المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كَشْفُ الخَفَاءِ عَنْ أَحْكَامِ خِطْبَةِ النِّسَاءِ


أم سَلمى
25-04-2009, 11:18 AM
كَشْفُ الخَفَاءِ عَنْ أَحْكَامِ خِطْبَةِ النِّسَاءِ



مُقَدمَة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين أمَّا بعد ،

فإنَّ الباحث والناظر في الكتب والمصنفات يجد أنَّ الكتب التي اهتمت بالموضوع الذي بين يدينا قليلة؛ فمنها من يتعرض لجزئية من جزئياتها كالنظر إلى المخطوبة، ومنهما من يضم أحكامها جملة إلى الكتب المختصَّة بأحكام الزفاف متعرضًا للمسألة بإيجاز شديد؛ أمَّا أن يُفردَ الموضوع بتغطية لأغلب الجزئيَّات فلم أجد .

هذا وقد اشتدت الحاجة إلى مصنِّف في هذا الباب يلم شمل المسألة، ويقرب أطرافها بعد أن عمَّ التساهل بين الناس فيها، فوجدت ذلك مبررًا للكتابة في هذا الموضوع، فعزمت أمري.

ولمَّا كانت البركة في أقوال الكبار، فقد حاولت جمع أكبر عدد من تلك الأقوال في كل جزئية، حتى تتم الفائدة ويُتصور الخلاف، فلا تجدني فيه -أخي القارئ- أحذو حذو من يستنبط من النصوص مباشرةً ذاكرًا الأحكام باجتهاد مطلق؛ فلست ذلك الرجل؛ والبضاعة مزجاة، وإنَّما أحاول إفادة نفسي أولاً ورفع الجهل عنها وعن سائر من يصل إليه هذا العمل، طمعًا في الأجر والمثوبة وعدم انقطاع العمل، والله الموفق .

أبو عبدالله الآجُريّ
رجب 1429هـ


ما هي الخطبة ؟

خَطَب المرأَةَ يَخْطِبها خَطْباً وخِطْبة بكسر الخاء: الخطاب في قصد التزوج؛ وهي أيضًا هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخِطبة، وجَمعُ الخاطب خُطَّاب، والخَطيبُ: الخاطِبُ، والخِطِّيبَى: المخطوبة ([1]).

وجاء في بعض المعاجم ضم الخاء في خطبة بهذا المعنى، لكن الخُطبة (بالضم) شائعة في الكلام الذي ينطق به الخطيب؛ والخطبة (بالكسر) في طلب الزواج([2]).

والخَاطِبُ والخِطْبُ: هو الذي يَخْطِبُ المَرْأَةَ وهِيَ خِطْبُه التي يَخْطُبُهَا وذلك خِطْبَتُهُ وخِطِّيبَاهُ وخِطِّيبَتُهُ وهو خِطْبُهَا بِكَسْرِهِنَّ، والخَطَّابٌ –كشَدَّادٍ-: المُتَصَرِّفُ أَي كَثِيرُ التَّصَرُّفِ في الخِطْبَةِ.
وقد جاء في المثل: ((يَقُولُ إنِّي خَاطِبٌ وقَدْ كَذَبْ وإنَّمَا يَخْطُبُ عُسًّا مِنْ حَلَبْ)).

واختطب القوم فلاناً إذا دعوه إلى تزويج صاحبتهم؛ ويخطب الرجل المرأة إلى وليها أي: يخطبها من أهلها؛ قال أَبو زيدٍ: إذا دَعَا أَهلُ المرأَةِ الرجلَ لِيَخْطُبَهَا فقدِ اخْتَطَبُوا اخْتِطَاباً وإذا أَرادُوا تَنْفِيقَ أَيِّمِهِم كَذَبوا على رَجلٍ فقالوا: قد خَطَبَها فرَددْناه؛ فإذا رَدَّ عنه قَوْمُه قالوا: كَذَبْتُم لقدِ اخْتَطَبْتُمُوهُ فمَا خَطَبَ إليكم.

يُقَالُ([3]): خَطَبَ الْمَرْأَةَ إِلَى وَلِيِّهَا، إِذَا أَرَادَهَا الْخَاطِبُ لِنَفْسِهِ، وَعَلَى فُلَانٍ إِذَا أَرَادَهَا لِغَيْرِهِ.
ويقال للمرأة: مخطوبة، أمَّا الكلمة التي يتداولها الناس اليوم وهي: خطيبة، فلم ترد في كتب اللغة، ولكنَّ المجمع الفقهي أجازها([4]) مع عدة كلمات أخرى على زنة فعيل بمعنى مفعول مما لم يرد في المعاجم؛ من ذلك: مزيج، وخطيبة بمعنى مخطوبة، وعديد بمعنى معدود.

والكلمة الأخرى التي نجدها كثيرًا اليوم وهي: الخطوبة، فهي كلمة لم أقف عليها في أحد من معاجم اللغة، بل إنِّي أشك أنها لفظة عامية محدثة، ولكن قد جاء في معجم لغة الإعلام العربي: " أما الخُطوبة فلها معنى آخر؛ إذ تَدُلُّ على الفترة التي تعقُب خِطبة المرأة وتمتد إلى الزواج"([5]) اهـ .



([1]) قاله الفرَّاء، كذا عن ابن منظور في اللسان، ونظم الدرر للبقاعي، وتابعه عليه أهل اللغة، وحكي عن كراع بالضم .

([2]) معجم لغة الإعلام العربي .

([3]) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح .

([4]) في دورته الخمسين المعقودة سنة 1404 هـ .

([5]) معجم لغة الإعلام العربي .

إسلامية
25-04-2009, 11:24 AM
توضيح دقيق بارك الله فيكِ أختي ام سلمى 2

وفقك الله لما يحبه ويرضاه

@ كريمة @
25-04-2009, 11:27 AM
بارك الله فيكِ أختي ام سلمى

@ كريمة @
25-04-2009, 11:35 AM
بارك الله فيكِ أختي ام سلمى

أم سَلمى
25-04-2009, 12:30 PM
الخطبة على مر التاريخ

كانت الخطبة سريعةً جدًا في الجاهلية؛ كانَ الرجلُ يأتي الحَيَّ خاطباً فيقوم في ناديهم فيقول: خِطبٌ، أيْ جئتُ خاطباً، فيقال له: نِكحٌ، أي أنْكَحْناك([1])؛ حتى ظنَّت بعض الأعاجم أنَّ العرب لا تخطِب، لسرعة الخطبة ولحاقها بالزواج؛ويقولون: خِطْبٌ نِكْحٌ، وخُطْبٌ نُكْحٌِ: أي خَطَبْتَ وأنْكَحْنَاكَ.

وفي المَثَلِ: (أسْرَعُ من نِكاحِ أُمٍّ خارِجَةَ)([2]) ؛ كانت امرأة من العرب في الجاهلية قد وَلَدَت في بطون كثيرة من العرب، وهي أُمّ خارجةَ البَجَليَّة يجيئها الرجل فيقول: خِطْبٌ، فتقول: نِكْحٌ، وقال قوم: خِطِبْ، فتقول: نِكِحْ، فصار مثلاً على ألسنتهم: (أسرعُ من نِكاح أُمّ خارجةَ) .

أمًا عند بعض الشعوب الأخرى من غير العرب فإنَّها قد تدوم السنين، خصوصًا إذا لم يكن الخاطب والمخطوبة قد ميَّزا، فإنَّها تدوم حتى البلوغ، وقد تدوم أيضًا عند بعض الشعوب المُنحلَّة السنين الطويلة؛ فمفهوم فترة الخِطبة عندهم قضاء الوقت مع شريك المستقبل لمعرفة المزيد عنه، وقد تطور هذا المفهوم حتى أصبحت الخِطبة في هذه البُلدان ومنها شمال أمريكا وألمانيا وما شابهها من بلدان الانحلال: زواجًا تجريبيًا؛ فلا تنتهي الخِطبة عندهم عادة إلا بحصول الحمل، فيفضلون عندها الزواج، مراعاة لمشاعر الأطفال في المستقبل (!) وكفالة لبعض حقوقهم التي تعطيها لهم الدولة.

قال تقي الدين الهلالي –رحمه الله-: " ومن غريب ما وقفت عليه من شؤون المتخاطبين عندهم أن الرجل يخطب المرأة فيتفقان على الزواج، ويبقيان مدة طويلة يتعاشران عشرة المتحابين، وهي كما قلنا مخالطة تامة كمخالطة الزوجين، ثم يعقدان النكاح ويجتمعان على الزواج، فلا يلبثان أن تسوء عشرتهما، فيقع الشقاق بينهما ثم يعقبه الفراق.
ومن عجيب ما سمعت من ذلك في مدينة (بن) الألمانية أن متخاطبين بقيا مدة عشرين سنة متعاشرين في غاية الوفاق والوئام . . "([3]) اهـ .

وقد تأثر بعض المثقفين من المسلمين بهذه النظرة الغربية للخِطبة، وأنَّها فترة تعارف ومخالطة، ويأتي الحديث عن ردِّ الإسلام لهذه النظرة في الفصل القادم.



([1]) كتاب العين المنسوب للخليل بن محمَّد .

([2]) البحر المحيط .

([3]) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثامن، تعليم الإناث .

أم سَلمى
25-04-2009, 12:33 PM
الخطبة في الإسلام

قد أقرَّ الإسلام الخِطبة، فقد خطب النبي -صلى الله عليه وسلَّم- عائشة وأم سلمة وغيرهما من أمهات المؤمنين –رضي الله عن الجميع-؛ خطب الأولى إلى أبيها، والثانية إلى نفسها.
ففي حديث عُروة: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب عائشة إلى أبي بكر))([1]) .
وفي حديث أم سلمة قالت: ((لما مات أبو سلمة، أرسل إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطبني وأجبته))([2]) .

معنى الخِطبة في الإسلام

لا يخرج المعنيان الاصطلاحي والشرعي عن المعنى اللّغويّ: طلب الزواج والاتفاق عليه وعلى مقدماته خصوصًا، ثم تكون فيه المرأة محجوزة لخاطبها بعد الإيجاب والتراضي، فلا يجوز لأحد آخر في تلك الفترة أن يخطب على خطبة أخيه للأحاديث الصحيحة في ذلك؛ وليس للمخطوبة على خاطبها حق آخر في هذه الفترة من زيارة أو هدية أو غير ذلك، اللهم إلا إن جادت نفسه ببعض الهدايا؛ فقد ورد ذلك عن بعض السلف.

والمخطوبة تعتبر أجنبيّةً عن خاطبها، فتحرم الخلوة بها كغيرها من الأجنبيّات، وهذا باتّفاق([1]).

والحاصل: أننا إذا عرَّفنا الخِطبة اصطلاحاً نقول: إنَّها فترة تتحول فيها الأجنبية، من أجنبية مطلقة إلى أجنبية يجوز منها النظر حتى يتحقق المقصود؛ كما أنَّها التماس زواج امرأة يحل للمتقدم التزوج بها، بوعدٍ غير ملزم بعقد الزواج للطرفين، لكل منهما الرجوع عنه، لا يلتزم فيه الطرفان بأي التزام مالي، أو تعويض وإن وعد به .



([1]) قال الإمام الألباني في الإرواء: صحيح؛ أخرجه البخاري (3/415) .

([2]) قال الإمام الألباني في الإرواء: صحيح؛ أخرجه مسلم (3/37) .

([1]) الموسوعة الفقهية .

أم سَلمى
25-04-2009, 12:34 PM
نظرة الفقهاء إلى الخطبة

ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الخطبة ليست بعقد شرعيّ بل هي وعد، وإن تخيّل كونها عقداً فليس بلازم بل جائز من الجانبين، ولا يكره للوليّ الرّجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة للمخطوبة في ذلك، لأنّ الحقّ لها وهو نائب عنها في النّظر لها، فلا يكره له الرّجوع الّذي رأى المصلحة فيه، كما لو ساوم في بيع دارها ثمّ تبيّن له المصلحة في تركها، ولا يكره لها أيضاً الرّجوع إذا كرهت الخاطب، لأنّ النّكاح عقد عمريّ يدوم الضّرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها والنّظر في حظّها، وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرّجوع عن القول، ولم يحرم لأنّ الحقّ بعد لم يلزمهما، كمن سام سلعةً ثمّ بدا له ألاّ يبيعها.
وقال المالكيّة: يكره لمن ركنت له امرأة وانقطع عنها الخطّاب لركونها إليه أن يتركها([1])اهـ.

كيف تبحث عن شريك الحياة

جاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض([2])))([3]) ؛ وفي حديث أبي سعيد الخدري نظير ذلك في النساء، قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة، تنكح المرأة على مالها، و تنكح المرأة على جمالها، و تنكح المرأة على دينها، فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك))([4]).

فقد حثَّ الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- في الحديث الأوَّل أن يُزَوج ذو الخلق والدين، وأن يكون الخلق والدين العامل المُرجح في المفاضلة، وليس المال فقط، فلا يزوج صاحب الخلق السيئ وفاقد الدين.

قَالَ الطِّيبِيُّ: "وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُرَاعَى فِي الْكَفَاءَةِ إِلَّا الدِّينَ وَحْدَهُ. وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يُرَاعَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ، الدِّينُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنَّسَبُ وَالصَّنْعَةُ، فَلَا تُزَوَّجُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا الصَّالِحَةُ مِنْ فَاسِقٍ، وَلَا الْحُرَّةُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَا الْمَشْهُورَةُ النَّسَبِ مِنْ الْخَامِلِ، وَلَا بِنْتُ تَاجِرٍ أَوْ مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ طَيِّبَةٌ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ خَبِيثَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ صَحَّ النِّكَاحُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ"([5]).

