ، واوغل العقل في بدائيات متوحشة ، وانزوت كل القيم الاخلاقية و الاجتماعية بعيدا عن كل الايجابيات، بفعل استفحال السلبيات الاجتماعية والسلوكية .

وبفعل الصراعات الايديولوجية ...... ازداد عامل العزلة المقيتة التي اطبقت على معظم المجتمعات سواء في المدن ام الارياف .. منذ ان حورب التقدم وكّبل المجتمع بالممنوعات والمحّرمات وحوربت كل التقاليد الرائعة ، وجرى احياء التقاليد البالية التي عاش عليها المجتمع في ازمان مضت ، بل واستفحلت العادات السيئة المتوارثة والمولدة بشكل لا يمكن تخيله ..

لقد عانت مجتمعاتنا في الماضي من تقاليد سيئة في المدن والريف والبادية ..
اذ كان قطاع الطرق يسلبون وينهبون .. وكانت تصرفات الاشقياء والفتوات في المدن والقرى من البشاعة بمكان.......ناهيك عن الممارسات القميئة التي تجري بحق مواريث البنات وحرمانهم من حقوقهن ..
وهضم حقوق اليتامى من القاصرين .. وغير ذلك من ضرب الاطفال وتربيتهم باساليب قمعية ومحو شخصيتهم وادخال الرعب في قلوبهم منذ صغرهم ..
واهانة النساء وضربهن .. والقسوة على الذات باقصى درجات الممنوعات واساليب العزلة ..
وهناك قتل عمد... او رجم فاضح للنساء فقط دون الرجال باسم غسل العار والشرف ..
هناك الثارات وقتل الابرياء .. هناك الهروب المتفشي والاحباطات المهولة بشكل لا يصدق نتيجة تناقضات المجتمع..
هناك التلاعب على القوانين بشتى الاساليب الماكرة .. والممارسات الشاذة بكل اصنافها ..
هناك العلاقات غير النظيفة.. ازدادت الرشوة والوساطات والمحسوبيات والمنسوبيات وكثرت السجون واعتبر الخروج عن القانون شجاعة متناهية بدءا بالشقاوات والفتوات وصولا الى انعدام اخلاقيات قيادة السيارات في اغلب مجتمعاتنا ..
وهناك هدر للزمن في الالاف المؤلفة من المقاهي المنتشرة في كل مجتمعاتنا .. ومؤخرا انتشرت مقاهي الانترنت ليس لاغراض علمية ونظيفة بقدر ما وجدت لاغراض غير سليمة أبدا !!



ان من يقلب مجتمعاتنا على بطانتها ، سيكشف هول الممارسات السيئة الخفية ....


ولنسأل ما هي الصورة الغالبة للمجتمع اليوم ؟؟؟


الناس يدافعون عن كل تلك التناقضات لاسباب سيكلوجية معقدة ،وتظهر صور غريبة لهذا الدفاع !

فالمرأة تدافع عن قمعها .....والشاب يدافع عن جهله .. والاستاذ يدافع عن سكونيته ..
ورجل الدين يدافع عن مصالحه .. والسياسي يدافع عن واقعه ،والاعلامي يدافع عن اكاذيبه ومفبركاته ..
وكل مدير مؤسسة يدافع عن قراراته ودكتاتوريته ..

ومعظم الناس تدافع عن ( مثاليات كاذبة ) لا اساس لها من الواقع ، وقد بدأت تختفي من حياتنا
وكلّ يدافع عن كل المخفي والمنظور ..



لقد غدت معظم مجتمعاتنا يجن جنونها من أي نقد او أي اصلاح او أي تغيير .........بفعل الربط في المخيال العام بين هذه التقاليد وبين القداسة !
واذا ما تجرأ كاتب او مصلح او مفكر ان يمارس دوره وزاد من انتقادات الاوضاع وُصٍِفَ باسوأ التهم ، بل واتهم بجلد الذات .. وكأن الذات بريئة كل البراءة ! وكأنها ذات حمل وديع في مجتمعات شرسة ونزقة اصبحت لا ترحم ابدا !

فلنا ان نتأمّل كيف سيغدو المجتمع اليوم بعد تلك الخلطة العقيمة التي اختلط فيها الحابل من السكان بالنابل منهم تحت مسمّيات شتى ،

وانتجت كل التفاعلات المتصادمة في المجتمع........ الذي يعّبر اليوم عن ترسّباته وبقاياه من التقاليد الشقّية .

القصواء
13-01-2008, 04:28 PM
موضوع قيم أختي فاديا ....أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح مجتمعاتنا ويثبت الايمان الخالص في قلوب أفرادها بعيدا عن التقاليد البالية .

سعدنا بعودتك ( مراقبتنا فاديا ) ...لنستمتع بما يجود به قلمك من إبداع .

فاديا
15-01-2008, 12:49 PM
جزاك الله خيرا اختي الفاضلة القصواء وبارك فيك واحسن اليك