يقول الإمام الألباني: " الكفاءة على قسمين، قسم اتُفق عليه وقسم اختلف فيه.
كفاءة الدين والخلق أمر متفق عليه .
كفاءة النسب اختلف فيها، والحق أنَّ كفاءة النسب لا قيمة لها.
النبي -صلى الله عليه وسلَّم- :أبطل الكفاءة النسبية"([6]) اهـ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ مَا يَلِيقُ بِمَقْصُودِهِ –أي الخاطب-، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ مَا يُصْلَحُ لِلْمَحَبَّةِ، فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ .


ولا يُفهم من ذلك عدم إباحة الزواج لأجل المال والجمال

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " ظَاهِره إِبَاحَة النِّكَاح لِقَصْدِ كُلّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ قَصْدَ الدِّين أَوْلَى.
. . . وَلَمْ يَنْحَصِر قَصْد نِكَاح الْمَرْأَة لِأَجْلِ مَالهَا فِي اِسْتِمْتَاع الزَّوْج، بَلْ قَدْ يَقْصِد تَزْوِيج ذَات الْغِنَى لِمَا عَسَاهُ يَحْصُل لَهُ مِنْهَا مِنْ وَلَد فَيَعُود إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَال عن ِطَرِيقِ الْإِرْث إِنْ وَقَعَ، أَوْ لِكَوْنِهَا تَسْتَغْنِي بِمَالِهَا عَنْ كَثْرَة مُطَالَبَته بِمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ نِسَاء وَنَحْو ذَلِكَ "([7]) .

حتى ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّه إذا هم خاطب بخطبة، فإنَّه –مثلاً- يبحث عن الجمال أولاً، حتى إذا وجد عيبًا في دينها، فإنَّه يعرض عنها، فيكون قد أعرض بذلك عن الدنيا لأجل الدين، أمَّا لو كان شرطه الوحيد في البحث الدين ثم إذا وجدها قبيحة أعرض عنها، فإنَّه يكون قد أعرض عن الدين لأجل الدنيا، وهو في غنى عن ذلك باتباعه الطريقة الأولى([8]).



([1]) الموسوعة الفقهية، خطبة .

( [2]) قال المباركفوري في التحفة: " أَيْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوا مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ وَتَرْغَبُوا فِي مُجَرَّدِ الْحَسَبِ وَالْجَمَالِ أَوْ الْمَالِ يَحْصُلُ الفَسَادُ العَرِيضُ أَيْ ذُو عَرْضٍ أَيْ كَبِيرٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوهَا إِلَّا مِنْ ذِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ، رُبَّمَا يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا أَزْوَاجٍ، وَأَكْثَرُ رِجَالِكُمْ بِلَا نِسَاءٍ، فَيُكْثِرُ الِافْتِتَانُ بِالزِّنَا، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الْأَوْلِيَاءَ عَارٌ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْفَسَادُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسَبِ وَقِلَّةُ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ.


([3]) قال الإمام الألباني: حسن؛ أخرجه الترمذي (1/201) وابن ماجه (1967) والحاكم (2/164 - 165) وأبو عمر الدوري في "قراءات النبي -صلى الله عليه وسلم-" (ق 135/2) والخطيب في "تاريخ بغداد" (11/61) انتهى من الإرواء .

( [4]) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (1231) والحاكم (2/161) وأحمد (3/ 8 -81) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد الخدري، الصحيحة 307 .

([5]) تحفة الأحوذي (3/150) .

([6]) من سلسلة الهدى والنور .

([7]) فتح الباري (14/330) .

([8]) محمد بازمول، فائدة .

أم سَلمى
25-04-2009, 12:35 PM
وبالجملة فإنَّه يمكن تقسيم الجمال إلى نوعين:

جمال حسي: وهو كمال الخلقة؛ لأنَّ المرأة كلما كانت جميلة المنظر عذبة المنطق قرت العين بالنظر إليها وأصغت الأذن إلي منطقها؛ فينفتح إليها القلب وينشرح إليها الصدر وتسكن إليها النفس ويتحقق فيها قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21].

جمال معنوي: كمال الدين والخلق؛ فكلما كانت المرأة أدين وأكمل خلقًا كانت أحب إلي النفس وأسلم عاقبة؛ فالمرأة ذات الدين قائمة بأمر الله، حافظة لحقوق زوجها وفراشه وأولاده وماله، معينة له على طاعة الله تعالى، إن نسي ذكرته، وإن تثاقل نشطته، وإن غضب أرضته، و المرأة الأدبية تتودد إلي زوجها وتحترمه ولا تتأخر عن شيء يحب أن تتقدم فيه، ولا تتقدم في شيء يحب أن تتأخر فيه؛ ولقد سُئل النبي -صلي الله عليه وسلم- أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره))([1]) وقال -صلي الله عليه وسلم-: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء، أو قال: الأمم))([2]).

فإن أمكن تحصيل امرأة يتحقق فيها جمال المنظر وجمال الباطن فهذا هو الكمال والسعادة بتوفيق الله([3]).

تربت يمينك؟

وقوله -صلى الله عليه وسلَّم-: " فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك"، قال فيه ابن قتيبة: "هذا من باب الدعاء الذي لا يراد به الوقوع"([4]) اهــ ؛ وَعَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَخَاطِبْهَا أَنَّهُمْ يُسْتَعْلَمُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ لِمَنْ لَا يُرِيدُونَ فَقْرَهُ([5]) والراجح أنه شيء يدعم به الكلام، تارة للتعجب، وتارة للزجر أو التهويل، أو الإعجاب، وهو كويل أمه، ولا أبا لك، وعقرى حلقي([6]) .

طُرق التعرف على خلق المرأة ودينها

فترة الخِطبة وما قبلها ليست فقط حجزًا للمخطوبة بعد الاتفاق أو مجالاً لتأكيد رغبة الخاطب في الزواج؛ بل هي فترة أيضًا للاستقصاء والسؤال عن حال المخطوبة وأهلها، وكذلك الأمر للمخطوبة .

وذلك يكون بعين العقل بعيداً عن العواطف، ويكون ذلك بالنظر إلى البيئة التي جاء منها المسؤول عنه، فإن الإنسان في الغالب ابن بيئته، وبالسؤال عن الأسرة التي ينتمي إليها، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وبالسؤال عن القرناء، لأن القرينبالمقارن يقتدي، وبالسؤال عن دينه وخلقه وسلوكه.

قال الشاعر:

وأول خبث المرء خُبث تُرابه
وأول خبث القوم خبث المناكح

وقال آخر:

إذا تزوجت فكن حاذقاً
وأسأل عن الغصن وعن منبته




([1])رواه احمد و النسائي كتاب النكاح باب أي النساء خير رقم( 3231) .

([2]) رواه أبو داود كتاب النكاح باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء رقم ( 2050) و النسائي كتاب النكاح باب كراهية تزويج العقيم رقم ( 3227).

([3]) من كتاب الزواج للعلامة ابن عثيمين، خيرية ابن عثيمين .

([4])نقله ابن بطال في شرحه .

([5]) مقدمة الفتح (1/90) .

([6]) المنقى شرح الموطأ (1/119) .

أم سَلمى
25-04-2009, 12:37 PM
موانع الخطبة

إذا انتفت هذه الموانع فإنَّه يجوز التصريح والتعريض في خِطبة الخالية من الموانع، وهذه الموانع هي:

أ‌-النكاح: وهي أن تكون ذات زوج.

ب‌-المحَرَم: وهي أن تكون محرماً للخاطب؛ أخته من الرضاع مثلاً، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّ الْمَخْطُوبَةِ وَلَا هِيَ رَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ إخْوَتُهما تَرَاضَعَا([1]).

ت‌-المعتدة: لا تجوز خطبة المعتدة الرجعية تعريضاً أو تصريحاً؛ أما غيرها كالمعتدة البائن، أو من اعتدت لفسخ أو انفساخ، أو موت فإنه لا يجوز أن تُخطب تصريحاً، وإنَّما يجوز ذلك تعريضاً؛ ويجب أن تجيب المخطوبة تعريضاً لا تصريحاً أيضاً.
ث‌-الخطبة: بأنَّ تكون مخطوبة ركنت إلى الخاطب وأجابته بالموافقة، فلا يجوز للمسلم الخطبة على خطبة أخيه، للحديث الصحيح في ذلك .

مسألة: هل الفسق مانع من موانع الخطبة؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع: " إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا لَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنَّ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا. لَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ؛ فَتُزَوَّجُ بِهِ إذَا كَانَ كُفُؤًا لَهَا وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِهِ" اهـ .

ولكنه ليس من موانع الخطبة بمعنى أنَّها تنفسخ أو أنها محرمة كما هو ظاهر أعلاه؛ ولكن الأولى ألا تُزوج إلا لذي الخلق والدين؛ فإن كان للخاطب خلل في دينه بترك واجب أو فعل محرَّم فلا يُزوج إلاَّ أن لا نجد خيراً منه، ويُراعى في ذلك حال المخطوبة، فإن كانت صغيرة في السن، ويتوارد عليها الخُطَّاب فلا يوافق عليه؛ أمَّا إن كانت كبيرة ويُخشى عليها أن تصبح عانساً فإنها تُزوَّج، على أن يشترطوا أن ينتهي عما هو فيه من نقص؛ وإن لم يتوقف بعد ذلك، كأن يكون مدخناً -والعياذ بالله- فإنَّه يُشترط عليه ألا يُدخن أمامها أو أمام أولادها([2]) .



([1]) قاله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى .

([2]) هذا الفصل مستفاد من تقريرات الإمام العلامة ابن عثيمين، في أكثر من موضع من فتاوى نور على الدرب .

أم سَلمى
25-04-2009, 12:38 PM
وماذا إن كان الخاطب رافضيًا؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: " الرَّافِضَةُ الْمَحْضَةُ هُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ وَبِدَعٍ وَضَلَالٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ رافضي وَإِنْ تَزَوَّجَ هُوَ رافضية صَحَّ النِّكَاحُ إنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ تَتُوبَ وَإِلَّا فَتَرْكُ نِكَاحِهَا أَفْضَلُ لِئَلَّا تُفْسِدَ عَلَيْهِ وَلَدَهُ" اهـ .

وقال في موضع آخر: " لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُنْكِحَ مُوَلِّيَتَهُ رافضيا وَلَا مَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ . وَمَتَى زَوَّجُوهُ عَلَى أَنَّهُ سُنِّيٌّ فَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ رافضي لَا يُصَلِّي أَوْ عَادَ إلَى الرَّفْضِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ : فَإِنَّهُمْ يَفْسَخُونَ النِّكَاحَ" اهـ .

هل الفقر من موانع الخِطبة؟

قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النــور: 32].
قال المفسرون: والمعنى، لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة؛ فإن في فضل الله غنية عن المال، فإنه غاد ورائح، أو وعد من الله بالإِغناء، لكنه مشروط بالمشيئة كقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء} .
قال الحافظ في الفتح: " الْفَقْر فِي الْحَال لَا يَمْنَع التَّزْوِيج، لِاحْتِمَالِ حُصُول الْمَال فِي الْمَآل" اهـ .

الفارق في السن بين الطرفين

السِنُّ ليس من موانع الخطبة([1])؛ ويكفيك أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تزوَّج خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-‌ وكانت تكبره بسنوات وكانت من أحبّ الناس إليه وهي التي ولدت له الأولاد دون سائر نسائه والتي كان من نسلها الحسن والحسين رضي الله عنهما، لذلك كان السنُّ ليس مانعًا من اختيار الزوجة الصالحة التي تعينه على إقامة الدين وتحقيق المودَّة والرَّحمة والسكون التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21] ([2]).
وكذلك العكس كأن يكون الفارق العمري بين الخاطب والمخطوبة كبيرًا جدًا، والخاطب هو الأكبر، فإنَّه لا يوجد في الإسلام ما يمنع ذلك إذا لم يقترن بذلك محرم.

فقد أشار إلى ذلك العلاَّمة الفوزان، وألمح إلى زواج النبي –صلى الله عليه وسلَّم- بعائشة وغير ذلك من الوقائع في عهد الصحابة، واستدل بهذه الوقائع من السنة النبوية على تزويج الكبير بالشابة، فقال: " والآن ينادون ويحذرون منه، ويشنّعون على تزويج الكبير، ويعتبرونه جريمة، ووحشية، وينددون بما فعله في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، بل ربما في الخطب والمحاضرات، و هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم- سيد الخلق تزوج عائشة وهو في سن الخمسين تقريبًا، وهي في سن السابعة، فدلّ على أنه لا بأس به، بل يُرغب في تزويج الكبير من الشابة إذا كانت هناك مصلحة في ذلك، وأنهذه سنة نبوية، فمن أنكر تزويج الكبير من الشابة فإنه أنكر سنة نبوية، هذا إذا كانتالمصلحة في ذلك.

أما إذا لم يكن هناك مصلحة، وإنما هو استغلال من وليّ هذهالطفلة من أجل أن يستغل تزويجها، وهي ليس لها مصلحة فهذا لا يجوز .
إنما نقول : إذا كانت المصلحة في ذلك فلا حرج في تزويج الكبير من الشابة، إذا كان في ذلك مصلحة وخير، وأن هذا من سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-"([3]) اهـ .


أمَّا إن كان جواز الشيخ بالصبية يؤدي إلى عدم قضائها المتعة من الزواج ويؤدي إلى زيغ عينها وعدم إعفافها، فإنَّ تزويجها بالشيخ فيه ضرر لها، وهو معنى قول ابن مفلح في الفروع: " وَمِنْ التَّغْفِيلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبِيَّةً" اهـ .



([1]) يقول ابن الجوزي: " وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلَى الْعِشْرِينَ، وَيَتِمُّ نُسُوُّ الْمَرْأَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ تَقِفُ إلَى الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَنْزِلُ" نقلاً عن الفروع لابن مفلح اهـ .


( [2]) من فتاوى الدكتور محمد علي أبو عبد المعز فركوس؛ الجزائر في: 12 رمضان 1426ﻫ الموافق ﻟ: 15 أكتوبر2005م؛ راجعها في موقعه على الشبكة .


([3])إعانةالمستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1/169) .

اريد الجنة
25-04-2009, 12:49 PM
جزاكى الله خيرا

أم سَلمى
25-04-2009, 01:10 PM
عرض الوليّ مولّيته على ذوي الصّلاح

يستحبّ للوليّ عرض مولّيته على ذوي الصّلاح والفضل، كما عرض الرّجل الصّالح إحدى ابنتيه على موسى -عليه الصلاة والسلام- المشار إليه في قوله تعالى: { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} الآية، وكما فعل عمر -رضي الله عنه- حيث عرض ابنته حفصة -رضي الله تعالى عنها- على عثمان، ثمّ على أبي بكر -رضي الله تعالى عنهما- .

هل تستحب صلاة الاستخارة للخطبة والزواج؟

الزواج نفسه قد يكون واجبًا، ولكن عليه أن يستخير الله عز وجل فربما تكون هذه المرأة سببًا لصده عن الخير كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إن يك من الشّؤم شيء حقّ ففي المرأة والفرس والدّار))؛ فلا بأس أن يستخير الله -سبحانه وتعالى- أيتزوج هذه المرأة أم يتزوج غيرها؛ فربما تكون تعاسة عليه إذا تزوج بها([1]).

خُطبة الخِطبة

جرَت عادة العرب، أهل الفصاحة والبيان على الخطابة في الأمور الجليلة، وهذا منها، وقد عهد عنهم التقديم للخِطبة بخُطبة فيها التماس للصهر والمواصلة، وتكون هذه الخُطبة مبنيةً على وصف الطرفين بما يقتضي الرغبة، ويدل الخاطب عن نفسه بما يؤدي إلى الكفاية والإسعاف بالطلبة([2]) ولم يرد فيها نص صريح .




صفة خُطبة الخِطبة

ليس لها صفة معينة، و لم يرد نص في ذلك كما تقدم، وهي تتبع عرف الناس بما لا يخالف الشرع؛ وقد كان من عرف العرب وعادتهم الخُطبة للخِطبة على مر العصور؛ قال أبو عباد كاتب ابنِ أبي خالد: " وكانت خُطبة قريش في الجاهليّة - يعني في خِطبة النساء - : باسمك اللهم، ذُكِرَتْ فلانةُ وفلانٌ بها مشغوف، باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت"([3]) .

فيبدأ المسلم مثلاً بالحمد والثّناء على اللّه تعالى، ثمّ بالصّلاة على رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- ثمّ يوصي بالتّقوى، ثمّ يقول: جئتكم خاطباً كريمتكم، وإن كان وكيلاً قال: جاءكم موكّلي خاطباً كريمتكم أو فتاتكم، ويخطب الوليّ أو نائبه كذلك، ثمّ يقول: لستَ بمرغوبٍ عنكَ أو نحوه مما يفيد الرضا والقبول.

وجاء الإسلام وقد علَّم الرسول -صلى الله وسلَّم- فيه خطبة الحاجة([4])، وقد استحب العلماء أن يبدأ بها بما جاء عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّمنا خطبة الحاجة : إنّ الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة} إلى قوله : {رَقِيباً} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} إلى قوله {عَظِيماً} .

وكان القفّال يقول بعدها : " أمّا بعد، فإنّ الأمور كلّها بيد اللّه، يقضي فيها ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا مؤخّر لما قدّم ولا مقدّم لما أخّر، ولا يجتمع اثنان ولا يتفرّقان إلاّ بقضاء وقدر وكتاب قد سبق، وإنّ ممّا قضى اللّه تعالى وقدّر أن خطب فلان بن فلان فلانة بنت فلان . . أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم أجمعين"([5]) .

وأمَّا قراءة الفاتحة فيها وفي العقد بدعة؛ لم تؤثر عن أحد من السلف، وخرافة من خرافات العوام([6]) .



([1]) تحفة المجيب للشيخ العلاَّمة مقبل الوادعي –رحمه الله- ف91 .

([2]) بتصرف من صبح الأعشى (3/486) .

([3]) نقله الجاحظ في البيان والتبيين (1/119) .

( [4]) يقول العلاَّمة الفوزان في شرحه لبلوغ المرام: خطبة الحاجة سنة، وقد زوج الرسول الواهبة بدون خطبة .

([5]) الموسوعة الفقهية، سبق العزو إليه .

([6]) كما قال الإمام ابن باز -رحمه الله- وغيره من علماء أهل السنة والجماعة .

أم سَلمى
25-04-2009, 01:12 PM
خِطبة القريبة، وزواج الأقارب

ذهب بعض العلماء إلى تفضيل زواج الأباعد لفائدتين:
الفائدة الأولى: أنَّه أنجب للولد، بمعنى أنَّه يجذبه عرق أمه إذا كان من قبيلة، وعرق أبيه إذا كان من قبيلة أخرى، فتكون في هذا الطفل أخلاق هؤلاء وهؤلاء.

الفائدة الثانية: عدم حصول القطيعة بين الأرحام، لأنَّه قد يحصل بينه وبين زوجته خلاف يؤدي إلى تقاطع الأرحام ليس بين الزوجين فقط، بل بين الأقارب كلهم من هؤلاء وهؤلاء([1]).

ولكنَّ عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة، تنكح المرأة على مالها، و تنكح المرأة على جمالها، و تنكح المرأة على دينها، فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك))([2]) يشمل القريبة والبعيدة، ولا يخفى علينا أنَّ علي ابن أبي طالب تزوج بفاطمة –رضي الله عنهما- وهي بنت عمه، فعم الرسول عليه الصلاة والسلام، عم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ؛ فالصواب أنَّه لا تضر القرابة والبعد، ولكن نتجه إلى ما أرشد إليه النبي –عليه الصلاة والسلام- : ((فاظفر بذات الدين تربت يداك))([3]) .

وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " ليس هناك أحاديث صحيحة تمنع من الزواج بين الأقارب، وحصول الإعاقة إنما يكون بقضاء الله وقدره، وليس من أسبابه الزواج بالقريبات كما يشاع([4])، ولا يجوز منع الإنجاب خوفا من الإعاقة، بل يجب التوكل على الله سبحانه وإحسان الظن به([5])" اهـ.


فالخلاصة أنَّ زواج الأقارب([6]) لم يرد به نهي صريح في الإسلام، ولا حث عليه، فهو متروك لاختيار الناس وما هو أنسب لهم، ولعل هذا النهج يؤكد ما توصل إليه الطب الحديث في هذا الموضوع، وهو أن زواج الأقارب ليس ضارًا على طول الخط، فقد يكون نافعًا في حالة ارتفاع نسبة الذكاء والجمال والقوة في العائلة، وبالتالي فالقول بأن زواج الأقارب كله ضرر، مع كون الإسلام أباحه، كلام تعوزه الصحة العلمية.

ولعل من المناسب إيراد رأي الأطباء في هذه المسألة، يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم استشاري الأمراض الباطنية([7]):

إذا نظر أي عالم نظرة متأنية في أبعاد هذا الموضوع؛ لوجد أن القول: " بأن زواج الأقارب يعطي الفرصة لزيادة الأمراض الوراثية في الذرية " ليس قولاً صحيحًا في كل الأحوال .

قد يكون صحيحا في حالات معينة ولكنه ليس صحيحا في كل الحالات، وبالتالي لا ينبغي أن يكون قانونا عاما أو قاعدة عامة.


وهناك بعض الحقائق الأساسية في هذا الموضوع :
زيادة نسبة ظهور الأمراض الوراثية في الذرية الناتجة من العوامل الوراثية المتنحية من كلا الأبوين ليست معتمدة على زواج الأقارب في كل الأحوال ولكنها تعتمد أساسًا على مدى انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي بين أفراد المجتمع ككل .

فإذا كان منتشرا بنسبة أكثر من 1 : 8 في المجتمع؛ فإن زواج الأباعد لا يكون ضمانًا لإنجاب أصحاء وراثيًا .

نفهم من ذلك أن ظهور بعض الأمراض الوراثية في المجتمعات التي تنتشر بين أفرادها العوامل الوراثية المرضية المتنحية انتشارا نحو 1 :8 تتساوى نسبة ظهورها في الذرية في زواج الأقارب وزواج الأباعد على سواء .

وهناك فرض آخر إذا كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع أكثر من 12 % وكانت أسرة في هذا المجتمع نقية وراثيا في هذه الحالة فإن الزواج بين الأقارب في هذه الأسرة أفضل كثيرا وأكثر ضمانا من زواج الأباعد .

ومن أمثلة تلك الأمراض - مرض الأنيميا المنجلية :

إذا كان العامل الوراثي المتنحي منحصرًا في أفراد أسرة معينة أكثر مما هو في أفراد المجتمع من حولهم فإن زواج الأباعد يكون أفضل من زواج الأقارب؛ أما إذا كان العكس هو الصحيح وكان أفراد الأسرة أنقياء وراثيًا وأفراد المجتمع من حولهم ينتشر فيهم العامل الوراثي المتنحي، ففي هذه الحالة يكون زواج الأقارب أكثر ضمانًا وأمنًا من زواج الأباعد، فمثلا في بعض مناطق إيطاليا وصقلية يوجد العامل الوراثي المتنحي لمرض الأنيميا المنجلية منتشرا في أفراد المجتمع بنسبة تصل 10% والنسبة أعلى في مجتمعات أخرى مثل بعض مناطق كينيا حيث تصل النسبة إلى 40% في أفراد المجتمع، فإذا افترضنا أن أسرة هاجرت إلي هناك وكان أفرادها أنقياء وراثيا من هذا العامل الوراثي. أفلا يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد ؟

و لا يجوز أن ننسى أن زواج الأقارب له جوانب إيجابية :
أ - إذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة أو طول العمر وغيرها، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد، شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلاً حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة، وهو ما ثبت وراثيا أنه مضر .
وهكذا تتساوى الاحتمالات فى زواج الأقارب والأباعد في هذه الحالات.

و الجانب الإيجابي الأخر فى زواج الأقارب هو عدم التضحية بجيل من أجل جيل آخر، ولشرح هذه النقطة نفترض أن في مجتمع ما صار الزواج بين أقرباء فقط فى هذه الحالة نجد أن نسبة تواجد الجينات المرضية في هذا المجتمع ستزداد في ذرية هذا الجيل نتيجة عدم التخلص من هذه الجينات المرضية، اذ أن التقاءها في حالة مزدوجة أو نادر الحدوث .
والنتيجة أنه بمرور الأجيال سترتفع نسبة تواجد هذه الجينات المرضية في المجتمع، وهذا يؤدي إلى زيادة مطردة في ظهور الأمراض الوراثية المحكومة بهذه الجينات في الأجيال القادمة مثل مرض تليف البنكرياس.

نخرج من هذا بنتيجة هامة، وهي أن زواج الأقارب قد يضحي بالجيل الحاضر من أجل الأجيال القادمة، و زواج الأباعد قد يضحى بالأجيال القادمة من أجل الجيل الحاضر وهكذا نجد في النهاية حتى فى الأمراض المحكومة بجينات متنحية لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب.

و الاحتمال العلمي لنقل القلة من الأمراض الوراثية الناتجة من جينات متنحية عن طريق زواج الأقارب يقع في حالة واحدة، وهى أن يكون أفراد المجتمع أنقياء وراثيا وأفراد الأسرة غير أنقياء وراثيًا.

قال العرب قديمًا: الغرائب أنجب, وبنات العم أصبر.



([1]) وقد ذهب العلاَّمة ابن باز رحمه الله إلى أنَّ زواج الأفارب فيه تعزيز لصلة الرحم .

( [2]) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (1231) والحاكم (2/161) وأحمد (3/ 8 -81) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد الخدري، الصحيحة 307 .


([3]) قاله الإمام ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح الشريط 12 الدقيقة 19.

([4]) وهذا ما أتبتته عدة دراسات طبية اطلعت عليها ستجد أحدها في هذا الفصل .

([5])الجزء 18، ص14 .

([6]) ما يلي هذا النص وما يليه في موضوع زواج الأقارب، هو ما وقعت عليه عيني في أحد المواقع على الشبكة، نقحته وأزلت بعض ما يعتريه .

([7]) طبيب مصري شهير .

أم سَلمى
25-04-2009, 01:22 PM
متى يُدفع المهر؟

هذه المسألة من المسائل العرفية، فيجوز دفعه قبل العقد وبعد العقد وعند العقد، فإذا اتفقا عليه وجب تسليمه، فإن اتفقا عليه حالاً وجب تسليمه حالاً، وإن اتفقا عليه إلى أجله وجب تسليمه إلى أجله، وإن اتفقا على دفعه قبل العقد حتى يتمكن أهل المخطوبة من تجهيزات الزواج فهذا جائز، ولا يحتاج إلى تحديد شيء، فإن أعطاهم ما تيسر واتفق كفى، فمن قدم شيئاً مما طالت به نفسه إلى أهل الزوجة ورضوا به ولم يردوه كفى، أمَّا إن حددوه بشيء فهو مخير، إن شاء سلَّم لهم ما حددوا، وإن شاء ترك ([1]).

تقديم الهدايا للمخطوبة وأهلها

يفتي العلماء بجواز أمور في مرحلة الخطبة كالهدية وفي هذا آثار عن السلف؛ وجماهير العلماء على جوازها، بل جرى الأمر عندهم على بحث جواز استردادها إن فسخت الخطبة أم لا؛ وممن حقق في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن باز وابن عثيمين -رحمهم الله جميعاً-؛ والأصل في الهدية تحقيق المقصد الشرعي: ((فإنَّه أحرى أن يؤدم بينكما)) .

يقول الإمام ابن عثيمين: " وأما ما يرسل إلى المخطوبة عند الخطبة من أنواع الحلي فإن هذا لا بأس به لأنه عبارة عن هدية يقصد بها تحقيق رغبة الزوج لمخطوبته"([2]).

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الهدية ليست من المهر قطعًا([3]) .

هل الأصل في الخِطبة الإخفاء أم الإعلان؟

ولا شك أنَّ المرء إذا عزم على الخطبة، ولكنه لم يقدم على إخبار ولي المخطوبة ولم يحصل الإيجاب والتراضي بعد، فإنَّه يكتم الأمر حتى يتحقق المقصود؛ فقد أشار بعض العلماء([4]) إلى أنّه كما يشرع إعلان النكاح، فإنه ينبغي إخفاء الخطبة، استعانة على إنجاح الحوائج بالكتمان، ولأنّ حفظ الأعراض عن مقالة السوء قد راعته الشريعة، حتى لا يتناول بعض ضعاف النفوس المرأة التي تركها من خطبها بألسنتهم([5]) وفي ذلك حديث ضعيف لا يعوَّل عليه؛ وهو حديث: ((أظهروا النكاح وأخفوا الخطبة)) رواه الديلمي في الفردوس عن أم سلمة بإسناد ضعيف؛ قال الألباني في السلسلة الضعيفة: "سكت عليه الحافظ في مختصره وسنده ضعيف، أم علقمة واسمها مرجانة مجهولة الحال، ومن دون الدراوردي فيه من لم أعرفه" اهـ.

وقد ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن تحقيق حديث عدم الخطبة على خطبة أخيه لا يتم إلا بمعرفة الناس أمر خطبة فلانة، وإخفاء الخطبة يتنافى مع ذلك، وهذا له وجه قوي راجح ولكنَّ محلَّه بعد القبول والإيجاب.

وغاية الأمر أنَّه إن تحققت المحاذير التي قال بها الفريق الأوَّل؛ فلا شك أنَّه ينبغي إخفاء الخطبة لتلك المحاذير، وإن لم تحقق فإعلانها بما لا يتنافى مع الشرع أمر لم يذكر العلماء فيه نهيًا، بل جاء ما يعضده.


([1]) من فتوى للإمام ابن باز في برنامج نور على الدرب ش510 د7 .

([2]) نور على الدرب .

([3]) وقد سُئل الشيخ عبدالمحسن العبَّاد: هل يعتبر بعض ما يفعله الناس من الولائم قبل النكاح، بما يسمَّى بالشبكة وغيرها، هل يعتبر من الإسراف؟
فأجاب: لا شكَّ أنَّه من التكلُّف، ومن الأشياء التي تُثقل كاهل الزوج، وعدم فعل هذه الأشياء والاكتفاء بوليمة واحدة مع عدم المُبالغة فيها هذا هو الذي ينبغي؛ من شرح سنن أبي داود ش157 د55 .

([4]) وهم المالكية بالجملة .

([5]) تفسير القرآن للقرطبي (3/189) مع التعقيب للحمدان بتصرف، تكملة على مقال بتاريخ 28/8/1424هـ .

خالد الهنداوي
25-04-2009, 02:00 PM
موضوع مهم بارك الله فيكي

أم سَلمى
25-04-2009, 02:19 PM
النظر إلى المخطوبة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرشد الإسلام إلى النظر إلى المخطوبة، ورخص فيه، دفعًا لضرر الطلاق إذا لم تعجبه بعد الزواج، ولِأَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ تَقْدِيمِ النَّظَرِ أَدَعى للأُلْفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ، ويُستدل على مشروعية النظر من كتاب الله بقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} [الأحزاب : من الآية 52] .

فقد استنبط منها العلماء جواز النظر إلى المخطوبة؛ فَلَا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ([1]) ؛ قال القرطبي في تفسيره للآية: " في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها"([2]) .

وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلَّم- يفعل ذلك إذا أراد أن يتزوج، كما جاء في حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ((فَصَعَّدَ فِيهَا النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ)) .

وجاء إرشاد النبي –صلى الله عليه وسلمَّ- لأمته بذلك كما في حديث المغيرة بن شعبة أنَّه خطب امرأة فقال الرسول -صلى الله عليه وسلَّم-: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) ([1]) .

وجرى فعل الصحابة على ذلك بعد إرشاد نبيهم –صلى الله عليه وسلَّم-؛ قال سهل بن أبي حثمة: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردًا شديدًا))([2]) .

وحصل هذا من فعل الصحابة جابر بن عبدالله، والمغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، رضي الله عنهم جميعًا .

قال ابن قدامة : " لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة النّظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها"([3]) .

فحكم هذا النظر أنَّه مندوب مستحب؛ فقد حث عليه النبي -صلى الله عليه وسلَّم- ورغَّب فيه .






([1]) قاله الجصاص في أحكام القرآن .
([2]) تفسير القرطبي (14/121) .
([1]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (515-51 وكذا النسائي (2/73) والترمذي (1/202) والدارمي (2/134) وابن ماجه (1866) والطحاوي (2/ وابن الجارود في "المنتقى" (ص 313) والدارقطني (ص 395) والبيهقي (7/84) وأحمد (4/144 - 245/246) و ابن عساكر (17/44/2) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة من الصحيحة الحديث 96 .

([2]) أنظر تخريج الإمام الألباني للحديث في الصحيحة برقم 97 .

([3]) كذا في الموسوعة الفقهية (19/129) .

أم سَلمى
25-04-2009, 03:13 PM
متى يبدأ جواز النظر؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رخَّص النبي -صلى الله عليه وسلَّم- بالنظر إلى المخطوبة منذ أن يلقى في قلب الرجل خطبتها كما في حديث ابن أبي حثمة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) ([1]) . وجرى على ذلك عمل الصحابة كمحمد بن مسلمة -رضي الله عنه-؛ قال سهل بن أبي حثمة: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردًا شديدًا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب -رسول الله صلى الله عليه وسلم-؟! فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا ألقي في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها))([2]) .


قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "أَحْكَامِ النَّظَرِ": " فَإِنْ عَلِمَ الْخَاطِبُ أَنَّهَا لَا تُجِيبُهُ هِيَ، أَوْ وَلِيُّهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَطَبَ" ([3])اهـ .



هل يكون النظر بعلم المخطوبة أو بدون علمها؟

الأصل المتبادر للذهن أنَّ النظر إلى المخطوبة يكون بعلمها، كما في حديث المغيرة بن شعبة أنَّه خطب امرأة فقال الرسول -صلى الله عليه وسلَّم-: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))([4]) قال المغيرة -رضي الله عنه-: ((فأتيتها وعندها أبواها، و هي في خدرها، قال: فقلت:
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أنظر إليها، قال: فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أُحرِّج عليك، إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرك أن تنظر لما نظرت، و إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرك أن تنظر، فلا تنظر. قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها))[5]

لذلك أكَّد النبي –صلى الله عليه وسلَّم- على أنَّ النظر يجوز حتى بدون علم المخطوبة حين قال: ((وإن كانت لا تعلم)) .

وهو حديث أبي حميد الساعدي، قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم))[6] .

ويعزز ذلك فهم الصحابة، وعملهم في التخبأ للنظر، فهذا محمد بن مسلمة يطارد مخطوبته ببصره بدون علمها، وهذا جابر –رضي الله عنه- يقول: ((فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها))([7]) .

فالحاصل أنَّ النظر يجوز بعلم المخطوبة أو بغير علمها؛ وقال بعض أهل العلم: إنّ عدم علمها أولى لأنّها قد تتزيّن له بما يغرّه([8])؛ وفضل الآخرون عكس ذلك فقالوا أن النظر بعلمها أولى([9]) لئلاّ يتطرّق الفسّاق للنّظر للنّساء ويقولون: نحن خطّاب .
وقالوا: إن نظر بغير علمها؛ فبإذن وليِّها([10]) وإلاّ كان عندهم مكروهاً .

قال الإمام الألباني -رحمه الله-: " و يجوز النظر إليها و لو لم تعلم أو تشعر به، لقوله -صلى الله عليه وسلم- : ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، و إن كانت لا تعلم)) .



([1]) السلسلة الصحيحة الحديث رقم 98 .

([2]) انظر تخريج الإمام الألباني للحديث في الصحيحة برقم 97 .

([3]) نقله الحطَّاب في مواهب الجليل .

([4]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (515-51 وكذا النسائي (2/73) والترمذي (1/202) والدارمي (2/134) وابن ماجه (1866) والطحاوي (2/ وابن الجارود في "المنتقى" (ص 313) والدارقطني (ص 395) والبيهقي (7/84) وأحمد (4/144 - 245/246) و ابن عساكر (17/44/2) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة من الصحيحة الحديث 96 .

([5]) انظر الصحيحة لتخريج الأثر الحديث 96.

([6]) رواه أحمد، ارجع إلى التخريج في الصحيحة الحديث 97 .

([7]) كذا في الصحيحة 99 .

([8]) واختاره العلامة الفوزان كما في الملخص الفقهي .

([9]) وهم المالكية .

([10]) ولم ترد في أي رواية من روايات الحديث هذا القيد، وإنَّما جنح من جنح من العلماء إلى هذا إعمالاً لقاعدة سدِّ الذريعة، وما حرِّم لسد الذريعة فإنَّه يجوز للحاجة والله أعلم

أم سَلمى
25-04-2009, 04:11 PM
إلى ماذا ينظر في المخطوبة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا فيما ينظر من المرأة، قال بعض العلماء وهم الشافعية: وَلَا يَنْظُر إِلَى غَيْر وَجْههَا وَكَفَّيْهَا؛ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَجْتَهِد وَيَنْظُر إِلَى مَا يُرِيد مِنْهَا إِلَّا الْعَوْرَة، وَقَالَ اِبْن حَزْم، يَنْظُر إِلَى مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا، وَعَنْ أَحْمَد ثَلَاث رِوَايَات: الْأُولَى كَالْجُمْهُورِ، وَالثَّانِيَة يَنْظُر إِلَى مَا يَظْهَر غَالِبًا، وَالثَّالِثَة يَنْظُر إِلَيْهَا مُتَجَرِّدَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضًا: يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنهَا، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة يُشْتَرَط إِذْنهَا؛ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْم أَنَّهُ لَا يَجُوز النَّظَر إِلَى الْمَخْطُوبَة قَبْل الْعَقْد بِحَالٍ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَجْنَبِيَّة، وَرَّد عَلَيْهِمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة"([1]) اهـ

والسبب في اختلاف أهل العلم: أنَّه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقًا، وورد بالمنع مطلقًا، وورد مقيدًا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء، في قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} أنَّه الوجه والكفَّان، وقياسًا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء"([2]) .

ولكن بالرجوع إلى النصوص النبوية فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)).
قال جابر -رضي الله عنه-: ((فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها))([3]).

فقد أطلق النبي الرخصة بالنظر بكل ما يدعو إلى النكاح؛ وفي تخبأ الصحابة دليل على أنَّهم يرون أكثر من الوجه والكفين، فهذا فهم الصحابة لهذا الإطلاق، وجريان عملهم عليه، ولم يُعرف لهم مخالف فيه، فيسعنا ما وسعهم، ويكون حدُّنا ما ورد عنهم، فلا إفراط في حدِّ النظر ولا تفريط، فنتمسك بظاهر الحديث وتطبيق الصحابة له، فينظر الخاطب إلى ما يظهر غالباً، كالوجه والكفين وشعر الرأس والرقبة والساقين ونحوهما([4]).

القول الأخير للإمام الألباني في المسألة

ولكن إن نظر إليها بعلمها فإن الإمام الألباني -رحمه الله- يرى أن لا تكشف له زيادة عن الوجه والكفين، فلم يرد في ذلك عنده حديث؛ أما إن نظر إليها بغير علمها فإنه يجوز أن يرى منها ما جرت العادة بإظهاره كما فعل الصحابة، قال -رحمه الله-: " لا يجوز التعمد أن تظهر أمامه هكذا بأكثر من وجهها وكفيها، وإنَّما يكون ذلك عنها بغير علمها؛ والأحاديث الصحيحة تفيد رؤية ما جرت العادة بإظهاره ولكن ليس في عقر دارها، بل بالتخبأ لها، أما أن يتفق الخطيب مع خطيبته أن يرى منها في عقر دارها ما لا يجوز رؤية الأجنبي منها، ولو بحضور أهلها، فهذا مما لا نعلم([5]) دليلاً عليه إلا قصَّة عمر بن الخطاب وقد تبيَّن لنا ضعفها فقد رجعنا عنها"([6])،

وقال أيضًا: " هو هذا المقصود فعلاً أن لا يكون هناك اتفاق سابق، على الرؤية، وهذه الرؤية التي تكون دون شعور من المرأة المرئية هو الذي يُجيز للناظر أن ينظر إليها إلى أكثر مما يجوز لها أن تبدي من بدنها، وليس هو إلا الوجه والكفين، كما وقع من ذاك الصحابي محمد بن مسلمة، المقصود أنه رؤي وهو يتابع امرأة في إجَّار لها، قالوا له أنت صحابي رسول الله وتفعل هذا! قال عليه السلام: ((إذا وقع في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها))، فقد يرى منها والحالة هذه، شيء من ذراعها شيء من ساقها إلى آخره .

لكن هذا لا يجوز فيما إذا اتفق الخاطب مع ولي البنت أن ينظر إليها إلاَّ إلى ما يجوز لها أن تظهر به أمام الناس عادة ألا وهو الوجه والكفين على الخلاف المعروف بين العلماء قديمًا وحديثًا في كون الوجه والكفين من العورة أو لا .
فخلاصة القول أنَّ النظرة الأولى مباحة نصًا، أمَّا النظرة الثانية فلا تُباح، إلا إذا لم تتحقق الغاية من النظرة الأولى، أما التكرار يروح كل أسبوع يزور أهلها ويراها وينظر إليها، فهذه طريقة أوروبية ليست لها صلة بالشريعة الإسلامية"([7]) اهـ .

([1]) قاله الحافظ ابن حجر في الفتح بتصرف . ([2]) قاله ابن رشد في البداية .

([3]) كذا في الصحيحة 99 .

([4]) وهذا من الأمور التي أطلقت فيها الشريعة، والأصل في ذلك الرجوع إلى الحد اللغوي؛ فإن لم نجد فالحد العُرفي مما جرت به العادة ويعضد ذلك بشدَّة فعل الصحابة المومى إليه .

([5]) لاحظ أنَّ قول الإمام الألباني الأخير في المسألة، عدم جواز التعمد، لا عدم جواز نظر الخطيب لو حصل ذلك اتفاقًا، بأن تكون المخطوبة وأهلها آخذين بقول العلماء الذين يقولون بجواز نظر ما جرت به العادة وقد أتى ليخطب؛ فخرجت له غير متحجبة، فإنَّه ينظر حينئذ لعموم الرخصة، وإنَّما كلام الشيخ على التعمد، والاتفاق؛ أن لا دليل على ذلك عنده.

([6]) سلسلة الهدى والنور ش311 د27 .

([7]) ش 427 د35 من سلسلة الهدى والنور .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:16 PM
تراجع الإمام الألباني عن تصحيح حديث كشف ساق أم كلثوم


لقد تراجع الإمام الألباني عن تصحيح أثر عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-، في قصة كشفه عن الساقين، بعد أن نصر بها جواز رؤية ما جرت العادة بإظهاره.

فقد قال الإمام الألباني عن الحديث قديمًا: " رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور في "سننه" وابن أبي عمر وسفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحنفية؛ ذكره الحافظ في "التلخيص" (ص 291 - 292)" اهـ

وقد صححه في السلسلة الصحيحة الحديث 99 أيضًا؛ ثم تراجع عن ذلك بعد أن تابع فيه الحافظ ابن حجر وتبين له أن الحافظ قد وهم؛ فوهم تبعاً له، بيَّن ذلك في الضعيفة 1273بأن أفرد مبحثاً كاملاً في السلسلة الضعيفة ننقله هنا:

قال -رحمه الله-: " كنت ذكرت في المصدر المذكور (1/156) نقلا عن " تلخيص الحبير " لابن حجر العسقلاني (ص 291-292) من الطبعة الهندية رواية عبد الرزاق و سعيد ابن منصور و ابن أبي عمر (الأصل: أبي عمرو و هو خطأ) عن سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحنفية أنَّ عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم .. القصة، و فيها أن عمر -رضي الله عنه- كشف عن ساقيها .

و قد اعتبرتها يؤمئذ صحيحة الإسناد، اعتماداً مني على ابن حجر -وهو الحافظ الثقة- و قد أفاد أن راويها هو ابن الحنفية، و هو أخو أم كلثوم، و أدرك عمر ودخل عليه، فلما طُبع "مصنف عبد الرزاق" بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.

ووقفت على إسنادها فيه (10/352) تبين لي أن في السند إرسالاً وانقطاعًا، وأن قوله في "التلخيص" ":
. . ابن الحنفية" خطأ لا أدري سببه، فإنه في "المصنف": " . . . عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال : . . ."، و كذلك هو عند سعيد بن منصور (3 رقم 520) كما ذكر الشيخ الأعظمي، وأبو جعفر هذا اسمه محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد جاء مسمى في رواية ابن أبي عمر بـ " محمد ابن علي" كما ذكره الحافظ نفسه في "الإصابة".

و ساقه كذلك ابن عبد البر في "الاستذكار" بإسناده إلى ابن أبي عمر، وعليه فراوي القصة ليس ابن الحنفية، لأن كنيته أبو القاسم، وإنما هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كما تقدم، لأنه هو الذي يكنى بأبي جعفر، و هو الباقر؛ و هو من صغار التابعين، روى عن جديه الحسن والحسين وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسلاً، كما في "التهذيب" وغيره، فهو لم يدرك عليا بَلْهَ عمر، كيف وقد ولد بعد وفاته بأكثر من عشرين سنة، فهو لم يدرك القصة يقيناً، فيكون الإسناد منقطعاً، فرأيت أن من الواجب علي -أداءً للأمانة العلمية- أن أهتبل هذه الفرصة، و أن أبين للقراء ما تبين لي من الانقطاع، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لنا ما زلت له أقلامنا، ونبت عن الصواب أفكارنا، إنه خير مسؤول" انتهى من الضعيفة في التعليق على الحديث 1273 .

قلت: وقد أشار الإمام الألباني في الصحيحة -الطبعة الأخيرة- إلى أن حديث عمر -إن صحَّ عنه- مع تفصيل السابق يعتبر مرجحاً قوياً في باب حدود النظر، ولكنه قال في سلسلة الهدى والنور بعدها: " ثبت لدي أن القصة غير ثابتة ولا يجوز أن نذكرها إلا مع بيان ضعفها .
وقد توقفت عن شيئين:
1-القول بتصحيح القصة .
2-القول بجواز رؤية ما جرت به العادة من المخطوبة في عقر دارها، فلا يجوز التعمد أن تظهر أمامه هكذا بأكثر من وجهها وكفيها، وإنَّما يكون ذلك عنها بغير علمها .
والأحاديث الصحيحة تفيد رؤية ما جرت العادة بإظهاره ولكن ليس في عقر دارها، بل بالتخبأ لها؛ أما أن يتفق الخطيب مع خطيبته أن يرى منها في عقر دارها ما لا يجوز رؤية الأجنبي منها، ولو بحضور أهلها، فهذا مما لا نعلم دليلاً عليه إلا قصَّة عمر بن الخطاب وقد تبيَّن لنا ضعفها فقد رجعنا عنها"([1]) اهـ .

وقد قدمنا الموافقة من الناحية الحديثية، والمناقشة من الناحية الفقهية في فصل مناقشة أقوال من قيَّد النظر بالوجه والكفين، وأنَّ هناك أدلة أخرى تبيح النظر إلى أكثر من الوجه والكفين، وأنَّ الإمام الألباني كان من مناصريها بشدة في السلسلة الصحيحة.


([1]) سلسلة الهدى والنور 311 د28 بتصرف .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:23 PM
مناقشة قول القائلين بحصر النظر على الوجه والكفين مطلقًا وتقييدًا


ولكنَّ في حديث المغيرة ما يدل على خلاف هذا التقييد، وأنَّ عدم العلم والعلم سواء في النظر حين قال: ((فأتيتها وعندها أبواها، و هي في خدرها، قال: فقلت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أنظر إليها))([1]) .

فجميع أحاديث النظر مطلقة في حد النظر إلى أن يحصل المقصود، وما أطلق في الشريعة نرجع فيه إلى الحد اللغوي؛ فإن لم نجد فالحد الشرعي.

وكل ذلك محكوم بجريان عمل الصحابة، وقد جرى عملهم على رؤية ما اعتاد الناس على إظهاره في تلكم الحالات التي تخبأ فيها الصحابة أو التي تكون فيها المتخبأة وراء خدرها فيها بين أهلها ومحارمها، فيرى ما يرونه هم منها لا زيادة على ذلك .

وهذا ما عليه من المعاصرين الإمامان ابن باز وابن عثيمين -رحمهما الله- والإمام الألباني في القديم؛ فهم يرون عدم اختصاص رؤية ما جرت العادة بإظهاره بالتخبأ .

قال الإمام ابن باز: " الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- أمر بالنظر إلى المخطوبة، فلا بأس أن ينظر إليها؛ إلى وجهها وشعرها ويديها وقدميها -لكن من غير خلوة بها- أو من بعيد من فرجة أو جدار"([2])،

وهو قول جماعة من أهل العلم، بل في الحديث إطلاق النظر ثم زاد -صلى الله عليه وسلَّم- ولو كان من غير علمها، ثم إن حديث المغيرة ليس فيه أنَّه رأى منها الوجه والكفين فقط، فقد كانت في خدرها، بل ظاهره أنَّه نظر منها ما جرت به العادة، بل إن الإمام الألباني بنفسه قد استنبط ذلك من الأحاديث قديمًا، فتبين أن ما قيده كتابة في آخر طبعة من السلسلة الصحيحة متفق مع ما قد ذكرنا.

قال الإمام الألباني: " ويجوز له أن ينظر منها إلى أكثر من الوجه والكفين لإطلاق الأحاديث المتقدمة"([3])،

وقد بيَّن أنَّ الأحاديث ظاهرة الدلالة على ما ترجم لها به، وأن عمل رواتها مؤيد لها، محمد بن مسلمة وجابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-؛ وقال: " وكفى بهما حجة، و لا يضرُّنا بعد ذلك، مذهب من قيد الحديث بالنظر إلى الوجه والكفين فقط، لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيد، وتعطيل لفهم الصحابة بدون حجة"([4]).

وقال عن حديث: ((ما يدعوه إلى نكاحها)): " فإن كل ذي فقه يعلم أنه ليس المراد منه الوجه و الكفان فقط، ومثله في الدلالة قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: ((وإن كانت لا تعلم)).
و تأيد ذلك بعمل الصحابة -رضي الله عنهم-؛ عملهم مع سنته -صلى الله عليه وسلم، ومنهم محمد ابن مسلمة وجابر بن عبد الله، فإن كلاً منهما تخبأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظن بهما عاقل أنهما تخبآ للنظر إلى الوجه والكفين فقط!
. . . و لا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم . . . هذا ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، و قول جماهير العلماء بها -على الخلاف السابق- فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم -و لو في حدود القول الضيق-" اهـ وكلامه هذا صريح الدلالة على الاكتفاء بهذه الأحاديث على جواز النظر أكثر من الوجه والكفين، بل ضعف أثر عمر الذي أشار إليه العلاَّمة الألباني –رحمه الله- من أنَّ عمرًا رضي الله عنه رأى أكثر من الوجه والكفين، لا يضرنا فهو لم يُسَق إلا للاستئناس، والحمد لله .



([1]) تقدم تخريجه .

([2]) نور على الدرب ش127 .

([3]) في تعليقه على الحديث 98 من الصحيحة .

([4]) المرجع السابق .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:25 PM
مسألة: ماذا لو رفضت المخطوبة كشف رأسها أو قدميها للخاطب؟


النظر إلى المخطوبة ليس بواجب، وإنَّما مستحب أن يراها وتراه؛ لأنَّ هذا أقرب إلى الوئام، والنبي -صلى الله عليه وسلَّم- أمر من خطب أن ينظر، فإذا كشفت له وجهها ورجليها ورأسها فلا بأس على الصحيح، قال بعض أهل العلم: يكفي الوجه والكفان([1])،

ولكن الصحيح أنَّه لا بأس بكشف الرأس والقدمين حتى يتسنى له أن يكتشف محاسنها؛ فلها أن تنظر إليه وله أن ينظر إليها لأنَّ هذا أقرب إلى أن يؤدم بينهما كما جاء في الحديث([2]) .
ما هي الغاية في النظر إلى المخطوبة؟

قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته)) ([3]) أي: لمصلحة خطبته قبل حصول الزواج الذي يكون في الافتراق بعده ضرر أكبر من افتراق قبله، فقد يستطيع أن ينظر إلى: (( ما يدعوه إلى نكاحها )) ([4]) فيتحقق قوله –عليه الصلاة والسلام-: (( فإنه أحرى أن يؤدم بينكما([5]))) ([6])، أو يجد ما يصده عن ذلك،كما في قوله: ((فإن في أعين الأنصار شيئاً([7])، يعني الصغر([8]))).

وماذا إن صاحبت تلك الغاية شهوة؟

لا شك أن غاية النظر للخطبة معرفة صفة المخطوبة وليست الشهوة، وهذا ما يتفق عليه العلماء؛ ولكن ماذا لو صاحب النظر ما لا يمكن للإنسان دفعه؟

يقولُ ابن عثيمين –رحمه الله- أنَّه يُحجم ([9])، لأنَّ النبي –صلى الله عليه وسلَّم- أرشد أنَّ النظر للخطبة، وليس لغير ذلك، فلا يجوز أن ينظر لغير هذه النية .
قال الحنابلة: " وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ عَدَمِ الشَّهْوَةِ وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَنَفْسِ الْمَقْصُودِ نِكَاحُهَا"([10]) .
ولم يجعل الجمهور ذلك شرطاً لعدم ذكره وتقييده في أحاديث النظر صريحاً.
فمن نظر استطلاعًا فقط فقد سلم؛ ولم يشترط الجمهور الإحجام إن لم يستطع، لإطلاق النبي في الأحاديث؛ يقول الشافعي: " وَلَهُ النَّظَرُ وَإِنْ خَافَ الْفِتْنَةَ لِغَرَضِ التَّزَوُّجِ" ([11])اهـ .
وجاء في نصب الراية نقلاً عن صاحب الهداية: " وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْتَهِيهَا لِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِيهِ: ((أَبْصِرْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا)) وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ إقَامَةُ السُّنَّةِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ " اهـ .



([1]) وهم الأحناف والشافعية، وقد بيَّنا سابقاً أن ما عليه المحققون جواز كشف ما جرت به العادة .

([2]) من فتوى للإمام ابن باز في برنامج نور على الدرب ش180 د17 .

([3]) رواه أحمد، ارجع إلى التخريج في الصحيحة الحديث 97 .

([4]) كذا في الصحيحة 99 .

([5]) قوله: ((فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، قال ابن بطال: معناه يجمع بينهما، قال السيوطي: أيْ يَكُون بَيْنكُمَا الْمَحَبَّة وَالِاتِّفَاق يُقَال أَدَمَ اللَّه بَيْنَهُمَا يَأْدِم أَدْمًا بِالسُّكُونِ أَيْ أَلَّفَ وَوَفَّقَ اهـ .

( [6]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (515-51 وكذا النسائي (2/73) والترمذي (1/202) والدارمي (2/134) وابن ماجه (1866) والطحاوي (2/ وابن الجارود في "المنتقى" (ص 313) والدارقطني (ص 395) والبيهقي (7/84) وأحمد (4/144 - 245/246) و ابن عساكر (17/44/2) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة من الصحيحة الحديث 96 .

([7]) جلي من الأحاديث أنَّ النظر على سبيل الإرشاد، إذ قيد في الأحاديث بلا حرج، لا جناح، لا بأس؛ ولا يُقال مثله في الواجب كما قال العلماء؛ وقد أغرب ابن عربي –بالتنكير- في فتوحاته فزعم أن النظر واجب إلى المخطوبة إن كانت من سلالة الأنصار! بينما حرَّمه آخرون مطلقًا!

([8]) قوله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((فإن في أعين الأنصار شيئاً))، اختلف العلماء ما هو الشيء؟ فقيل: العمش أو الزرقة، وقيل: الصغر؛ قال الحافظ ابن حجر (الفتح 14/377): " الثَّانِي -أي الصغر- وَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي عَوَانَة فِي مُسْتَخْرَجه فَهُوَ الْمُعْتَمَد"؛ وهو ما اعتمده الإمام الألباني -رحمه الله-، قال النووي (شرحه على مسلم 5/132): " وَفِي هَذَا دَلَالَة لِجَوَازِ ذِكْر مِثْل هَذَا لِلنَّصِيحَةِ".

([9]) كما في الشرح الممتع وغيره؛ وهو ما عليه الحنابلة .

([10]) تحفة المحتاج بشرح المنهاج .

([11]) شرح البهجة الوردية .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:43 PM
هل تكرار النظر مباح مطلقًا طوال فترة الخطبة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

هناك من العلماء من قيد تكرار النظر بعدد؛ قال الزركشي: " وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِ التَّكْرَارِ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ((أَرَيْتُك ثَلَاثَ لَيَالٍ))"([1]) اهـ .

أي أنَّه لا يزيد عن ثلاث زيارات فيها النظر؛ ولكن تقييد ذلك قد جاء في الأحاديث بتحقق المقصود: ((ما يدعوه إلى نكاحها))، فيكون النظر بقدر الحاجة، بقدر ما يعرف المرأة، هل تصلح له أم لا([2])؛ فإن وجد ما يدعوه إلى نكاحها رجع إلى الأصل، وهو عدم جواز النظر فهي أجنبية.
قال الإمام ابن باز -رحمه الله-: " تكرار النظر باستمرار بدون حاجة لا ينبغي لأن الأصل التحريم ولأنه يفضي إلى الفاحشة؛ والجلوس للحاجة فقط والتي تتعلق بالنكاح من دون خلوة"([3]) .

وقال الإمام ابن عثيمين –رحمه الله-: " نعم؛ الخاطب لا ينبغي أن يكرر الذهاب إلى أهل الزوجة والتحدث إليها، ولكن ينظر إليها حتى يتبين له الأمر، فإذا لم يتبين له الأمر في أول مرة وأراد أن يعود؛ فلا حرج أن يكرر ذلك حتى يتبين له الأمر، أمَّا بعد أن يتبين له الأمر ويقدم ويعزم على الخطبة فإنَّه لا حاجة أن ينظر إليها"([4]) اهـ .

يقول الإمام الألباني –رحمه الله-: " الرؤية كما تعلمون جميعًا، هي قبل كل شيء ليس لشهوة يبتغيها الرائي، وإنَّما هو تنفيذٌ لحكم شرعي، وهو كما جاء في الحديث الصحيح: ((انظر إليها فإنَّه أحرى أن يُؤدم بينكما))، وفي الحديث الآخر: ((انظر إليها، فإنَّ في أعين الأنصار شيئًا)) .
فإذا رآها هل تأملها؟ مثلاً في حدود الحديث الثاني: ((فإنَّ في أعين الأنصار شيئًا)) .
هل رأى في عينيها شيئًا؟ لا .

إذًا لماذا يُريد أن ينظر إليها مرَّةً ثانية، بل مرَّات كما فهمنا أخيرًا؟

هذا ينقلنا إلى بحث أصولي، الأمر بالشيء هل يستلزم التكرار؟ لا .
إذًا لا ينظر إليها؛ إلاَّ في حالة واحدة، وهي أن يكون حينما نظر إليها لم يمتع بصره بالنظر إليها لسبب أو آخر، وهذا يُمكن أن يقع، مثلاً -وهذا يمكن كان في قديم الزمان أمَّا اليوم فأصبح نسيًا منسيًا- أن هذا الشاب خجول حيي، ما يستطيع أن يُمَكِّنَ بصره في خطيبته بحيث أن يتجلى بهذه النظرة معالمها جيِّدًا، فهو خجول، وهذا يعني يمكن -كما قلت- اليوم مش موجود، لكن نفترض هذا كسبب، ممكن نفترض سبب ثاني وهذا يمكن يكون واقعيًا، أهل البنت من أب وأخ وأخت شغلوه بالحديث معه عن تمتيع بصره فيها، ففعلاً هو ما تمكن من الوصول إلى الغاية التي أراد الرسول حينما قال: ((انظر إليها فإنَّه أحرى أن يُؤدم بينكما)) .

والأسباب عديدة، وسوف لا أكشف سرًا إذا حدثتكم بما وقع لي:

توفيت زوجتي الأولى -رحمها الله- وهي أم عبدالرحمن؛ فبدأت أفتش، فدُللت على رجل مصري سلفي في دمشق، وكان عنده كُتَّابٌ يعلم فيه الأطفال القرآن، فقيل لي: عنده بنت، واصلنا الناس أننا نريد أن نخطب، وصار اللقاء، أُدخلت علي البنت هذه -كما هي العادة- بكأس شاي أو قهوة، أنا رأيتها، لكني ما رأيتها، لم؟ لا لأني أنا صاحب حياء! -الشيخ والحضور يضحكون- وإنَّما رأيتها وما رأيتها لأنَّها مُزيَّنة ومغدرة بالبودرة والحمرة وإلى آخره، إذًا هم ضيَّعوا علي شخصيتها .

أحد الحضور: هذا هو الحياء يا شيخ .

الشيخ يضحك ويقول: فطلبنا أن نراها مرَّة أخرى، ولا أذكر الآن رأيتها أم لا، بس ما صار نصيب أن أتزوجها، فالشاهد -بارك الله فيك- أظن وضح الجواب.

الآن تذكرت شيئًا لا بدَّ من ذكره: أنتم تعلمون أن الأصل في النظر إلى المرأة أنَّه لا يجوز، فبالإضافة إلى ما قلناه حينما عدنا إلى القاعدة الأصولية، هل الأمر بالشيء يستلزم التكرار، قلنا: الجواب لا، فالآن أستدرك شيئًا آخر فأقول: بالإضافة إلى قوله -عليه السلام-: ((انظر)) أنَّه لا يستلزم التكرار، فإنَّه خلاف الأصل، هذا النظر خلاف الأصل، الأصل أن نظر الرجل إلى المرأة حرام، وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، كذلك النساء، فلا يجوز إذًا أن يكرر الخاطب نظرته ثانيًا وثالثًا، إلاَّ لتحقيق الهدف من أمر الرسول -عليه السلام- بسبب حصول سبب من الأسباب المانعة لتحقيقه.

وضربت لكم مثلاً بنفسي آنفًا، فإذا كان الأصل أنَّه لا يجوز النظر إلى المرأة، إلاَّ للخِطبة، ولا تقول الخُطبة كما يقول بعض الناس، لأنَّ الخُطبة تكون للخطباء، وليس للخطَّابين، فالمقصود: الغاية من الخطبة، أن يراها ويكون على بصيرة، هي سمراء هي بيضاء هي ضرساء هي شقراء إلى آخره، فإذا حصل هذا الهدف من النظرة الأولى حرُمَ عليه أن يُكررها، وإذا لم يحصل لسبب، مش شهواني! فحينئذ يجوز أن يُكرر مرَّة ثانية، أمَّا مرَّات فلا "([5]) اهـ .






إخفاء العيوب عند نظر الخاطب للمخطوبة

ليس للخاطب أن يخفي العيوب، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، بل الواجب البيان لأن المسلم أخو المسلم، ولا بأس بترك اليسير الذي لا يسبب نفرة([6])؛ وهذان مثالان:

أ‌-إذا أصيبت المرأة بتشوه في صدرها، فهل يجب عليها أن تخبر الخاطب ؟
ج- هذا التشوه يختلف، فإن كان يسيراً لا يضر ولا يسبب نفرة من الزوج فلا بأس بتركه وعدم إخباره .

ب‌-إذا كانت الفتاة تلبس نظارة، هل يلزمها أن تخرج للخاطب بالنظارة؟ وهل من حقه الشرعي أن يخبروه بأنها تلبس نظارة – مع العلم أن العدسات اللاصقة الآن حلت محل النظارة ؟
ج- لا حرج في خروجها إليه بالنظارة وعدمها.

وهذان الفتويان من فتاوى الإمام ابن باز –رحمه الله- من فتاوى نور على الدرب .
ونخلص بأنَّه لا يجوز إخفاء العيوب، ولكن أي عيوب؟ العيوب التي تسبب نفرة بين الطرفين كالعرج والعمى والعور والبرص وغير ذلك .
ولا يجوز للمخطوبة التبرج عند النظرة الشرعية، ولكنَّها لا تُمنع من تحسين هيئتها ولبسها عند رؤية الخاطب لها من غير ستر عيب ولا تدليس ولا سرف([7]) يقول العلاَّمة الفوزان: " لو جملوها فلا بأس، ولكن لا يجوز التدليس بحيث يتغير شكلها([8])" اهـ .



هل يجوز الزواج بدون نظر؟

النظر محل إرشاد وليس محل وجوب؛ قال ابن مفلح في الآداب: " وَلَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ أَنْ يَصِفُوا الْمَرْأَةَ الْمَنْكُوحَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُهَا بِلَا رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ، وَيَلْزَمُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ" اهـ .

وإن لم يتيسر النظر، فليرسل من ينظر إليها من النساء ويصفها له، وهذا يدل أن على المؤمن عدم العجلة في الأمور حتى ينظر ويتثبت ولا يتعجل في الأمور.

ومن الجدير بالذكر أنَّ الحديث الوارد في ذلك حديث منكر لا يُستدل به، وهو حديث أنس -رضي الله عنه-: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يتزوج امرأة، فبعث امرأة لتنظر إليها فقال: شمي عوارضها، وانظري إلى عرقوبيها))([9]) .



([1]) شرح البهجة الوردية .

([2]) قاله العلاَّمة الفوزان في شرحه لبلوغ المرام .

([3]) نور على الدرب ش363 وهو ما عليه الحنابلة بالجملة .

([4]) لقاء الباب المفتوح، 82ب .

([5])ش 427 د35 من سلسلة الهدى والنور .

([6]) الإمام ابن باز –رحمه الله- من فتاوى نور على الدرب .

([7]) الموسوعة الفقهية .

([8]) من شرحه لبلوغ المرام .

( [9]) قال الإمام الألباني في الضعيفة: منكر؛ أخرجه الحاكم (2/166) وعنه البيهقي (7/87) من طريق هشام بن علي: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس- رضي الله عنه- به .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:47 PM
هل الخطبة مرحلة تعارف باللقاءات والزيارات والمكالمات الهاتفية؟



إنَّ اعتبار الخِطبة مرحلة للتلاقي والحوارات المطلقة؛ اعتبار غريب، لا يجده الباحث في شيء من كتب اللغة والفقه بله في نص من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلَّم-؛ بل ولا جرى على هذا التعريف عمل السلف، فلم نسمع عن أحد منهم كثرة زياراته لمخطوبته من دون حاجة؛ ولم نسمع عنهم ما نراه اليوم من توسع غير محمود لم يرخصه الشارع، وهذا الخلل في تعريف الخِطبة -لا شك- قد أدى إلى مخالفات كثيرة وتوسيع لدائرة الحاجيات والضرورات عجيب؛ ثمَّ إنََّ ما يدعيه بعض الناس من أن فترة الخطبة فرصة ليتعرف كل من المقدمين على الزواج على بعضهما ادعاء يكذبه الواقع، إذ من المعلوم حتى عند من تزوج بهذه الطريقة أنّ ما كانا يريانه من بعضهما لم يكن يتعدى المظاهر الخادعة، وإظهار الأفضل والأكمل من كل منهما، ومحاولة تغطية جميع التصرفات غير الحسنة بالكلام المعسول والمجاملات، حتى يظل كل منهما يعيش في حلم لا ينطلق من حقيقة يعيشها الطرفان، ويظل كل منها يتصور بأنَّه سيقترن بأفضل الناس معشرًا، ثم إذا دخل بها وجد الأوهام والأحلام قد تبددت، وظهرت الأمور على حقيقتها، وذهب الهندام المتكامل، والرائحة العطرة، والأخلاق التي تملأ الجو أنساً، والسلوك الذي يقطر عسلا.ً

بينما الحق في التعرف على المتقدم لا يكون إلا بعين العقل بعيداً عن العواطف، ويكون ذلك بالنظر إلى البيئة التي جاء منها المسؤول عنه، فإن الإنسان في الغالب ابن بيئته، وبالسؤال عن الأسرة التي ينتمي إليها، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وبالسؤال عن القرناء، لأن القرينبالمقارن يقتدي، وبالسؤال عن دينه وخلقه وسلوكه([1]).

فهذا شيء موروثٌ عن الغربيين وغيرهم من ملل الضلال متشبهين بهم؛ كما أشار إلى ذلك الإمام الألباني حين قال: " أما التكرار يروح كل أسبوع يزور أهلها ويراها وينظر إليها، فهذه طريقة أوروبية ليست لها صلة بالشريعة الإسلامية"([2]) اهـ

قال الشيخ العلاَّمة تقي الدين الهلالي –رحمه الله-: " ومن غريب ما وقفت عليه من شؤون المتخاطبين عندهم أن الرجل يخطب المرأة فيتفقان على الزواج، ويبقيان مدة طويلة تعاشران عشرة المتحابين، وهي كما قلنا مخالطة تامة كمخالطة الزوجين، ثم يعقدان النكاح ويجتمعان على الزواج، فلا يلبثان أن تسوء عشرتهما، فيقع الشقاق بينهما ثم يعقبه الفراق.
ومن عجيب ما سمعت من ذلك في مدينة (بن) الألمانية أن متخاطبين بقيا مدة عشرين سنة متعاشرين في غاية الوفاق والوئام، ثم تزوجا، فلم يلبثا إلا سنة واحدة حتى وقع الطلاق بينهما، وكانت تلك السنة كلها خصومات ونزاعا بينهما، فسألت عن سر ذلك فأخبروني أن الرجل والمرأة ما داما متخاطبين يستر كل منهما أخلاقه الحقيقية ويتخلق بغيرها مصانعة وتملقا لصاحبه، مخافة أن يمله ويفسخ الخطبة، فإذا وقعت عقدة النكاح بينهما يسقط كل واحد منهما الكلفة، ويزول التملق، وتنكشف مخبآت الأخلاق والعادات، فيتلوها التنافر ثم النزاع والخصام ثم الطلاق"([3]) اهـ .



([1]) مستفاد من تعقيب الحمدان ومن تقرير للإمام ابن عثيمين بمعناه، تم العزو إليه سابقاً .

([2]) ش 427 د35 من سلسلة الهدى والنور .

([3]) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثامن، تعليم الإناث .

أم سَلمى
25-04-2009, 04:52 PM
وماذا عن المكالمات الهاتفية وبالجهاز النقال؟

أجاز البعض من أهل العلم هذا الأمر في حدود ضيِّقة وبشرط وجود محرم عندها، ومنها المكالمات الهاتفية والمراسلات ونضيف لها برامج المرسال على شبكة المعلومات العالمية؛ فذهب الإمام ابن باز والعلاَّمة الفوزان إلى جوازها بالقيود السابقة لأنَّ الأصل في مكالمة الأجنبية بالهاتف لحاجة ولأمر مباح بدون خضوع الجواز .

قال الإمام ابن باز -رحمه الله-: " لا حرج في كلام المرأة مع الرجل في الهاتف إذا كان سؤالاً عن العلم، أو إذا كان في مسألة شرعية أو سؤالاً عن مريض لصحته، أو عن شيء مهم، لا بأس بذلك، أما إذا كانت المكالمة للمغازلة كما يقولون، أو لإشعال فتنة أو الدعوة إلى الفاحشة أو ما يجر إلى الفاحشة فلا يجوز، الواجب على المرأة أن تحذر ذلك، وعلى الرجل أن يحذر ذلك . . . أما أن تكلم زوج أختها أو ابن عمها تسأله عن صحته وصحة أولاده ووالدته وأبيه، أو عن حاجة تسألها عنه، عن شراء حاجة أو يبيع لها حاجة أو ما أشبه من الأمور التي ليس فيها شبهة ولا ريبة، ولا شر فلا حرج في ذلك"([1]) اهـ.


ولكنهم قيدوا ذلك بالشروط التالية:

أ‌-أن يكون ذلك بعد الاستجابة .
ب‌-ينبغي وجود محرم يسمع ما يقولان، حتى يحصل الانضباط وعدم الاسترسال، لأن الغالب أن مكالمة رجل امرأة أجنبية وخصوصاً تلك التي سيتزوجها ستؤدي إلى إثارة الشهوة، وحينئذ سيستمتع بامرأة لا تحل .
ت‌-أن تكون لحاجة كأن يتكلم في شؤون الخطبة والزواج وما يتعلق بهذا الأمر.
ث‌-أن تكون بقدر الحاجة، بدون توسع أو خضوع بالقول أو استمتاع .

قال الإمام ابن باز -رحمه الله-: " أمَّا المراسلة يسألها عن حالها وظروفها لا بأس بها، وأن تراسله هي أيضاً كذلك؛ المراسلة التي لا تدعو إلى خطر ولا تدعو إلى شرٍ وليس فيها خلوة، ولا تدعو إلى فساد ولا زنا هذا لا بأس؛ أمَّا إذا كانت المراسلة قد يُخشى منها الشر، فلا ينبغي أن يُراسلها ولا ينبغي أن تراسله، وينبغي سدُّ الباب حتى لا يُتهموا بالشر؛ لكن إذا كانت مراسلة واضحة يعرفها أهلهما ليس فيها شُبهة ولا توقع في شبهة، إنَّما هي لحاجتهما للتفاهم في بعض المسائل، فلا بأس بذلك"([2]) اهـ .

قال العلاَّمة الفوزان: "مكالمة الخطيب لخطيبته عبر الهاتف لا بأس بها إذا كانت بعدالاستجابة له، وكان الكلام من أجل المفاهمة وبقدر الحاجة وليس فيه فتنة ([3])" اهـ.

وقال أيضًا: " مخاطبة الشباب للفتيات عبر الهاتف لا تجوز؛ لما في ذلك من الفتنة؛ إلا إذا كانت الفتاة مخطوبة لمن يكلمها، وكان الكلام مجرد مفاهمة ولمصلحة الخطبة، مع أن الأولى والأحوط أن يخاطب وليها بذلك، أما المخاطبة بين الشباب والفتيات في غير حالة الخطبة؛ فإنها لا تجوز؛ لما في ذلك من الفتنة الشديدة، وخشية الوقوع في المحذور، وإذا كان ذلك في حال الصيام؛ فإنه يؤثر على الصيام بالنقص؛ لأنه مطلوب من الصائم المحافظة على صيامه مما يخل به وينقصه، وكم سبب الاتصال بين الشباب والفتيات بواسطة التلفونات من مصائب خلقية وجرائم اجتماعية؛ فالواجب على أولياء الفتيات منعهن ومراقبتهن من هذا الخطر"([4]) اهـ .

وقد ذهب جماعة آخرون من أهل العلم المعاصرين إلى المنع من ذلك مطلقاً بقاءً على أصل الأجنبية، وسداً للذريعة؛ فقد تفشت المخالفات في هذا الباب في العصر الحاضر فلا تكاد تجد إلا واقعًا في المحظور؛ ومن هؤلاء العلماء الذين منعوا: الإمام الفقيه العلاَّمة ابن عثيمين والشيخ المُحدِّث عبد المُحسن العبَّاد والشيخ الجابري –حفظه الله- والشيخ العلاَّمة عبدالعزيز آل الشيخ -رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء-.

قال الإمام ابن عثيمين عن الحديث عبر الهاتف: " هذا حرامٌ ومنكر، والمرأة ما دام أنها لم يعقد عليها فهي أجنبية كغير المخطوبة تماماً، ولا يحل للخاطب أن يتحدث مع مخطوبته لا عبر الهاتف ولا بواسطة الرسائل ولا بغير ذلك، لأنَّها أحنبية عنه، ولا حاجة إلى التخاطب معها، وإذا كان يجب أن يتخاطب معها أو يراسلها فليعقد العقد عليها حتى تكون مكالمته لها نزيهة وبريئة وحلالاً، وكذلك مراسلته إيَّاها، لأنَّ الإنسان إذا عقد على الزوجة حلَّ له كل شيء يحلُّ للزوج من امرأته التي قد دخل بها، وأما قبل العقد فلا يحل له منها إطلاقاً شيء يحرم على غيره، كل ما يحرم على غيره من غير الخاطبين هو حرامٌ عليه"([5]) اهـ.

قلتُ –كاتب هذه الصفحات-: إلا النظر والهدية كما فصَّل ذلك الإمام ابن عثيمين بنفسه في موضع آخر، حتى يتحقق المقصود .

قال الشيخ المحدث عبد المحسن العبَّاد: " ما يصح للانسان أن يكون على صلة بخطيبته، إلا بعد العقد، إذا وجد العقد، وتم عند ذلك يمكن معه كل شيء، أمَّا قبل حصول ذلك فإنه قد يحصل تلاعب وعدم اتفاق، ويمكن أن يتخذ ذلك بعض اللاعبين من قبيل الاحتيال، فيكون في ذلك مجال لتلاعب المتلاعبين، الذي ينبغي ألا يفعل شيء من هذا إلا بعد تمام العقد"([6]) اهـ .

وقد سألت الشيخ الجابري –حفظه الله- وأنا أكتب هذه الورقات في مكالمة هاتفية عن مكالمة المخطوبة بوجود محرمٍ في الطرفين، وللحاجة ، فأجاب: " لا بُدَّ -بارك الله فيك- أن تكون الخِطبة عن طريق وليها، لابدَّ .ولكن إذا كانت المرأة قد وثقت من رجل صالح دينًا وخُلُقًا، وخشيت أن يفوت عليها، فلا مانع أن تعرض نفسها عليه بواسطة -وهو أفضل- ومن غير واسطة وبكلام قليل، تبينُ له رغبتها فيه .

فقلت له –حفظه الله-: يا شيخ؛ هذا بعد الإيجاب، بعد الموافقة والقبول فهم يتكلمون في فترة مثلاً شهران بعد الخِطبة؟

الشيخ: لا لا لا، هذا لا يجوز، هذه أجنبية، إلاَّ بعد العقد، بعد العقد هي زوجته، إذا عقد عليها فهي زوجته، ويتعاملون حسب العُرف حسب عُرف أهلهما.

قلت: يا شيخ؛ بعض الشباب يُعكِّرُ على ذلك، ويتناقلون ويقولون: الأصل أنَّ مكالمة الأجنبية للحاجة جائزة، وهذه يقولون أنها أجنبية؟

الشيخ: لا، بارك الله فيك، الحاجة ما هي؟ كأن تبيع، أو تشتري، أو تسألُ عالمًا، بارك الله فيك، ولا يُتوسَّعُ فيها، أمَّا هذه بارك الله فيك المعروف أنَّه يصحبها خضوع من القول وممازحة ومضاحكة، يعني باب خطير هذا، نعم"([7]) اهـ .

قال الشيخ العلاَّمة عبدالعزيز آل شيخ –حفظه الله-([8]): " أيّها الشابّ المسلم، وعندما تتقدّم لخطبَة امرأة وتنظر إليها فإني احذّرك من الاتّصالات الهاتفيّة قبل عقدِ النكاح، فإنّ كثيرًا من هذه الاتّصالات الهاتفيّة ربّما أبطأت أمرَ الزواج، وحصل قيل وقال وفضولُ كلام، لا طائلَ تحته، وإنّما هو سببٌ في إبعاد الزّوجين بعضهما من بعض.

أيّها الشاب المسلم، عندما تحصُل هذه الاتصالات الهاتفيّة غالبًا قبلَ العقد ربّما تكون سببًا في إفساد العَقد، ربَما يسألها عن تاريخها وحياتها السّابقة، وتفتح له كلامَ القيل والقال، وربّما سألته عن حياته الماضية، فقال عن نفسه ما قال، فيكون ذلك سببًا لانفصام الخطبة وعدم استمرارها.

العَبدُ لا يخلو من خطأ، والمسلم لا يخلو من خطأ، قلّ أو كثر، لا الرّجل ولا المرأة، والتّوبة إلى الله والاستغفار والنّدم والإقلاع عن الخطأ هذا هو المطلوب من المسلم، وأمّا تتبّع الماضي وجعلُ الماضي منهجًا لكي يُصَدّ عن الزواج فإنّ هذه الأمور [إذا تبت منها] لن يسألك الله عنها، وإنّما عليك في حياتك المستقبليّة، هذا هو المطلوب، أمّا الاتصالات قبل العقد فلا خير فيها؛ لأنّه يخشى أن تجرَّ إلى لقاءٍ قبل العقد، وهذا أمرٌ محرَّم شرعًا، وإذا أردتَ التخلّصَ من هذه التبِعات فاعقِد العقدَ الشرعيّ الذي يقول فيه النبيّ –صلى الله عليه وسلَّم-: ((أخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله))"([9]) اهـ.

وقال في موضع آخر: " أيّها المسلم، ولكن للأسفِ الشديد يغلَط البعضُ من المسلمين ممّن اغترّوا بتقليد الأعداءِ وانساقوا وراءَ تلكَ الشّعارات الزائفةِ والأفكار المنحرفةِ حيث أنّ الخطيب ربما التَقَى بمخطوبتِه لُقيا غيرَ شرعيّة سببُها الاتِّصال الهاتفيّ، الرسائل الجوال، وأمثال ذلك، فمجرَّدِ الخطبة يتَّخذ بعضُ ضعفاءِ الإيمان ذلك وسيلةً إلى الاتصالِ بالمرأة المخطوبةِ والتحدُّث معها عبرَ الجوال أو الهاتف وتبادُل الرّسائل، وذا منكَر يا أخي المسلم، فإنّ هذه الاتصالاتِ والرسائلَ ربما تقرِّب بعضَهم إلى بعض، فيجري اتِّصالٌ ولِقاء وخَلوَة، وربّما وقع المحذور والعياذ بالله.

أختي المسلمة، قد يخدَعُك بعضُ الشباب، فيذكُرُ أنّه يريد خطبَتَك وسيتقدَّم لخطبَتِك لوليِّك، فيكثِر الاتصالَ، ويكثِر التحدّث، ويكثِر بَعثَ الرسائل، وما قصدُه إلاَّ خِداع ومَكر وتضلِيل وتغرير، فإن تكن الفتاةُ فتاةً مؤمنة حقًّا ذات دينٍ واستقامة ومحافظةٍ على دينها وشرفِها لم تمكِّن هذا المتطفِّل منَ الاتصالِ بها وتقول: الأمورُ تُؤتَى من أبوابها، والسنّةُ أباحتِ النظرَ عندما تدعو الحاجةَ إليه، أمّا اتصالاتٌ وأحاديثُ يوميّة، يعلِّل بعضُ أولئك أنّه يريدُ أن يكشِفَ أخلاقَها، ويريدُ أن يسبُر العلاقَةَ النفسيّة، ويريد ويريد، ويتشاوَرَان في تأثيثِ المسكَن أو المشترياتِ للزواج، إلى غيرِ ذلك من هذه العِلَل الواهية، فهذا من تزينِ الشيطان وتحسينِه الباطلَ لبعضِ ضُعفاءِ الإيمان.

فلا يخدعنَّك ـ أختي المسلمة ـ ممارِسٌ في الشّرِّ ومتردِّد في الفسادِ وساعٍ في الشرّ والبلاء، إن تقدَّم خاطبًا نظَر وتكفيه النظرةُ الأولى.
وأما الأحاديثُ ومبادلَة الأحاديث فذا أمرٌ ينبغي إغلاقُ بابِه إلاَّ بعد العقدِ الشرعيّ الذي يستبيح به المرأةَ المسلمة.

أيّتها المرأةُ المسلمة، كم من شبابٍ خدَعوا بعضَ الفتيات وغرّروا ببعضِ الفتيات وتجرَّؤوا على بعض الفتيات، حتّى حمَلهم ذلك الباطلُ إلى التقاطِ صورٍ لتلك الفتاة وهي تحادِثُ هذا الرجل وتلتقي به، ثمّ يجعلها وسائلَ ضغطٍ على هذهِ الفَتاةِ ليقتَنِصَها ويدمِّر أخلاقَها وفضائلها.
فيا أختي المسلمة، احذَري من هذا الضَّربِ من الناس، وأغلِقِي بابَ الاتصال، واجعلي الأمرَ يأخُذ قنواتِه المعروفة ويأخُذ طُرُقَه الشرعيّة، أمّا اتصالاتٌ ولقاءات مشبوهَة فإنّ ذلك خداعٌ لك من أولئك القوم؛ لأنّ بعضَهم لا يهدِف من ذلك سوى الإفساد، هو فاسِد في نفسِه فيريد أن ينقُلَ الفسادَ والشرَّ إلى غيره، ويفرَح مع عُشَراء السّوء بإفسادِ فتَياتِ المسلمين وإيقاعهنّ في البلاء حتى يقضِيَ غَرضَه المحرّم بأسباب هذه الاتّصالاتِ المشبوهَة.

أختي المسلِمَة، أخي المسلِم، لا بدَّ من تقوَى الله للجميع، وأن نكونَ صادقين في إخبارِنا، فإن تكن صادِقًا فقدِّم الخطبةَ لأبي المرأة، واجعَل حَديثَك مع وليِّ أمرها، وابتعِد عن هذه اللقاءاتِ والأحاديث المشبوهَة، فبإمكانِك عقدُ الزّواج وتعجيل الدخولِ فتكون على طريقةٍ واضحةٍ ومنهَج سليم بعيدٍ عن الحرام قليلِه وكثيرِه.

أيّتها المسلمة، لا بدَّ من تقوى الله ومراقبتِه، لا بدّ من أخذِ الحيطة والحذر من بعضِ أولئك الفاسقين الفاسِدين، أن لا نمكِّنَ لهم الأمرَ، وأن نحولَ بينهم وبين إجرامِهم، وأن نردَعَهم ونوقِفهم عند حدِّهم، فوليُّ الفتاةِ المسلمة يجِب أن يشعِرَها بعد الخِطبة على أنّ هذا الخاطبَ لا يزال أجنبيًّا عنها إلى أن يتمَّ العقدُ الشرعيّ، وأنَّ اتصالَها به واتصالَه بها والتحدّثَ بينهما لا يؤدِّي إلى نتائجَ طيّبة.

أخي المسلم، أختي المسلمة، كم مِن محادَثةٍ أفسدت حتَّى الخِطبة وجَلَبت على المرأةِ وأوليائِها العار، وكم محادَثةٍ جَلبَت المصائبَ والبلايا؛ أقوامٌ هم فاسِدون في أنفسِهم، متمرِّسون في الفساد، مجرِّبون لطُرُق الغواية والإفسادِ والإضلال، فيأخُذ بالهاتِف هذه الفتاةَ بأسلوبٍ معسول، ثم يقلِب المِجنَّ عليها ويبتعِد عنها، وربما تعلَّق قلبُها به فأصابها ما أصابها. إذًا فلا تعطِي الانقيادَ إلى أولئك، ودعوا الأمورَ الشرعية تأخُذ مجراها، بعدَ العقدِ الشرعيِّ يبادَر بالدخول حتى تُغلَق أسباب الشرّ، ويحرِص المسلم على الامتناع عن الشرّ والفساد، ويكون زواجُه زواجًا شرعيًّا قائمًا على أسسٍ ثابتة بعيدًا عن هذه الغواياتِ والتضليل" ([10]).

اختلاف قول الإمام الألباني في المسألة:

وقد اختلف قول الإمام الألباني –رحمه الله- في مسألة المكالمات الهاتفية، فأفتى في موضع بجواز ذلك بالشروط السابقة، وفي موضع آخر بالمنع المُطلق .

فقد سُئل -رحمه الله- عن مكالمة الخطيبة في الهاتف فقال: "لا يجوز، حتى وإن كان من أجل النصيحة، وأجاب عن تكرار زيارتها أنَّه لا يجوز"([11]) .

ثم سُئل في موضع آخر فقال: " إذا فعله بحضور ولي أمرها فلا حرج وفيه أدب إسلامي معروف؛ لأنَّ مكالمة الرجل للمرأة بصورة عامة ما فيه محظور شرعًا خلافًا للمتنطعين .
فقيل له: يعني بمحرم، بوجود محرم يعني لأنَّه يريد أن يعرف منهجها هل هي على الكتاب والسنة أو لا، يعني من هذا الباب؟
فقال: ما فيه مانع([12])"([13]) اهـ.


والخلاصة هي اتفاق العلماء على عدم جواز التوسع الذي نراه الآن .
وأنَّ التحقيق ما ذهب إليه الإمام ابن باز والفوزان والألباني في أحد قوليه؛ لأنَّ المخطوبة أجنبية، والأصل جواز مكالمة الأجنبية للحاجة، والخطيبة أجنبية، وإن قيل نمنع ذلك سداً للذريعة وخوفًا من الفتنة، قلنا ما حُرِّم لسدِّ الذريعة يجوز للحاجة، ونحن لا نجيز الحديث لغير حاجة، والله أعلم .

المكالمات الهاتفية مع المخطوبة للتعارف لا تجوز

أما الحديث بالهاتف بذريعة تلك الحجة الأجنبية عن الإسلام ألا وهي: التعرف أكثر ومعرفة الطباع ؛ فهي حجة ساقطة، قال الشيخ العلاَّمة تقي الدين الهلالي –رحمه الله-: " وبهذا تعلم أن قول بعض الأغرار من الشرقيين باستحسان مخالطة الخاطب لمخطوبته قبل العقد، وخلوته بها ومعاشرته لها، زاعما أن ذلك يكشف لكل واحد منهما دخيلة الآخر فيقع الاتفاق، فالحب هو أساس الزواج السعيد، إن هذا القول باطل, وحديث خرافة، لأن هذين المتخاطبين لا يمكن لأحد منهما أن يعرف طباع صاحبه الحقيقية إلا بعد إسقاط الكلفة، وذلك يكون بعد العقد، ولأنهما غير معصومين من المباشرة المحرمة وعاقبتها الوخيمة في العاجل والآجل" اهـ ([14]).



([1]) نور على الدرب ش790 د23 .

([2]) من فتاوى الإمام ابن باز في نور على الدرب ش821 د27 .

( [3]) المنتقي من فتاوى الفوزان (3/163-164) .

([4]) المنتقى ف248 .

([5]) من شريط للعلامة ابن عثيمين مفرغ بعنوان المنهاج في أحكام الزواج السؤال 21 نسخة مكتبة سحاب السلفية، تفريغ سالم الجزائري .

([6]) شرح سنن النسائي للشيخ عبد المحسن العباد، كتاب الطهارة، الشريط 59، الدقيقة 51.

([7]) من لقاء منتديات الإمام الآجري مع الشيخ الجابري ظهيرة يوم الأحد
30 رمضان 1427 هـ . السؤال الثامن .

([8]) وهو كلامٌ ننقله بطوله لأهميته البالغة .

([9]) خُطبة جمعة بعنوان الحث على الزواج، ألقاها الشيخ في الرياض بجامع الإمام تركي بن عبدالله، بتاريخ 13/4/1424 وهي منشورة في موقع الإسلام الذي برعاية وزارة الأوقاف السعودية، وتحت إشراف معالي الشيخ صالح آل شيخ .

([10]) من خطبة جمعة بعنوان: أخطاء ومخالفات في الخطوبة، ألقاها الشيخ في الرياض بمسجد الإمام تركي بن عبد الله، بتاريخ 11/7/1425 .

([11]) من فتاوى سلسلة الهدى والنور ش 269 و1 .

([12]) ربما يُحمل ذلك على الزيارة الأولى للخطبة .

([13]) ش665 د28 من سلسلة الهدى والنور .

([14]) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثامن، تعليم الإناث .

أم سَلمى
25-04-2009, 05:00 PM
توضيح دقيق بارك الله فيكِ أختي ام سلمى 2

وفقك الله لما يحبه ويرضاه


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفيكِ بارك الله أخيتي الحبيبة إسلامية

شكر الله لكِ تواجدكِ الطيب ومروركِ العطر وما جاد به مدادكِ الطاهر

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

أم سَلمى
25-04-2009, 05:03 PM
بارك الله فيكِ أختي ام سلمى


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفيكِ بارك الله أخيتي الحبيبة كريمة

شكر الله لكِ تواجدكِ الطيب ومروركِ العطر وما جاد به مدادكِ الطاهر

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

أم سَلمى
25-04-2009, 05:05 PM
جزاكى الله خيرا


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفيكِ بارك الله أخيتي الحبيبة

شكر الله لكِ تواجدكِ الطيب ومروركِ العطر وما جاد به مدادكِ الطاهر

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

أم سَلمى
25-04-2009, 05:08 PM
موضوع مهم بارك الله فيكي


بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وفيكم بارك الله

شكر الله لكم تواجدكم الطيب ومروركم الكريم

رفع الله قدركم وأعلى نزلكم

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

لقاء
25-04-2009, 08:22 PM
جزاك الله خيرا أختي الحبيبة أم سلمى2

سلمت يمينك على هذا الموضوع القيم ....

جعله الله في ميزان حسناتك ...

ويثبت موضوعك المميز لأهميته ...

رزقك الله سعادة الدارين

إسلامية
25-04-2009, 08:37 PM
فعلا موضوع قيم واصلت قراءته فاستفدت كثيرا

جزاك الله خيرا أخيتي أم سلمى

وفقك الله لما يحبه ويرضاه

أم سَلمى
25-04-2009, 09:22 PM
جزاك الله خيرا أختي الحبيبة أم سلمى2

سلمت يمينك على هذا الموضوع القيم ....

جعله الله في ميزان حسناتك ...

ويثبت موضوعك المميز لأهميته ...

رزقك الله سعادة الدارين

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وإياكِ أخيتي الحبيبة لقاء

سلمكِ الله من كل مكروه

شكر الله لكِ تواجدكِ الطيب ومروركِ العطر وما جاد به مدادكِ الطاهر

أسأل الله أن ينفع بهذا الموضوع ...

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

أم سَلمى
25-04-2009, 09:25 PM
فعلا موضوع قيم واصلت قراءته فاستفدت كثيرا

جزاك الله خيرا أخيتي أم سلمى

وفقك الله لما يحبه ويرضاه

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وإياكِ حبيبتي إسلامية

أحسن الله إليكِ ..زسعيدة بتواجدكِ العطر وتفضلكِ بالقراءة والتعليق للمرة الثانية

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه

أم خلفان AD
08-05-2009, 01:56 PM
ما شاء الله جزاك ِ الله خيرا ً

أم سَلمى
10-05-2009, 09:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وإياكِ أخيتي الحبيبة أم خلفان

أحسن الله إليكِ ..سعيدة بتواجدكِ العطر وتفضلكِ بالقراءة وحسن قولكِ

رفع الله قدركِ وأعلى نزلكِ

تمنياتي لكم بوافر الصحة والسلامة والرضى والقبول من الله عز وجل

في رعاية الله وحفظه